هل نحب المدرسة؟

53fc0ba75b5bc1ee328b4fbe6b71b078_400x400

كتبه : إبراهيم سعيد

تدقيق لغوي : محمد الحارثي

جرى الحديث في جلسة حضرتها بالصدفة مؤخراً عن حب المدرسة. ومن المصادفات أنها كانت في إحدى المدارس، فكان الحضور من المعلمين والهيئة التعليمية فيما عداي. وكانت سهامهم مصوبة نحوي بتهمة أنني لا أحب المدرسة، ثم قيلت عبارة بدت كما لو أنها حكم فيما هي تساؤل: ومن يحب المدرسة؟!. وظلّت العبارة تعاودني وتتلجلج في نفسي لأيام، هل حقاً نحن لا نحب المدرسة؟ وإذا كان الطلاب لديهم نفس الشعور تجاه المدرسة فما الذي سيجنونه من كل الجد والاجتهاد الذي يبذلونه في الفهم والمذاكرة و المواظبة على الحضور؟

ما نوع علاقتنا بالمدرسة؟ هل هي علاقة نفعية؟ مجرد مصلحة؟ وما الذي تنتهي إليه هذه الأنواع من العلاقات إلا الدمار والخراب بل والكراهية فيما بعد؟ وهكذا وجدت نفسي هنا أحاول الإجابة.

هل يتساءل مدراء المدارس عن نوع العلاقة التي تربط الطلاب بالمدرسة؟ والأهم من ذلك هل يتساءلون عن نوع العلاقة التي تربطهم هم أنفسهم وكافة المعلمين بالمدرسة؟ هل هي علاقة مصلحة؟ أم علاقة حب؟ هل المدرسة هي مجرد وسيلة لغاية أخرى؟ أم أن هناك إنسانية أكبر، وحياة حقيقية غير جامدة بيننا وبين المدارس. أليست المدارس هي حقول المعرفة ومزارعها وبساتينها؟ أم هي مجرد مبانٍ ميتة جامدة بأسوار عالية مهمتها احتجاز الصغار وغسل أدمغتهم وجعلها متشابه، وتفريخ مسوخ ومغايبة لا روح فيهم ولا حياة يطيعون الأوامر ويحرقون أنفسهم طوعاً في فرن النظام.

هل روح المدرسة حية أم ميتة؟ هل أرواح المؤسسات والهيئات حية أم هي جامدة دخلت في طور التفسخ والانحلال؟

من يهَب المدرسةَ الروح غيرنا نحن؟ من يستطيع تحويل المكان الموحش إلى جنة وبستان غيرنا؟ ومن يستطيع أيضاً أن يحوّل الجنة والبستان إلى خرائب وأطلال غيرنا نحن؟

اذا كانت علاقتنا بالمدرسة هي علاقة نفعية هدفها الوحيد تغذية سوق العمل واستمرارية وحش السوق فإن ما نفعله بأنفسنا وبعالمنا هو الخراب والتخريب، وانما نحن مفسدون، فالمدرسة التي تتحول إلى مجرد جسد ميت من إسمنت و خرسانات وأجهزة وأدوات .. هي وحش كاسر ينخر ويقتات على كبد الصغار الغضة، يشرب من دمهم كي ينمو، يغطي نفسه بالشكليات والأشكال البراقة والمظاهر الخداعة كي يثبت أنه حي، لكنه في أعماقه مجرد وحش ميت بلا روح يُعدي كل من داخله كي يتحولوا إلى وحوش بدورهم، أولوياتهم الحياتية هي المحافظة على منظر ومظهر براق يخفي خوائهم وذلك لا يمكن الا بالحصول على المال، فيغدو المال هو رب أربابهم وغايتهم السامية وأهم مبادئهم، وما الذي سيجنيه من يُنزل المال تلك المنزلة غير الكارثة المحققة.

يجب أن نعيد النظر في علاقتنا وعلاقة أبنائنا بالمدرسة، فوحدها علاقة الحب والشوق والاحترام الناشئ من الحب لا من الخوف هي العلاقة الطبيعية الخصبة، الحب الذي يحمله الطفل الصغير إلى المدرسة وهو يرى إخوته وأخواته يرتدون ثياب المدرسة ويصعدون في الحافلة المدرسية فيشتاق أن يذهب معهم، ذلك الحب الجذري الذي حمله طلاب الصف الأول إلى المدرسة، بماذا جازته المدرسة، أيمكن حقاً أن المدرسة تحولت إلى بيئة منفرة لطلابها ولمعلميها وهيئتها التعليمية، ومن المسؤول عن ذلك؟ وكيف نعالج ذلك بسرعة باحثين عن أسبابه وعلله وعن أدوية وعلاجات سريعة وفعالة كي نشعل حب المدرسة في نفوس أبنائها وأهلها.

في البيت الشهير يقول شوقي: الأم مدرسة، لكنه يقصد أيضاً أن المدرسة أم، وأن الجميع أبناؤها فكيف هي العلاقة بين الأم وأبنائها؟ أليس من الواجب والحتمي أن تكون علاقة حب؟ و إذا لم تكن كذلك فأي دمار شامل يحيق بتلك العائلة الكبيرة.

