الدروس الخصوصية …. أعباء مالية أم ضرورة تعليمية ؟!!

13JNOB-1

تحقيق : منى المطروشية

بعد أن أصبحت الدروس الخصوصية ظاهرة مجتمعية في المجال التعليمي، وتوضع في حسابات أولياء الأمور من تخصيص مبالغ لها ووقت لتوصيل الأبناء للمعلم وكذلك جهد إضافي يبذله الطالب في الدراسة غير الذي يبذله في المدرسة. وبسبب ما نلحظه في الآونة الاخيرة من الإقبال الشديد على الدروس الخصوصية والارتفاع السريع في أسعارها حتى أصبحت كالتجارة. فيكسب الزبون إن ناسبته الخدمة ويخسر في حال لم تناسبه ويبقى الرابح هو التاجر. ووقوفا على هذه الظاهرة ترصد مجلة نوت الكثير من الآراء حول هذه الظاهرة لتتعرف على أسبابها و أثارها الإيجابية و السلبية للطالب و أولياء الأمور .

اللجوء للدروس الخصوصية:

علي المسلمي “تربوي و ولي أمر” يرى أن للجوء الطلاب للدروس الخصوصية عدة أسباب منها قلة تركيزهم أثناء شرح المعلم، وضعف أساليب تقديم المادة العلمية من قبل المعلم ، وكذلك حصولهم على معدل درجات منخفض وغير متوقع والبحث عن أساليب للتعويض، والحالة المادية المتيسرة لبعض أولياء الأمور، والتي تصل أحيانا إلى درجة التباهي.

وتوافقه أميرة البسامي “طالبة في الصف الحادي عشر” إن الطالب أحيانا يلجأ للدروس الخصوصية عندما لا يتناسب أسلوب المعلم في المدرسة مع الطالب ومستوى فهمه ، ويرى أن للمدرس الخصوصي طرقا تدريسية مناسبة له”. وتضيف أيضا “أن الطالب في العادة يلجأ للدروس الخصوصية بسبب الصعوبة التي يواجهها في مادة ما ،فيحتاج لبذل مجهود إضافي فيها”.

الدروس الخصوصية لرفع المستوى التحصيلي:

أحمد الحراصي “طالب في الصف الثاني عشر” لا ينكر فائدة الدروس الخصوصية لرفع المستوى التحصيلي ويقول : “ للأسف بعض الطلاب يلجأ للدروس الخصوصية بسبب إجبار أهلهم ، وعندما يكون الأمر بالإكراه فإنه لا يأتي بالفائدة المرجوة منه، ويضيع وقت الطالب بدون فائدة. وأحيانا تصل بالطلاب إلى عدم الاهتمام بالدروس في المدرسة فهنا يهملون الأمرين، الحصص في المدرسة ولدى المدرس الخصوصي أيضا”.

“معلم خصوصي من محافظة مسقط ” يقول “إن الكثير من الطلاب يأخذ الدروس الخصوصية قبل فترة الاختبارات ، وذلك ليتعرف طريقة الأسئلة في الاختبارات ويحاول أن يلحق ما فاته في المنهج في وقت متأخر، فلا تكفيه أربع أو ست حصص للإلمام بكامل المنهج”.

نورة الشكيلي “ولية أمر” تقول أن اثنين من أبنائها يأخذون دروسا خصوصية، أحدهما في اللغة العربية لتحسين الكتابة عنده ، والآخر في مادتي الرياضيات واللغة الإنجليزية . فتؤكد أن أبناءها يستفيدون في الدروس المقدمة لهم ، فالأول تحسن مستواه في الكتابة كثيرا، والآخر يحصل على تمارين إضافية في مادة الرياضيات. وتضيف أيضا أنها أجبرت أبناءها على الدروس الخصوصية لتحسين مستواهم ، خصوصا وأنهم في المدرسة لا يجدون الاهتمام الكافي بسبب ضيق الحصص ربما، أو لاكتضاض الصف بالطلاب ، فلا يخفى علينا أن في الصف الواحد ثلاثون طالبا أو يزيدون عن ذلك.

