فن التعلّم (2)

53fc0ba75b5bc1ee328b4fbe6b71b078_400x400

العلم صورة المعلوم في نفس العالم، وأنفس العلماء عالمة بالفعل، وأنفس المتعلمين عالمة بالقوة، والتعليم هو إبراز ما بالفعل إلى القوة، والتعلم هو بروز ما بالقوة إلى الفعل.

(من كلام أبي سليمان المنطيقي في العلم والتعلم)

يبدو التعليم كعمل في وقتنا الحاضر واحداً من أكثر الأعمال تعقيداً وتشابكاً، بسبب المدى الواسع لتأثيره طبعاً، لكن أيضاً بسبب الصعوبات الناشئة من تحكم النظام الحديث للدولة، لقد ظلت عملية التعلم طوال تاريخها عملية حرة متمردة على التحكم السياسي للدولة، منذ أيام أكاديمية أفلاطون التي كتب على بابها لا يدخل هنا من لا يعرف ما هو الرياضيّ. ورغم محاولات السلطة عبر التاريخ ظل التعليم متحرراً بنسب متفاوتة من سيطرة السلطات المختلفة، مستفيداً في نفس الوقت من دعمها وحمايتها، بينما نظام التعليم الحديث تأسس وجعل نفسه خادماً للنظام الاقتصادي، وهو التعليم الذي تحاربه في نيجيريا بالسلاح جماعة بوكو حرام (أظن هنا أن الاسم يعني الكتاب حرام و(booko) من (book))

تمكنت السلطة الحديثة من التحكم بمفاصل العملية التعليمية عبر تأسيس منظومة التعليم الحديث، وبالتالي أخضعتها للنظام العام، وهكذا يجد المعلم نفسه اليوم مدفوعاً بالقوة لزجّ وحشر نفسه وعمله في إطار أداتي ضيّق يتحول فيه المعلم/ة من قيمة ثقافية ورمزية عليا على امتداد التاريخ وعبر جميع الثقافات إلى مجرد منفّذ ميكانيكي مهمته/ا تذويب المنهج المجهز سلفاً في عقول طلابه/ا وطالباته/ا.

بسبب ذلك الحيّز الضيق أساساً رأى المعلم كيف أن مركزه الاجتماعي ظل يتقهقر عن المكان الأسطوري الذي ارتبط به طوال التاريخ، كيف أن المعلم الذي كان يمثل الحكيم والنبي والمثقف ويحيا ممثلاً للعقل الجمعي ونبع المعرفة والقائد الفكري والوعد الحي والرمز الانساني للعلم والمعرفة، تحول في غمضة عين إلى مجرد موظف، لا يختلف عن بقية الموظفين إلا بمدى علاقاته وتأثيره وفائدته المتوخاة وحجم راتبه وشكله الخارجي. وينسحب ذلك حتى على المجال الأكاديمي الجامعي إلا مع استثناءات لافتة.

انعكس أثر ذلك في العملية التعليمية فهان المعلم على الطالب، وبدأ الطالب يتعامل مع المعلم بطريقة ميكانيكية منفرة للمعلم والطالب معاً، فتعرقل سير العلاقة التي تربطهما ببعضهما البعض، اضطراب حمل في طياته مزيداً من الاستخفاف بالبيئة الجامعة التي هي المدرسة، وصارت المدرسة بيئة طاردة مثلما يشرح ذلك بيير بورديو في عمله المشترك مع مجموعة باحثين في الجزء الثاني من الكتاب المهم بؤس العالم. حيث نجد طلاباً ومعلمين في دول تعتبر نفسها متقدمة كفرنسا وأمريكا يعانون البؤس من التحولات المدمرة التي تطرأ على بيئة المدرسة والتي تبتلع التعليم والتعلم في دوامة من العنف والظواهر المرضية التي هي مؤشر واضح على عيوب النظام.

