السر الحقيقي وراء تربية أطفال أذكياء

1

تلميح: لا تخبر أطفالك أنهم أذكياء، فقد أشارت الدراسات خلال الثلاث عقود الماضية أن التركيز على العملات ـوليس الذكاء أو القدرة ـ هو مفتاح النجاح في المدرسة والحياة.

 

كتبته : كارول دويك

ترجمته : مروه السليمي

 

المقال باختصار:

  • يعتقد كثير من الناس أن الذكاء والقدرة العالية هما مفتاح النجاح، لكن أبحاث ثلاث عقود مضت تؤكد أن كثرة التركيز على الذكاء والموهبة، والاعتقاد أنهما من الأشياء الفطرية والثابتة، قد يعرض الإنسان للفشل، والخوف من مواجهة التحديات، وقد تُفقد الطالب دافعيته للتعلم.
  • تعليم الناس أهمية اكتساب تفكير منفتح، وتشجيعهم على التركيز على الاجتهاد بدلا من الذكاء والمواهب ينتج أطفالا ذو إنتاجية أكثر في المدرسة والحياة بشكل عام.
  • يستطيع الآباء والمعلمون تنمية عقل الأطفال بمدح اجتهادهم ومثابرتهم (بدلا من ذكائهم وقدراتهم)، وبقص الحكايات التي تؤكد على العمل الجاد وحب التعلم.

لقد كان جوناثان طالبا ذكيا، يحل واجباته بسرعة وبسهولة، ودائما ما يحصل على تقدير( أ ) في جميع المواد، كان دائما يتسائل لم يواجه زملائه صعوبة في المناهج، فيخبره والداه أن لديه ذكاء خاص، لكن في الصف السابع، فقد جوناثان فجأة الاهتمام بدراسته، رفض حل الواجبات أو حتى المذاكرة للاختبارات، فانخفض مستواه بشكل كبير، حاول والداه رفع ثقته بنفسه وتذكيره أنه طفل ذكي جدا، لكن محاولاتهم لرفع دافعيته باءت بالفشل، وظل دائما يردد أن التكاليف المدرسية مملة وبلا فائدة.

نحن نعيش في مجتمع يقدس الموهبة، ويعتقد الكثيرين أن امتلاك ذكاء أو قدرة فائقة هو وصفة النجاح، لكن أبحاث 35 سنة مضت تؤكد أن التركيز على الذكاء والموهبة تخلف أطفالا عرضة للفشل، خائفين من مواجهة التحديات، وغير مستعدين لعلاج وحل مشاكلهم، مثل هؤلاء الأطفال لا يرون أي أهمية للتعلم، بل ويرون أن بذل الجهد ومحاولة مواجهة التحديات إهانة لعقولهم، ويفقدون الدافعية والثقة بالنفس عندما يواجهون أي صعوبة في العمل.

إن مدح قدرات الأطفال الفطرية ـكما فعل والدا جوناثان ـ يعززهذه العقلية، ويمنع الرياضيون و الناس في قطاع العمل أو حتى في الحياة الزوجية من الارتقاء لإمكانياتهم، في المقابل فإن الدراسات تثبت أن تعليم الناس أن لديهم عقولا نامية، وتشجيعهم على التركيز على الاجتهاد بدلا من الذكاء والمواهب ينتج أطفالا ذو إنتاجية أكثر في المدرسة والحياة بشكل عام.

فرص الهزيمة:

كخريجة علم النفس في جامعة يال في 1960م، بدأت دراستي بتحري الدوافع المحركة للإنسان وكيف يثابر الناس بعد الانتكاسات، وقد أثبتت التجارب على الحيوانات والتي أجراها علماء نفس في جامعة بنسلفانيا ـ مارتين سيليغمان، ستيفين ماير، وريتشارد سولومان ـ أنه وبعد الفشل المتكرر، تستنتج معظم الحيوانات أن الوضع يائس وخارج سيطرتهم، وبعد هذه التجربة سيظل الحيوان سلبي حتى لو كان بإمكانه إحداث تأثير، و ذلك لأنه وصل لحالة تسمى العجز.

قد يصبح الإنسان يائسا وعاجزا أيضا، و لكن لا يتعامل الجميع مع النكسات بهذه الطريقة، كنت دائما أتساءل، لماذا ييأس بعض الناس عند أول تحدي يواجهونه، في حين أن البعض الآخر والذين قد لا يكونون أكثر مهارة منهم يواصلون بذل الجهد، فاكتشفت لاحقا أن هذا يعتمد على طريقة تفكير الناس حول أسباب فشلهم.