ويضيف علي المسلمي “ربما تكون الدروس الخصوصية سلاحا ذو حدين، فالإيجابيات تكمن في حصول بعض الطلاب على نتائج جيدة، وهذه القلة القليلة ، بينما يتفاجأ الآخرون بأنهم قد أضاعوا وقتهم ومالهم في جيوب سماسرة الدروس الخصوصية دون فائدة، فتكون ردة الفعل واحدة من اثنين : إما الصبر ودفع مبالغ أخرى وزيادة بهدف التعويض ، أو الاستسلام ورفع الراية البيضاء وإطلاق عبارات التأفف والإحباط. وفي النهاية يكون المستفيد الأول والأخير هو المدرس والخاسر الأكبر هو ولي الأمر”.

وتقول أميرة البسامي مؤكدة أن “للدروس الخصوصية سلبياتها التي تنعكس على المستوى التحصيلي فهي تعتبر مصدر إلهاء للطالب ومضيعة لوقته إن لم يستفد منها وتشتيت له ، فيشعر بأنه تائه بين ما أخذه في المدرسة وما شرحه المعلم الخصوصي، كما أن الطالب يستخدمها كعذر لعدم الانتباه أثناء الحصص الدراسية في المدرسة ،وقد تؤثر سلبا على أقرانه في الصف فيلهيهم معه أثناء الحصة. وأحيانا قد تتفق أوقات هذه الدروس مع وقت مذاكرة الطالب لامتحان لديه في اليوم التالي ، بحيث تشغله عن المذاكرة مما يؤدي إلى عكس النتيجة المرجوة من الدروس الخصوصية ألا وهي (رفع المستوى التحصيلي)”.

الالتزام المادي :

إنه مما لا شك فيه قدر الإرهاق المادي الكبير الذي تسببه الدروس الخصوصية لميزانية الأسر ،حيث يضطر الوالدان إلى اقتطاع مبلغ كبير من دخلهم للوفاء بالتزاماتهم المادية للمعلمين ، وكلما زاد عدد الأبناء الذين يتلقون دروسا خصوصية في الأسرة  كلما زاد ذلك من الإرهاق المادي لها.

يقول أحد المعلمين الخصوصين “إن أسعار الدروس الخصوصية تختلف حسب المنهج ، فالمواد العلمية الأكثر طلبا والأكثر صعوبة في نظرهم تكون قيمتها الأغلى. ومواد التعليم ما بعد الاساسي (الحادي عشر والدبلوم العام) هي الأغلى على الإطلاق وذلك بسبب كثافة المنهج. وتختلف الأسعار من معلم إلى آخر،  فعندي مثلا مواد الكيمياء والفيزياء بقيمة 120 ريالا للفصل بمعدل حصتين في الأسبوع”.

وترى زمزم الهاشمي “معلمة” أن أسعار الدروس الخصوصية في ارتفاع مستمر ، وهي تسبب عبئا ماديا كبيرا على الأسرة ، وأحيانا لا يوجد توافق بين المبلغ المدفوع للمعلم وكمية الدروس التي يتلقاها الطالب.

ويوافق علي المسلمي على هذا الرأي فيقول من وجهة نظره : “إن كمية الدروس التي يحضرها الطالب شحيحة جدا بالمقارنة مع المبلغ المدفوع ، حيث أن الطالب يأخذ حصتين فقط في الأسبوع بقيمة 80 ريالا في الفصل الدراسي ، بما يقارب 3 ريالات للحصة الواحدة ، والبعض الآخر يكسب أكثر من ذلك”.

