فن التعلّم (1)

images

لا يعني التعليم سوى جعل الآخرين يتعلمون، والتعلم أصعب من التعليم. ذلك أنه لا يستطيع أن يعلّم بكيفية صحيحة إلا من يستطيع أن يتعلم بكيفية صحيحة. ولا يختلف المعلم الحق عن التلميذ إلا في أنه يستطيع أن يتعلم بكيفية أفضل، وأنه يريد أن يتعلم بكيفية أكثر أصلية.

في كل تعليم يكون المعلم هو من يتعلم أكثر..

مارتن هايدغر (السؤال عن الشيء)

من العلامات التي تخص حالة التعليم العمانية والتي أجدني استدعيها، لعدة أسباب أهمها مدى تأثيرها وتكرارها الذي قد يوحي بمصداقيتها، في حين أنها تمثل حالة فصام وجهل.. عن تاريخ العلم، وهي تاريخية تتيح المقارنة بين رمزية ووضع المعلم والمتعلم في الوعي الجمعي وبين الوضع الراهن لوضع المعلم والمتعلم، اضافة لكونها علامة ومؤشراً على مدى وعي المعلم والطالب بكيانهما الوجودي نفسه في المكان.

لننظر الآن لهذه العلامة المتمثلة في المقولة الرائجة عن المدارس الثلاث قبل السبعين من القرن الماضي مقارنة بمئات المدارس اليوم والتي تتجاوز الألف مدرسة، لقد كانت هذه المقولة في السابق تتجنب خطأها بإضافة كلمة الحديث إلى التعليم، وبذلك تعني العبارة أنه كانت قبل السبعينات من القرن الماضي ثلاث مدارس للتعليم الحديث، مع الوقت بدأت تسقط كلمة (الحديث) من العبارة لتصبح صفة مطلقة للتعليم، بمعنى أن عدد المدارس في عمان قبل السبعين كانت ثلاث مدارس فقط، فتتوهم الأجيال المعاصرة -خطأً- أن البلد كانت في الجهل المطبق وأن العلم لم يوجد في هذه الأرض، ناهيك بايحاءات ضمنية عن انتشار التعليم في كل مكان آخر في العالم الا هذه البلاد، وفي ذلك ما فيه من نسف ومغالطة وهدم وإلغاء لقرون ومئات السنين من المسيرة التعليمية.

الحقيقة التاريخية هي أن التعليم، وأهمية العلم والمعلم بالتالي، بقيت راسخة في العالم القديم منذ أزمنة بفعل جهود متراكمة، وعمان لم تكن استثناءً، وقد خصصت تبرعات وأوقاف مالية للتعليم في كل الحواضر والقرى، ولم تتوقف العملية التعليمية لمئات السنين في عمان، سواءً لتعليم الصغار مبادئ القراءة والكتابة التي كانت تعتمد على القرآن في قراهم الصغيرة، أو للمستويات التالية والتي كانت ترتكز على كتب منتقاة لتعزيز ملكات الطالب اللغوية والفقهية المبسطة، أو المستويات العليا التي كانت تستوجب السكنى في مراكز المدن المعروفة كنزوى والرستاق وبهلا، مثل قاعات التعليم في قصر جبرين، التي شكلت جامعات تقليدية دائمة، أو في السفر والإقامة مع العلماء وإنشاء حلقات الطلبة الدائبة حولهم. أو رحلات طلب العلم التي كانت تمتد إلى حواضر العالم العربي والإسلامي، أو حتى حواضر العالم.

من هنا فإن مكانة المعلم والطالب هي مكانة مؤسسة تاريخياً عبر جهود متصلة، لا يجوز أن نبترها فقط لنقتنع بأننا حققنا إنجازاً ما، أما التعليم الحديث فلم ينتشر في العالم أجمع إلا مع انتشار منظومة الدولة الحديثة في غمار الثورة الصناعية ولخدمتها، ولحدود القرن التاسع عشر لم يعرف العالم هذا النظام الحديث من التعليم، أما في العالم الشرقي فلم تعرف البلدان مثل هذا المفهوم إلا في حقبة الاستعمار، الذي أنشأ المدارس لتعليم وتخريج موظفين محليين يخدمون ويلبون الحاجات الاستعمارية في الهند أيام الراج مثلاً، أو حتى مدرسة الخديوية في القاهرة التي كانت مقتصرة على تخريج موظفين للنظام، ثم انتشرت لاحقاً، أما ما سبق ذلك من تعليم فقد كان تحت سيطرة وإدارة المؤسسة الدينية شرقاً وغرباً.

مع الوقت تم أخذ صورة كاريكاتورية ساخرة عن معلم الصبيان وتعميمها بوصفها نموذجاً للمعلم وللتعليم القديم. رغم أن هذا النظام التعليمي التقليدي الحر هو الذي أخرج فلاسفة وحكماء وأدباء وعلماء طبيعة ودين وأطباء أفذاذاً ومؤرخين وفنانين وقادة عسكريين وسياسيين أو المعلمين أنفسهم ناهيك بالقضاة.

 

النظام التعليمي التقليدي لم يضع نصب عينيه الوظيفة وسوق العمل ليرهن بها التعليم، مثلما هو التعليم الحديث الذي تأسس لخلق طبقة عمال محترفين وموظفين مدربين، بل كان العلم نصب عينيه ويضع العلم فوق كل شيء آخر، معتبراً العمل مجرد مصدر رزق للإنسان. وأياً كان ذلك العمل فهو لا يشير من قريب أو بعيد إلى مستوى تعليم الإنسان، بعكس عالمنا اليوم.

 

لا يعني ذلك تمجيد ذلك النوع من التعليم التقليدي أو التغاضي عن أخطاءه أو قصوره أو تذبذب أداءه، أو أسره الديني، لكن يجب أن ننصف ونتعلم أكثر مما نعلم من الحركة الذاتية للتعليم التي استطاعت الصمود لقرون وسط التقلبات السياسية المختلفة لتقدم ما تستطيع من أسس معرفية لأجيال من الناس، بغض النظر عن قدرة أو عجز الدولة. وأن يدرك أطراف العملية التعليمية أنهم الورثة الحقيقيون لمكانة العلم والمعرفة لا بوصفهما أدوات لجني المال أو للانخراط في سوق العمل، بل لقيمتهما الرمزية الكامنة في كونهما هدفاً لذاتهما.

 

ابراهيم سعيد

اضف تعليق