فنحن نحبط أكثر عندما نعزوا فشلنا لنقص قدرتنا بدلا من لوم أنفسنا لعدم بذل الجهد المطلوب، في عام 1972م، وعندما كنت أعلم مجموعة من طلاب المرحلة الابتدائية والاعدادية، كان بعض طلابي يعتقد أن أخطائهم في حل أسئلة الرياضيات سببها عدم بذلهم الجهد الكافي لتحسين مستواهم وليس عدم قدرتهم على الحل، لذلك كانوا يحاولون أكثر عندما يواجهون أي صعوبة، أما المجموعة الأخرى والتي كانت تعزز لقدرتهم على حل مسائل أسهل، لم تتحسن قدراتهم لحل مسائل أصعب، وهذا دليل على أن التركيز على الجهد يساعد على النجاح والتخلص من اليأس.

كما وكشفت دراسات لاحقة أن الطلاب الناجحون لا يفكرون في فشلهم ولكن في الأخطاء والمشاكل التي يتعين عليهم حلها، وفي دراسة لجامعة إلينوي في عام 1970م، أجريتها مع طالبة دراسات عليا تدعى كارول دينر، حيث طلبنا من 60 طالبا في الصف الخامس التفكير بصوت عال أثناء حلهم لمسائل صعبة، كانت ردة فعل البعض دفاعية، و بدأوا بالتقليل من شأن مهاراتهم بعبارات مثل “لم يكن عندي ذاكرة جيدة يوما،” فتدهوت استراجياتهم لحل الأسئلة.

بينما ركز البعض الآخرعلى تصحيح أخطائهم وشحذ مهاراتهم، فقد نصح أحدهم نفسه ب “يجب علي أن أتمهل وأحاول إيجاد الحل”، وآخر سحب كرسيه للأمام، فرك يديه ببعضها، وشد على شفتيه وقال : “أحب التحدي”، وطالب ثالث نظر إلى مُعِدّ التجربة ، ثم قال بلهجة رضى “كنت آمل أن يكون هذا نظريا”، بالطبع فقد كان أداء هؤلاء الطلاب أفضل.

وجهات نظر حول الذكاء

بعد عدة سنوات طورت نظرية أوسع حول ما يختلف به الطالب اليائس عن الطالب المجتهد، و وجدت أن هؤلاء الطلاب لا يفسرون فشلهم بطريقة مختلفة فقط، ولكن هم أيضا ينظرون للذكاء بنظرة مختلفة، فالطلاب اليائسون يعتقدون أن الذكاء خاصية ثابتة، فالإنسان ولد بمستوى معين من الذكاء لا يمكن تنميته، وهذا ما يسمى بالفكر المنغلق، كما أن أخطائهم تزعزع من ثقتهم بأنفسهم اعتقادا منهم أنهم يفتقدون القدرة وليس بإمكانهم تغيير ذلك، ويحاولون تجنب مواجهة أي تحدي، حتى لا يكونوا عرضة لارتكاب الأخطاء والظهور بمظهر الغبي، وتماما مثل جونثان فإن هؤلاء الأطفال يتجنبون بذل الجهد في الدراسة لأن اجتهادهم يعني أنهم أغبياء.

في المقابل فإن الأطفال المجتهدون يعتقدون أن الذكاء خاصية مرنة يمكن تطويرها بالدراسة والعمل الجاد، وهم يريدون أن يتعلموا قبل أي شيء، فحين تعتقد أنك قادر على تنمية ذكائك، ستكون راغبا لفعل ذلك، ولأنهم يؤمنون أن الكسل وعدم الاجتهاد هو سبب الوقوع في الأخطاء وليس نقص القدرة وهذا يمكن علاجه بالمذاكرة، ولا يخافون من مواجهة التحديات، بل على العكس تزيد من نشاطهم ويجدون فيها فرصة للتعلم، لذلك نتوقع لهؤلاء الطلاب تفوقا أكبر في دراستهم، وقد يتفوقون على أقرانهم.