ويضيف أيضا “ أن المبالغ التي يجنيها المستفيدون من الدروس الخصوصية كبيرة ، حتى يكاد المعلم لا ينظر إلى راتبه نهائيا. والأدهى والأمرّ على الطالب أنه يدخل ضمن نطاق المعلم عن طريق الحجز أو الوساطة للزحمة الشديدة عند المعلم، فمنهم من يتعاقد باليوم ومنهم بالساعة ومنهم خلال الفصل وهلمّ جرّا.. وبأسعار أصبح التنافس فيها شديدا ، وتقديم عروض الإغراءات في أوجها ، وتخفيضات وكأنها مؤسسة لبيع السيارات أو ما شابه”.

وتعبر مريم البلوشي “طالبة” عن رأيها فيما يُدفع للمدرس الخصوصي أنه “هدر للمال بفائدة قليلة ، وأحيانا تكون معدومة”. تقول : “فأنا طالبة أحضر دروسا خصوصية في مادة الفيزياء ويدفع والدي 130 ريالا خلال الفصل لمادة واحدة فقط ، وبمعدل حصة في الأسبوع ، وفي الحقيقة أنا لا استفيد كثيرا،  فما أتلقاه عند المعلم الخصوصي لا يزيد عما أتلقاه عند معلمتي في المدرسة. كما أن الزحمة الكبيرة في الدروس الخصوصية بمعدل 20 طالبا في الدرس الواحد لا تجعل منه درسا خصوصيا بأن يتم التركيز علي بشكل أكبر”.

الرقابة على الدروس الخصوصية:

عذاري الريسي “معلمة” تعبّر عن أسفها من تنامي ظاهرة الدروس الخصوصية التي لا راقبة ولا سلطة عليها. فالمعلم يقوم بتدريس أكثر من مادة وهو ذو تخصص واحد في الأساس. كما أصبحوا يستغلون هذه المهنة من الناحية المادية، فيطلبون أسعارا مبالغا فيها مقابل الدروس التي يعطونها. وللأسف أن هناك الكثير من المعلمين وبالأخص الوافدين منهم يُقصّرون في أدائهم الوظيفي لإجبار الطلاب على حضور الدروس الخصوصية.

أم علي “معلمة خصوصية” تعطي دروسا خصوصية في كل المواد للحلقتين الأولى والثانية ، وترى أن لديها القدرة على إعطاء الدروس الخصوصية في كل هذه المواد ، بالرغم من أنها ليست معلمة في الواقع ، ولكن لها خبرة طويلة في مناهج الحلقتين الأولى والثانية ، كما قالت.

ويقول فيصل الزعابي “ولي أمر” : “ إن كثيرا من المعلمين ليس لديهم درايه بالتخصص الذي يُدرّسونه ، وبعضهم حتى ليس من السلك التدريسي ولا يحمل شهادة تدريس, والبعض الآخر يعطي أكثر من تخصص مدعيا معرفته بسبب خبرته الطويلة في المجال التدريسي”. وتعبر نورة الشكيلي عن أسفها لهذه الحال ، خصوصا وأن انعدام الرقابة على الدروس الخصوصية جعلتها تنتشر بسرعة كبيرة مع الاستغلال المادي الكبير.

ويوافقها الرأي خليل الخائفي “باحث شؤون إدارية في تعليمية جنوب الباطنة” بأنه “ لا توجد أي رقابة على المدرسين الخصوصين ولا على المواد التي يعطونها ، هل هي من نفس تخصصهم أم لا؟ “ ويضيف أيضا : “إن المعلم الذي يعطي دروسا خصوصية يكون أداؤه أقل من المتوسط في الحصة ، وكثيرا ما يحث طلابه على الدروس الخصوصية” . ويرى أن “ بالإمكان التغلب على هذه المشكلة بالمتابعة المستمرة لهذا المعلم وتقييمه باستمرار من قِبل المشرفيين في حال كان معلما” .

وبناء على هذه الواقع يطالب أولياء الأمور بوضع معايير وضوابط لمراقبة المعلمين الخصوصين ، وتأتي هذه الضوابط من وزارة التربية والتعليم نفسها حتى تكون رادعا لهذا الاستغلال الحاصل.

اضف تعليق