البيئة المدرسية ..هل هي جاذبة ومحفّزة؟

B6as0hsCAAIbACJ

تحقيق: منى المطروشي

لأن المدرسة هي المركز التعليمي الأول والتي يقضي الطالب فيها أكثر سنوات عمره التعليمية لتصل إلى 12 سنة؛ فقد وجب الاهتمام بها شكلاً ومضمونًا لتكون مهيّأة بكل الاحتياجات والتجهيزات التعليمية والتربوية؛ وكل سبل الراحة النفسية للطلاب والعاملين فيها؛ فتكون بيئة جاذبة أكثر من كونها بيئة منفّرة.

 وانطلاقًا من أهمية البيئة المدرسية في نجاح العملية التعليمية و ارتفاع المستوى التحصيلي للطلبة؛ رصدت مجلة نوت الكثير من أراء المعنيين بالعملية التعليمية في محاور رئيسية أربعة: المبنى المدرسي, الوسائل التعليمية ,المناهج الدراسية و المناشط والفعاليات, كونها المحاور الأربعة الرئيسية التي تجعل من كل مدرسة بيئة تعليمية جاذبة.

مواصفات البيئة المدرسية الجاذبة

أما عن مواصفات البيئة المدرسية الجاذبة للطالب والمعلم؛ فتقول مريم السالمي- مشرفة تقنية معلومات- : أن البيئة المدرسية الجاذبة هي التي يتوفر فيها  المرافق والتجهيزات والتقنيات مثل: الاهتمام بشكل المدرسة من طلاءٍ ولوحات ورسومات جذابة، وتوفير الحدائق البسيطة كمتنفس للطلاب. وكذلك الاهتمام بنظافة المدرسة وصيانة دورات المياة والمرافق الأخرى، وتوفير الوسائل التعليمية الحديثة والاهتمام بالمقصف المدرسي. و أما بالنسبة للمعلم فينبغي توفير غرف واسعة بمكاتب مريحة وتجهيزات مثل شبكة الإنترنت وآلات التصوير وغيرها من الأدوات المهمة.

أما ناصر الهاشمي – طالب في الحادي عشر- فيقول: إن البيئة المدرسية الجاذبة هي التي ستبدأ بتغير مشاعرنا اتجاه المدرسة إلى مشاعر حب ورغبة، وتغيّر نظرتنا لها إلى أنها مكان للتعليم بالتي هي أحسن وليس بالقوة والفرض. وتكون مكان آخر للترفيه وتبادل المعلومات بطريقة عصرية. ويقول أيضًا: أن البيئة المدرسية الجاذبة تكون ذات تصميم عصري يواكب التغير الكبير الحاصل في المباني وتصميمها، وتكون ذات ألوان مبهجة ومرحة ومزينة بالخضرة والنباتات، ويتوفر فيها الوسائل التعليمية المختلفة والإنترنت والمختبرات العلمية المزودة بكل الاحتياجات، وغرف لممارسة أنشطة مختلفة، ويتوفر فيها قاعات وملاعب رياضية. و تقدم فيها المناهج بطرق مختلفة ومتنوعة ومدعّمة بالوسائل التعليمية لتكون محببة أكثر. ويقسم فيها الوقت إلى دراسة مناهج وممارسة أنشطة وفسحة, وليس فقط دراسة وفسحة 20 دقيقة.

المبنى المدرسي في السلطنة

زكية الحسيني- أخصائية مصادر تعلم- تعبر عن أسفها بواقع المدارس في السلطنة حيث ترى أن القاعات الدراسية التي يقضي الطالب فيها أكثر وقته خالية من أبسط عوامل الجذب, حيث أن بعض الفصول الدراسية مكتظّة بالطلاب؛ فبعض الفصول يصل عدد طلابها إلى 34 طالب مما يشكل تزاحم الطلاب مع بعضهم البعض وعدم قدرتهم على الاستيعاب بشكل جيد. وغير القاعات الدراسية فإن غرف الأنشطة لا تتوافر فيها الأدوات والمصادر والوسائل التي تجذب الطالب لارتيادها. و في الواقع لا تتوفر قاعات الأنشطة الكافية والتي تخدم كل المواد الدراسية.

