التربية والتعليم عبر الحضارات…الجزء الأول

قصة الحضارة

” أفرغ قلبك للعلم وأحبه كما تحب أمك، فلا شيء في العالم يعدل العلم في قيمته “

من برديات المصريين القدامى

تقرير: موسى البلوشي

أمضى  “ويل ديورانت” وزوجته “أريل ديورانت” أكثر من أربعين سنة في تأليف ” قصة الحضارة ” ، وهي من أنفس الكتب الموسوعية المؤلفة في المكتبة العالمية، نقله ديورانت بعد ملاحقة للتاريخ و اطلاع لعشرات المؤلفات وطواف وسفر حول العالم على مدار 40 عامًا من عام 1935 حتى عام 1975، و طالب ديورانت من كل قارىء أن يتتبع المراجع العامة والخاصة التي أثبتها في آخر كل جزء من أجزاء موسوعته الشهيرة.

وفي هذا التقرير سرد لما ورد في موسوعة قصة الحضارة حول التربية والتعليم لحضارات العالم عبر التاريخ:

يرى ديورانت في موسوعته قصة الحضارة أن انتقال الحضارة على مر الأجيال تستوجب وجود تربية ، ويعني بها وسيلة يتم اتخاذها وإن كانت بدائية ، ويضرب مثالا عبر توريث تراث القبيلة وروحها عبر توريثهم نفعها ومعارفها وأخلاقها وتقاليدها وعلومها وفنونها، سواء كان ذلك التوريث عن طريق التقليد أو التعليم أو التلقين، وسواء في ذلك أن يكون المربي هو الأب أو الأم أو المعلم أو القسيس، لأن هذا التراث إن هو إلا الأداة الأساسية التي تحول النشء من مرحلة الحيوان إلى طور الإنسان .

وحول علاقة المؤسسة الدينية بالتعليم يرى ديورانت أن الكاهن لم يخلق الدين خلقاً، لكن أستخدمه لأغراضه فقط، كما يستخدم السياسي ما للإنسان من دوافع فطرية وعادات؛ فلم تنشأ العقيدة الدينية عن تلفيقات أو ألاعيب كهنوتية، إنما نشأت عن فطرة الإنسان بما فيها من تساؤل لا ينقطع وخوف وقلق وأمل وشعور بالعزلة؛ نعم إنا لكاهن قد أضر الناس بإبقائه على الخرافة وباحتكاره لضروب معينة من المعرفة، لكنه مع ذلك عمل على حصر الخرافة في نطاق ضيق، وكثيراً ما كان يحمل الناس على إهمال شأنها، وهو الذي لقن الناس بداية التعليم والتهذيب – كما يقول ديورانت في فصل العناصر الخلقية في المدنية.

ومن وجهة نظر ديورانت أن المدنية ثروة زاخرة تجمعت على الأيام من الفنون والحكمة وألوان السلوك والأخلاق، ومن هذه الثروة الزاخرة يستمد الفرد في تطوره غذاء لحياته العقلية، ولولا أن هذا التراث البشري يهبط إلى الأجيال جيلاً بعد جيل، لماتت المدنية موتاً مفاجئاً، فهي مَدِينة بحياتها إلى التربية.

وعن التربية يصف ديورانت بدايات التربية بالضئيلة في الشعوب البدائية فيقول:

إذ التربية عند الشعوب البدائية – كما هي عند الحيوان – هي قبل كل شيء نقل لضروب المهارة تدريب الناشئ تدريباً يصوغ له شخصيته، فهي علاقة مفيدة سليمة بين العلم والتعلم في تلقين طرائق العيش؛ وهذا التعليم العملي المباشر شجع عند الطفل البدائي نمواً سريعاً.

ويضرب ديورانت أمثلة لذلك فيذكر:

في قبائل “أوماها” يكون الولد وهو في سن العاشرة تقريباً قد تعلمَ معظم فنون أبيه، مستعداً للحياة؛ وفي قبائل “الألوت” Aleuts غالباً ما يؤسس الولد داراً لنفسه وهو في العاشرة، وأحياناً يختار زوجة وهو في هذه السن؛ وفي نيجيريا يترك الأطفال وهم في السادسة أو الثامنة دور آبائهم ليبنوا لأنفسهم أكواخاً ويزودوا أنفسهم بالقوت من الصيد والسماكة

أما في مصر القديمة فكان يطلق أحد الكهنة- وقد كان يشغل المنصب الذي يصح أن نسميه في هذه الأيام وزير التعليم- على نفسه اسم “رئيس الإسطبل الملكي للتعليم” وقد عثر في خرائب إحدى المدارس التي يبدو أنها كانت جزءاً من بناء الرمسيوم على عدد كبير من المحار لا تزال دروس المعلم القديم ظاهرة عليها. وكان عمل المدرس في تلك الأيام هو تخريج الكتبة للقيام بأعمال الدولة، وكان المدرسون يستحثون تلاميذهم على الإقبال على التعليم بتدبيج المقالات البليغة يشرحون فيها مزاياه.

من ذلك ما جاء في إحدى البرديات : ” أفرغ قلبك للعلم وأحبه كما تحب أمك، فلا شيء في العالم يعدل العلم في قيمته ” . وتقول بردية أخرى : “ليس ثمة وظيفة إلا لها من يسيطر عليها، لكن العالم وحده هو الذي يحكم نفسه”.

اضف تعليق