ومثال آخر: منذ شهر تقريباً بثت إحدى القنوات الإخبارية تقريراً عن وضع المدراس في بعض مناطق باكستان حيث خلت المدارس من المعلمين لأن الدولة عجزت عن دفع رواتبهم، وحلّ الطلاب المتقدمون محل المعلمين للصفوف الدنيا، وخلت المدرسة من الطلاب وأعوزتهم الكتب والمواد التعليمية. وهذا مؤشر صغير للوضع في كثير من البلدان المشابهة اقتصادياً وسياسياً، حيث يوماً بعد يوم يجد الإنسان نفسه عاجزاً عن بلوغ العلم والتعليم، يختطفه من نعومة أظفاره  سوق العمل الذي يبحث بجشع متعاظم عن العمالة الرخيصة غير المتعلمة.

عندما يجد المعلم نفسه مرتهناً للمزاج الإداري، وضغوطاته التي تقتل كل الدوافع الذاتية لتستبدلها بالدوافع والكوابح الآلية كالرواتب والحوافز والخصومات والعقوبات، أو مثلما حدث في قضية المشرفين التربويين في منطقة شمال الشرقية مؤخراً، حيث يجري التشكيك دوماً بالدافع الذاتي للمعلم، وقتل دوافعه الذاتية واستبدالها بدوافع ميكانيكية، كأنها تُغني؛ هكذا يذبل المعلم في مزهريته، ويتحول في أحسن الأحوال إلى زهرة بلاستيكية بلا رائحة.

يأتي الطالب ويقف أمام زهرة البلاستيك ويدّعي أنه يقوم بالتعلم، والطالب هو الذي يقوم بالعمل الأصعب وهو (التعلّم) كما أشار هايدغر في الاقتباس الأول، يدّعي الطالب/ة أنه يفهم، ويحاول أن يبذل قصارى جهده أو يتحايل على الاختبار، كي ينجح، ليتمكن من تنفيذ هدف التعليم الذي يتناقض مع تاريخ العلم وهدفه التنويري.

الإنسان ليس آلة، وكلما عومل الإنسان على أنه كذلك يصاب بأعراض المرض العصبي وتنتابه ردات فعل المقاومة، المستكينة أو العنيفة الغير متوقعة، كي يعترض ويقاوم ليخرج من الحيّز الذي يكسر أجنحته، والمعلمون/ات والطلاب/ات والمدرسة التي هي مكان الدراسة والتعلم لا يمكن أن تتحول لسجن مثلما يشير فوكو إلى طريقة تعامل السلطة مع المباني إما كسجن أو كمستشفى أو كحجز..

على المعلمـ ين/ات أن يعملوا بجدّ ليعود التعليم كما كان فنّا تطبيقياً، مثلما أن الرياضيات كانت في الأصل من الفنون، فناً إبداعياً، وأن يقاوموا كل الأوامر التي تخشّب التعليم وتجمده وتقتل روحه الخلاقة، وأن يرفعوا من مقام العلم وهدفه.

 حين نعي وندرك حجم مهمة العلم السامية حقاً، وأنها ليست مجرد مقولة تتردد كأي مقولة أخرى، عندها سندرك أن علينا أن نعامل المدرسة كمكان علمي مقدس وكحرم حقيقي للمعرفة، يخلق أرواحاً حرة تسعى سعياً نحو نور العلم، وليست المدرسة مسرحاً للتشريفات الإدارية أو لاستقبال الوفود الوزارية، والطلاب والطالبات ليسوا مجرد أدوات للتباهي بين المدارس أو لإثبات نجاح الوزارة في خطتها من عدمه، بل هم هدف العملية التعليمية برمتها، لا مجرد أداة من أدواتها، والتعليم نوع من الفن المقدس لأنهُ ينير كل ما حوله عبر سعيه الدؤوب للعلم الذي يكتسبه من التعليم. عندها يدرك الطالب والمعلم موقعهما الحقيقي، وعندها تصبح المدارس والأكاديميات حومة أرحام خصبة ترفد الحيوية الاجتماعية وتنمّي القدرات الإنسانية وتبني أرواحاً جديدة للعالم وللأرض. مثلما يرد وصف ذلك في رواية هيرمان هسه الرائعة لعبة الكريات الزجاجية.

 إبراهيم سعيد

اضف تعليق