ويرى هلال الصبحي – معلم دراسات اجتماعية-  أن تصميم المبنى المدرسي الذي يتميز بالألوان الباهتة والزوايا الحادة وصعوبة تبديل أماكن الجلوس وقاعات التدريس؛ إضافة إلى قصور الإمكانيات والاحتياجات في القاعات الدراسية وغرف الأنشطة تجعلها عامل مشتت وغير جاذب للطالب.

وتؤكد مريم السالمي أيضًا أن مرافق المدارس في السلطنة غير جاذبة للطالب إلا فيما ندر من بعض المدارس المهتمة والحاصلة على دعم من القطاع الخاص.

وتعبر مقبولة مهدي – مديرة مدرسة في تعليمية الوسطى- عن رأيها في مدارسنا بأنها غير جاذبة لعدّة أسباب ومنها: عدم تفعيل الأنشطة المصاحبة للعملية التعليمية (رحلات علمية – مناشط ثقافية – منافسات رياضية وأنشطة ترفيهية…) وغير أن مبنى المدرسة وتصميمه غير مشجع ويفتقر ميدان المدرسة للخضرة والتشجير التي بدورها تبعث الراحة النفسية في نفس الطالب.

والطالب محمد المطروشي في الصف الرابع لا يحب شكل المدرسة وألوانها الباهتة فالمدرسة بأكملها ذات لون واحد وكأنها مركز شرطة- كما وصفها- ويقول أيضا: أنه رغم الاهتمام بالمدرسة واحتوائها على حديقة مصغرة إلا أنه وبقية الطلبة لا يستمتعون بها؛ فهم ممنوعون من الحركة واللعب فيها، حيث يطلب منهم البقاء هادئين حتى في وقت الفسحة.

الوسائل التعليمية في البيئة المدرسية

إن لتنوع الوسائل التعليمية والتقنية في المدرسة وفي الفصل الدراسي تأثير كبير في سرعة اكتساب المعلومة؛ و زيادة الرغبة في التعلم والتعليم والحصول على المعلومات بطريقة أسرع وأسهل وأكثر إمتاعا . فماذا عن توفر هذه الوسائل في مدارسنا ؟؟.

هدى الشحي- معلمة لغة إنجليزية-  تقول : إن المدرسة تفتقر لكثير من الوسائل التعليمية، وفي حال تم توفير الوسائل تكون لفئة عمرية معينة فقط !. ويكون هناك حذر شديد في ؛ فالمعلم لا يستطيع استخدامها بأريحية، وليست متاحة في كل الوقت. وتؤكد هدى أن الوسائل التعليمية مهمة جدا في تقديم المناهج بطريقة سهلة وممتعة، ولابد أن تتنوع هذه الوسائل ويتم تحديثها باستمرار؛ بحيث تتناسب مع تحديث المناهج الدراسية.

وتقول زكية الحسيني: أن سهولة الوصول للوسائل التعليمية تجعلها محببة ومرغوبة أكثر من قبل الطالب والمعلم، ويكون ذلك بجعلها مرتبة ومنظمة، وأن يكون موقع مركز المصادر مناسبًا و يسهل الوصول إليه بحكم كونه مصدر الوسائل التعليمية الأول في كل مدرسة.

وتضيف هدى الشحي: لابد من أن تتناسب الوسائل التعليمية مع الفئة العمرية, فعلى سبيل المثال: في الحلقة الأولى لابد من توفير الألعاب والوسائل البصرية؛ فهي تجذب الأطفال أكثر. وبالنسبة للحلقة الثانية والثالثة ينبغي توفير الوسائل التقنية واستخدام التكنلوجيا؛ فهي تجذب انتباه الطالب أكثر من الوسائل التقليدية التي أصبحت مملة مع وجود هذه الثورة التقنية.