من واجبنا جميعاً أن نحب المدرسة وأن نعيد إليها ذلك الألق الذي يراها به الصغار، والامتنان الذي ينظر عبره الكبار إلى المدرسة التي علمتهم وأفهمتهم الحياة، و زودتهم بالمعارف اللازمة كي يشقّوا طريقهم بالآداب والمبادئ العليا وبالأحلام والرؤى والأخلاق. كل ذلك يجب أن يعاد استحضاره بسرعة قبل أن تموت مدارسنا ونحن لا نعلم شيئاً عن موتها.

المعلمون والمعلمات هم قلب المدرسة النابض، والطالبات والطلاب هم شرايين ذلك القلب، وهذا الارتباط الدموي المعرفي ارتباط حيوي بدونه نموت وتذوي المجتمعات، وتتفسخ وتنهار وتفسد وتعطب كما تعطب الأطراف.

المدرسة حضن المستقبل، تحمل الغد في أحشائها. هي رحم الشروق القادم. وهي راعيته وأمه. هي حقول الأحلام القادمة، وكل عشب الآمال ينمو في صفوفها وساحاتها وتحت ظلالها وأسقفها. وهي بوابة الحياة لأطفالنا وأبنائنا وبناتنا، المدرسة كفيلة المعرفة ونائبة العلم ومعلمة الأخلاق والمبادئ، كل الرسل الجدد سيأتون من المدارس وكل العظماء والنوابغ والفنانين والمبدعين والطيبين وعلينا أن نولي اهتماماً كافياً بتلك المرابع التي سيقضون فيها أول أطوار حياتهم، فهناك سيلعبون ويتعلمون ويخطئون وينجرحون ويتعاركون ويجربون ويكتشفون ويحاولون إنشاء الصداقات والأصحاب، وهناك ستفتح زهورهم وبذورهم وتجف وتسقط لتتفتح من جديد.

المدرسة أول مسارح الحياة التي تحتضننا وتجعلنا نمثل أدوارنا ونكتشف أنفسنا ومن نكون ومن نحن وما الذي جئنا نبحث عنه بالضبط في هذا العالم. وذلك المسرح يجب أن يكون بحجم آمالنا وطموحنا وحبنا، و وحِدة إغداق الحب على مدارسنا بمقدوره أن يعلمنا حب أنفسنا وحياتنا وكينونتنا وحقيقتنا، حب المدرسة ليس حباً للمبنى نفسه ولا للبوابة ولا لشكل الصف وبابه وليس للمقعد والطاولة بل كل تلك هي مظاهر وأشياء لأن الحب لمعنى المدرسة، لروحها المتدفقة، لنهر المدرسة ولبستان المدرسة ولأشجارها النضرة، للحياة التي تتفتح عليها المدرسة، لكن كل تلك الحدائق السرية لا يمكن رؤيتها دون الوقوع في حب المدرسة وفي شباك غرام المدرسة.

بالحب يمكن صنع المعجزات الباهرة وبتمكين أبناء المدرسة من الحب يمكن تخطي حواجز المستحيلات، فلنحرص على أن نوقد جذوة الحب.

تعليقات الموقع

  1. ssm
    رد

    مرحبا

    بالفعل المدرسة أصبحت مكان غير محبب للمعلم قبل الطالب وذلك بسبب قرارات وزارة التربية وتعسفها

  2. ssm
    رد

    أنا كمعلم كرهت وظيفتي وأتمنى لو أكون سائق حافلة بالمدرسة بدل معلم بنفس مخصصاتي

    عندما تنقل من مدرستك لمدرسة بعيدة بداعي أنك اﻷعلى في تقرير الكفاية وهذا ترفيع لك بينما المعلم المهمل له الحصانة وحق البقاء قرب بيته .
    عندما تبذل وتسعى على حساب صحتك وعائلتك ثم يرفع بالمحسوبية من يتغيب عن حصصه ويهمل عمله .

    هنالك الكثير ليقال
    لكن لقد أسمعت لو ناديت حلا
    ويبقى الصبر من أجل لقمة العيش في إنتظار لحظة التقاعد والخلاص من هذه البلية .

  3. ssm
    رد

    ماذا ينتظر من معلم عمل سنوات عديدة في مناطق بعيدة
    ثم حين يأتيه التقريب لا يلبث إلا ويشتت مرة أخرى ورد المدير العام لك أن هذا ترفيع وتكريم لك

    سحقا له من تكريم يذل فيه المعطي ويكرم به المهمل

  4. said
    رد

    ﻻ بد من إعطاء التعليم خصوصية بعيد عن وزارة الخدمة المدنية ويفضل مجلس متخصص بشؤون التعليم ليقف على جميع النواحي ومن اﻻفضل إحالة العقول المتحجرة والتي ﻻتواكب التطور إلى التقاعد واﻻستعانة بالخبرات واستفادة من تجارب اﻻخرين …
    كنا نستقبل وفود من اﻻمارات لكي يستفيدوا من تجاربنا عندما كنا نهتم بالتعليم واﻻن لم نتنزل ل نذهب للإستفادة من تجاربهم عندما تقدموا في اهتمامهم بالتعليم …

  5. أبوآيات
    رد

    راق لي مقالك عزيزي إبراهيم لاعتبارات عدة أهمها بتقديري أننا كعرب متعطشون لنقد التعليم والاختلاف معه هياما بفضيلة التعليم ورغبة في التصحيح.
    مدارسنا غدت خشبية لا نبض ولا حياة فيها إلا للنمل الأبيض الذي يقرضها من الداخل قرضا ويبقي عليها من الخارج إلى حين.
    تحياتي لك

اضف تعليق