وقد تحققنا من صحة هذه التوقعات في دراسة نشرت في أوائل 2007م، إذ أجرت عالمة النفس ليزا بلاكويل في جامعة كولمبيا، وخالي اتش  تريزينويسكي في جامعة ستافورد دراسة رصدوا من خلالها 373 طالبا لمدة سنتين وذلك خلال فترة انتقالهم للمرحلة الثانوية حيث الدراسة أكثر صعوبة، ونظام الدجات أكثر صرامة وذلك لتحديد أثر طريقة تفكيرهم على تحصيلهم فالرياضيات، في بداية الصف السابع، قيمنا طريقة تفكير الطلاب بسؤالهم ما إذا كانوا يتفقون مع العبارة التي تقول أن “ذكائك لا يمكن تغييره”، بعد ذلك قارنا أجوبتهم بأدائهم في الاختبار.

وكما كان متوقعا، فالطلاب ذو التفكير المنفتح يعتقدون أن الدراسة هدف أهم من الدرجات، كما أنهم بذلوا جهدا عاليا في الدراسة إيمانا منهم أنهم كلما اجتهدوا أكثر، تفوقوا أكثر، كما أنهم يفهمون أنه حتى العباقرة يعملون بجد لإنجازاتهم، وحين تعرضوا للانتكاسة، قالوا أنهم سيجتهدون أكثر في المرة القادمة وسيجربون استراتجيات أخرى.

في المقابل، انحصر اهتمام الطلاب ذو الفكر المنغلق في الظهوربمظهر الذكي مع جهد أقل، كما أن لديهم وجهة نظر سلبية حول بذل الجهد، فهم يعتقدون أن الحاجة لبذل جهد كبير دليل على نقص القدرة، فالطالب الذكي والطالب الموهوب لا يحتاج للكثير من الجهد ليكون أداءه جيدا، كما وعزوا حصولهم على درجات سيئة لافتقارهم إلى القدرة، ولذلك قالوا أنهم سيدرسون أقل في المستقبل، وقد يلجألوا للغش إذا استدعى الأمر.

كان لهذه الرؤى المتباينة أثر كبير على الأداء، ففي بداية الإعدادية كانت نتائج اختبار الطلاب ذوي التفكير المنفتح مماثلة لنتائج اختبار الطلاب ذوي التفكيرالمغلق، ولكن مع تزايد صعوبة الدراسة، أظهر الطلاب ذوي التفكير المنفتح مثابرة أكثر، ولهذا تجاوزت درجاتهم  درجات الطلاب الآخرين في مادة الرياضيات في نهاية الفصل الدراسي الأول، وخلال السنتين اللاحقتين اتسعت هذه الهوة.

التعزيز المناسب

كيف ننمي الفكر المنفتح عند أطفالنا؟ نستطيع فعل ذلك بالحكايات التي تتحدث عن إنجازات تحققت بالعمل الجاد، فعلى سبيل المثال عندما نحكي لطفل عن عبقري في الرياضيات ولد ذكيا، يترسخ لدى الطفل أن الذكاء وراثي لا يمكن تنميته، أما لو حكينا لهم عن آخر وقع في حب الرياضيات وطور مهاراته بنفسه حتى أصبح رياضيا عظيما فإننا نعلم الطفل أن بإمكانه تطوير نفسه، وهناك من يعتقد إمكانية تنمية ذكاء أطفالنا بمدحهم الدائم وأخبارهم كم هم أذكياء وموهوبون، لكن دراساتنا وجدت أن هذه الطريقة غير مناسبة.

أجرينا دراسة لمجموعة من الطلاب أعطيناهم فيها بعض الأسئلة طلبنا منهم حلها، كنا نعزز بعض من يستطيع حلها بعبارة “واو، يلك من طفل ذكي”، والبعض الآخر كنا نقول له: “واو يا له من عمل رائع”، ووجدنا أن الأطفال الذين نمدح ذكائهم  يهربون من التحدي ويرغبون بأسئلة سهلة، في حين أن الأطفال الذين مدحنا عملهم أرادوا مسائل أكثر صعوبة من التي تعلموها، ومع ذلك أعطينا الجميع مسائل أصعب فوجدنا أن الطلاب الذين مدح ذكائهم غير متحمسين، وبدأوا يفقدون الثقة بقدراتهم، وانخفض مستواهم حتى في المسائل السهلة، في حين أن الطلاب الذين مُدحوا بسبب عملهم، لم يفقدوا الثقة عندما واجهوا أسئلة أصعب، كما أن أدائهم تحسن بشكل ملحوظ في المسائل الأسهل التي تلتها.

المصدر: (اضغط هنا)

اضف تعليق