(طفلة البريمي) وأخلاقيات التدفق الإخباري

Chld

من الواضح والمؤكد أن قصة كقصة غياب ذوي طفلة لا تتعدى ثلاثة أعوام، وتركها وحيدة في إحدى الحدائق العامة بولاية البريمي، سيظل مشهدا انسانيا بالغ القساوة ومثقلا بالألم لجميع من سمعوا وتداولوا هذه القصة، حيث نالت اهتماما كبيرا لدى وسائل الإعلام الرسمية والخاصة في السلطنة، كما تناقلتها صفحات المغردين ومستخدمي الشبكات الاجتماعية لحظة بلحظة. وصاحب ذلك الصور الشخصية ومقاطع الفيديو و(السيلفي)، والتي ترصد تحركات الطفلة، وساعات اللهو واللعب التي قضتها في مركز الشرطة، والمؤسسات الحكومية المهتمة بمثل هذه القضايا.
وفي هذا الإطار، يتجه العقل الجمعي للتركيز على الأبعاد الإنسانية والتربوية المترتبة على هذه القصة المؤلمة، والتي دفعت بهذه العائلة لترك طفلتها في العراء ودونما أقل حماية ومسؤولية، مع معرفتك عزيزي القارئ بباقي التفاصيل التي نشرتها وسائل الإعلام.
ولكن في سياق آخر غير بعيد عن هذه القصة، تظهر إشكاليات هامة، وأقل ما يمكن وصفها بأنها اشكاليات انتقال الصحافة الورقية النصفية (التابلويد) إلى التلفزيون الذي بات هو الآخر أيضا (تلفزيون التابلويد). لقد جرى نقل هذه القصة مع كامل تفاصيلها المرئية والمسموعة، شاملة سلوك الطفلة وحديثها لوسائل الإعلام، وتناقل صور تحركاتها من جهة حكومية وأمنية لأخرى، في الوقت الذي يقوم فيه أحد مراسلي القناة التلفزيونية الحكومية بالتقاط صور شخصية مع هذه الطفلة، في الوقت الذي ينبغي فيه الالتفات للاعتبارات الأخلاقية التي تُحترم من خلالها خصوصية الفرد وحقه الإنساني في أن تبقى حياته الخاصة رهن قراره الشخصي وعالمه الخاص، ودون أن تسرح صوره وتفاصيل حياته وتمرح وسط الشبكات الاجتماعية وعبر أجهزة الهواتف المحمولة. إنه سلوك إعلامي خالص لا يتصل بالضرورة بتوجهات حكومية بحتة، بل يترك أبعادا مختلفة حول الضرورات الأخلاقية المصاحبة لتداول مثل هذه القصص؛ فالطفلة بحاجة لأن تبقى كباقي الأفراد بمعزل عن مثل هذا الضجيج والصخب، ولكن ضرورات قضيتها بحاجة أيضا لكشف معلومات قد تمكن سلطات الدولة من الوصول لذويها أو أفراد عائلتها أو حتى الكشف عن ملابسات قصتها. وفي هذه الحالة، لابد أن تقيم وسائل الإعلام علاقة توازنية هامة، تحقق من خلالها نجاح التدفق الإخباري المرتبط بالحادثة دون الاضرار بإنسانية الفرد وحقه في الخصوصية، مهما بدت حياته معقدة، ومشوبة بالمخاطر والمشكلات.
ولعل الصحفيين العاملين في المؤسسات الإعلامية هم الأكثر التصاقا بمثل هذه القضية؛ فأخلاقيات المهنة تحتم هذه الضرورة، ولكنها في ذات الوقت تجيز تتبع حياة الأفراد، وتقديم ما يمكن تقديمه كقصص إخبارية، دون الاساءة لحقهم انسانيا ونفسيا واجتماعيا. إن مثل هذه القصة وغيرها من القصص؛ ستُحفظ في مخيلتنا وذاكرتنا، لاسيما بعد تداول صورة الطفلة الواضحة مع معالم وجهها، وسلوكياتها التي ستذكرنا بها لسنوات طويلة، ولعل ذاكرة الشبكات الاجتماعية أقوى وأبقى؛ فهي وثيقة تاريخية تحمل تفاصيلا مكتوبة ومرئية ومسموعة حول مختلف المواقف والأحداث؛ فكيف إذا بوسع هذه الطفلة أن تهرب من ذكريات مؤلمة كانت حديثا للجميع قبل سنوات؟

إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه جميع الصحفيين على أنفسهم قبل اتخاذ قرار نشر المعلومات المتصلة بالأطفال هو: هل تقبل أن يُشاهد طفلك بهذه الصورة عبر وسائل الإعلام؟
وبعيدا عن الطابع الإنساني للقصة، فإن جميع الاعتبارات الأخلاقية المترتبة على قرار النشر ينبغي أن تُوضع بعين اعتبار كبار المحررين والصحفيين في المؤسسات الإعلامية، إذ أنه فعليا لا ينبغي أن يُتخذ قرار بنشر مثل هذه المعلومات بصورة عابرة ومستعجلة، كما لو أنها معلومات اعتيادية لا تتسم بالإنسانية والألم والمعاناة، بل ينبغي أن تُخصص بعض الساعات للنقاش والجدل التحريري والانتاجي، بهدف تفريغ المضمون من اسقاطاته الأخلاقية ليجسد نفعية المادة المطلوبة للنشر، في الوقت الذي تكرر المؤسسات الاعلامية العمانية اسطوانتها الدائمة حول المسؤولية الاجتماعية لكينونتها في البلاد. وحتى لا أتخلى أنا الأخرى عن مسؤوليتي الاجتماعية؛ فلابد أن أذكر بنص ميثاق الأمم المتحدة الملزم بحماية حق الأطفال والمتضمن بندا (يقضي بمعالجة الصحفي للمواد الإخبارية التي تخص الأطفال بعناية فائقة، خصوصا في القضايا ذات الحساسية الاجتماعية والإنسانية).
إنك عزيزي القارئ لتعلم بكل تأكيد أن فرص تكرار قصة “طفلة البريمي” وغيرها من القصص المشابهة واردة بصورة كبيرة، تبعا لانفتاح المجتمع وتعدد فئاته وعلاقاته المفتوحة مع مجتمعات أخرى، ولكن السؤال الذي ينبغي أن نكرره لأجل الاستفادة من هذه القصة:
هل يعني الصحفيين حقا أمر خصوصية الأفراد في مثل هذه الحالات؟ وهل ما حدث مجرد لهث عابر يخدم التدفق الاخباري أم سعي جديد لإغراق الإعلام بمآسي الأفراد دونما أدنى اعتبارات أخلاقية؟
لست بصدد الإجابة على هذا السؤال، بل بالتذكير بعالمية هذه القضية وتصدرها الأخبار العالمية قبل أشهر، حينما أعلنت صحيفة لوفيغارو الفرنسية أنه سيكون باستطاعة الأطفال في البلاد مقاضاة من يتسبب بنشر صورهم أو معلومات دون استئذانهم – حتى وإن كانوا من ذويهم أو أفراد عائلاتهم- بقصد انتهاك الخصوصية، لتنتقل هذه القصة من أبعادها الأخلاقية إلى أبعاد قانونية هامة، في الوقت الذي تخطو فيها الصحافة العمانية خطوات بالغة الغرابة تهتم بتصدير مثل هذه القضايا للعامة، دون الالتفات للاعتبارات المهنية. إن مجموعة الاعتبارات الصحفية المتداخلة مع جوانب إنسانية واجتماعية، تدفع بهذه القصة لمزيد من الاهتمام والمعالجة الناضجة والاحترافية لتفاصيلها.

سميّة اليعقوبي

اضف تعليق