ويرى بخيت الزعابي- معلم تربية إسلامية- ضرورة استخدام شبكة الإنترنت فهي في عصرنا هذا أفضل الوسائل التعليمية وأبسطها وأسرعها في الحصول على المعلومة. ولكن للأسف لازالت هناك الكثير من المدارس لا يوجد بها شبكة إنترنت. وحتى المدارس التي توفر شبكة إنترنت فهي ليست متاحة للجميع في كل وقت لا للمعلم ولا للطالب.

و يضيف أنه من الجميل لو تم توفير جهاز كمبيوتر موصول بشبكة الإنترنت مع جهاز عرض في كل صف دراسي ، مما سيجعل من العملية التعليمية أمتع للطالب والمعلم .

جاذبية المناهج الدراسية

ولأن المناهج الدراسية هي التي تحدد مدى تعلم الطالب ومدى استمرارية تعلّمه؛ فوجب اعطاؤها الوقت والتركيز الأكبر من حيث محتواها وارتباطها بالحياة والتقنيات الحديثة؛ ومواكبتها للعصر وتطويرها المستمر, فكان لها وقفة خاصة.

فتقول مريم السالمي: أن المناهج الدراسية للأسف ليست جاذبة ولا ممتعة لا للطالب ولا للمعلم. وتأخذ وقتًا طويلًا نسبيًا في عملية التطوير والتحديث. وتوافق هدى الشحي على هذا الرأي وتقول: ” بعض المناهج الدراسية مملة وأحيان غير هادفة”.

أما هلال الصبحي فيقول: “هناك مناهج ودروس ممتعة ومشوقة للطالب وبها ربط مع البيئة والواقع؛ ومتجانسة مع المرحلة العمرية، وتمنح المعلم فرصة للإبداع والتميز . كما أن هناك دروس كئيبة مملة لا تقدم فائدة معرفية ولا تربوية، ولا تنسجم مع المنطق والواقع؛ إنما هي تكملة عدد لإضاعة الوقت والجهد.

في حين يقول الطالب ناصر الهاشمي: “في كل منهج دراسي هناك دروس مملة ودروس ممتعة جدًا. ولكن للأسف أن في بعض الأحيان حتى الدروس الممتعة تُعطى بطريقة كئيبة جدًا وتقليدية جدًا تقتل متعتها. وأن ما يجعل الكثير من الدروس مملة هي عدم ارتباطها بالواقع وبحياتنا؛ فلا نفهم الفائدة منها وهناك الكثير من الدروس التي لم أفهم ليومي هذا الهدف منها، وكيف يمكن أن تنفعني من الناحية المعرفية.

أما آية المقبالي- طالبة في الصف السابع- تقول: ” المناهج غير جاذبة؛ فنحن لا نقوم بشي آخر غير الدراسة وحل الأنشطة الكتابية، والاستماع للمعلمة والمشاركة بالإجابات فقط”.

وفي ندوة التعليم في السلطنة المنعقدة في أكتوبر الماضي؛ أكد الدكتور حمد بن مسلم البوسعيدي من وزارة التربية والتعليم على أن عملية تطوير المناهج عملية حيوية. وقد شرعت الوزرة في إجراء تطوير شامل للمناهج العمانية بما يعالج التوجهات الحالية للمناهج الدراسية ويراعي المستجدات التربوية والعلمية في مجالات المناهج وأساليب تدريسها. و أوضح أنه تم إنجاز المرحلة الأولى  من هذا المشروع، والتي تضمّنت بناء الإطار العام للمناهج.

جاذبية الأنشطة والفعاليات  

يقول هلال الصبحي أن للأنشطة والفعاليات دور في جاذبية الطالب والمعلم وإقبالهما على الإبداع والتميز؛ ولكن بشرط أن تكون مقننة وغير مبالغ فيها. وأن ترتبط بالمنهج، وأن تنفّذ في التوقيت الصحيح، ويشرف عليها مختص متفرغ لذلك؛ بحيث لا تشكل عبء على المعلم؛ فتجده لا يقدّرها ولا يعطيها الوقت والجهد والاهتمام المناسب.

أما آية المقبالي فتقول:” رغم تعدد الأنشطة المدرسية .. للأسف فنحن لا نمارسها. وبالرغم أنني أنتمي لجماعة العمل التطوعي؛ لم نقم بأي أعمال تطوعية ولم نمارس أي أنشطة في الجماعة. وهذا حال باقي الأنشطة هو مجرد اسم. وفي الحقيقة ليس هناك أي أنشطة نستطيع ممارستها سواء في الصف أو خارجة, حتى في حال تغيبت إحدى المعلمات ليس هناك ما نستطيع ممارسته، فلا تتوفر الوسائل ولا غرف الأنشطة.

وتؤكد مريم السالمي أهمية الأنشطة والفعاليات في جعل المدرسة بيئة جاذبة للطالب. ومن هذه الفعاليات: الرحلات والزيارات الميدانية وإقامة الأيام المفتوحة و استغلالها في تفعيل الأنشطة المدرسية وتطوير الإذاعة المدرسية.

وتضيف مقبولة مهدي أن التركيز على الجانب الأكاديمي فقط هو ما يجعل المدرسة مُنفّرة للطلاب؛ فوجب تفعيل الجوانب الأخرى كالرحلات العلمية والثقافية والرياضية.

أما عبدالعزيز الجرداني- طالب في الصف العاشر- فيقول:” للأسف لا تتوافر جميع الأنشطة المثيرة للتعلم و تنمية المواهب في مدارسنا. ولكنني أشترك في النشاط الرياضي، وهذا ساعدني في الانضمام إلى فريق على مستوى المحافظة؛ وهذا يشعرني بالاعتزاز ويزيد من مهارتي في كرة القدم..

بداية التغير

في تاريخ 19 فبراير 2014 ترأست معالي الدكتورة مديحة الشيبانية وزيرة التربية والتعليم اجتماع اللجنة الرئيسية للسياسات  التربوية وتطوير التعليم. وقد ناقش المجتمعون في اللجنة المواصفات الجديدة المقترح ادخالها على المبنى المدرسي المستخدم حاليًا ومدى الحاجة الفعلية لمثل هذه الاضافات. وقد جاءت هذه المقترحات بناء على الزيارات التي قامت بها اللجان المكلفة لعدد من الدول الشقيقة والصديقة، واطلاعها على تجارب تلك الدول فيما يتعلق بالمباني المدرسية.

وتم الاتفاق في هذا الاجتماع على أن يتم العمل على دراسة هذه الاضافات والتعديلات المقترحة على المبنى المدرسي؛ بحيث يتم إدراجها بعد إقراراها ضمن مشاريع الخطة الخمسية القادمة (2016-2020) وفقا للاحتياجات الفعلية القائمة، وبما يتماشى مع خصوصية السلطنة والاعتمادات المالية المتوفرة في هذا الجانب.

في حين يرى هلال الصبحي أن فكرة التغيير في مدارسنا لتكون جاذبة للطالب بإتاحة الفرصة لإبداء الرأي والمشاركة والتمتع بالحرية في التنفيذ والتخطيط والخروج عن فكرة المدرسة- المعسكر- المحاط بأسوار وأبواب بمواعيد جامدة؛ حيث تكبت الحرية وتعتمد على الروتين الممل وتعيق الحركة وتركز على التلقيين وتقتل الإبداع. وتفاضل بين الطلبة على أساس مدى إطاعة الأوامر وتنفيذها، وبتحسين شكل ومخطط المبنى المدرسي، وإدارة الوقت وتنويع طرق التدريس والتقويم. والتنازل عن فكرة (التعليم لأجل الاختبار)؛ والانتقال إلى فكرة (صناعة جيل واعي يسهم في التنمية).  وتفهّم خصائص الطالب العمرية؛ وعدم الاستعلاء عليه بنظرة دونية تعتقد أنه المخرب أو المجرم الذي يسعى للغش والتخريب الإزعاج.

تعليقات الموقع

اضف تعليق