“العيال كبرت”.. ماذا على التعليم أن يفعل؟

517467109

تطرح جودة التعليم اليوم مسائل عدة وأجندة متعددة، ، تحتم التحول وتنشد المهنية في نقل التعليم من النظريات إلى الممارسات، باعتباره منجزا حضاريا تنمويا قادرا على ترقية سلوك الإنسان، وإدارة  مجالات التفكير والشعور والإحساس في ذاته، وتعميق الإيجابية والذوق في ممارساته، وإدارة محور التغيير عبر تمكين المتعلم من التعاطي مع معطيات التحول، فينظر لمسألة السلوك الإنساني في إطار متكامل مترابط الحلقات منسجم الرؤى مختلف في الآليات والأساليب والوسائل بحسب تنوع المتغيرات وتعددها، في كل مرحلة عمرية أو دراسية يمر بها المتعلم،  فيتعامل معها وفق قواعد المرحلة ومحددات السلوك فيها، ويستجيب لمعطياتها ويعي جوانب القوة  فيها،  ويصيغ نمط التعلم ومبادئه وقواعده وأنماطه ونظمه بما يتوافق وطبيعة المرحلة العمرية، بحيث تراعي أجندته التقييمية والتصحيحية والإثرائية والاستشرافية هذا الجانب، فيبني في ذات المتعلم  القيم والمهارات والقناعات والحقائق المناسبة لمرحلته وموقعه في السلم الاجتماعي، عبر فهم شخصيته والوعي بطبيعة الاحتياج لديه، وتوفير متطلبات النجاح ومقومات التميز في بيئة تعلمه. إن دور التعليم بذلك تعزيز هذا الانسجام الفكري والروحي والعاطفي بين كل المراحل العمرية بالشكل الذي يعزز لدى المتعلم في كل مرحلة دراسية  قناعات ومهارات أكثر عمقا  وارتباطا بالحياة ، تساعده على تحقيق مدركات التعليم الخمس ( المعرفة، والعمل، والعيش، والهوية، والتسامح) .

إن على التعليم بذلك أن يعي الخصوصية الثقافية والفكرية والاجتماعية والنفسية والذاتية للمتعلم في كل مراحله،  ومع الاختلاف في حجم اتساعها وشمولية انتشارها من مرحلة لأخرى، إلا أنها تفرض في كل مرحلة ضوابط والتزامات أوسع وأدق من المرحلة التي تسبقها، فالتدرج في لغة الخطاب والتنوع في مصادره ومنطلقاته ومنهجيات العمل وتعدد البدائل والأساليب وتوافر المقومات اللازمة في بيئة التعلم لنمو الشخصية الإيجابية وإتاحتها بشكل مهني ، يضمن بلا شك قدرة المتعلم على الاستفادة القصوى من تعلمه، وفهم دوره ومسؤولياته بشكل أكثر مهنية ، كما يدرك القوانين والضوابط والأخلاقيات والالتزامات التي يجب أن يكون على وعي بها ومعرفة بتطبيقها في كل المراحل، وهنا تأتي القيمة المتحققة من منهج التوعية والتوجيه والتأنيب والتحفيز أو التشجيع أو تقييم التصرف في المواقف، وتعريض المتعلم لمواقف محاكاة متجددة تتناسب ومدركاته الفكرية وقدراته العقلية، ونوعية الأساليب والأدوات والبيئات التعليمية التي يجب أن تتوفر له، ويجد فيها فرصته للانطلاقة وبناء مهاراته وتعزيز تعلمه عبر توظيف موارها وإمكانياتها، وأن يظهر ذلك في رسم السياسات التعليمية ووضع الخطط التشغيلية ونوعية البرامج المقدمة للمدارس، وأساليب التعليم والتعلم وأنماط التقييم وآليات الإشراف والمتابعة والرصد، والمعلومات المطلوبة والأهداف المتحققة ، ومستوى التمكين للطلبة في اختيار نمط تعلمهم،  وإدارة بيئتهم الصفية وطريقة تعاملهم مع المنتج المعرفي، ومنح المتعلمين فرص أكبر للاختيار والنقد والتجريب والحوار والمناقشة، هذه الموجهات يجب أن يعترف بها التعليم في قواعده وأسسه وبرامجه ومنظومته التشريعية والتقييمية والأدائية والتنفيذية، وأن يدرك القائمون على المدارس من: معلمين وإدارات مدرسية ومشرفين ومتابعين، هذه الخصوصية والتنوع في البيئات التعليمية ، بالشكل الذي يضع من عملية الحكم على المنظومة أو الأداء في ظل خصوصية كل مدرسة أو مرحلة تعليمية وطبيعتها والإمكانيات المتوفرة بها نوعية الثقافة التعليمية التي توجه قواعد العمل بها ونمط التعايش بين منظومتها البشرية والمادية والتعليمية. إن قدرة التعليم على إدراك هذا التحول في نمط تعلم الطلبة، بما يوفره من ثقافة وسلوك وبيئة ومنهج ومبدأ وقيم واستراتيجيات وأنماط للعمل، سوف يجعل من التعليم منطلقا لبناء حياة الأجيال وتقدير قيمة الدور الذي يقومون به ويعزز فيهم معنى المسؤولية ورقابة الضمير وحس الوطن وقوة المهارة، ويبني فيهم مداخل أكبر للعطاء والإنتاجية والالتزام والابتكار.

 إن طرحنا للعنوان ” العيال كبرت”، مدخل لبناء هوية التعليم القادمة والغاية التي يحققها وما يحتاجه كل جيل عن غيره، وهو ما يجب أن يعيه القائمون على التعليم في سلوك الأجيال، بشكل يتوافق مع الثوابت ويحافظ على حضورها، فعملية  التقييم المستمر لتعلم الطلبة، ونمط التقويم لأدائهم، ونوعية المناهج وتحديد طبيعة الدروس، واليوم الدراسي والوزن النسبي للمواد وغيرها،  ينبغي للطالب أن يحتكم فيه نفسه، ومستوى قناعته ورغبته واندماجه في هذا النمط أو ذاك، فيمتلك التعليم بذلك الحدس بنمط التعلم الذي تحتاجه الأجيال، فالعيال كبرت والتعليم يجب أن يتفاعل مع التحولات  الحاصلة لها في الفكر والتفكير والقناعة والرغبة والطموح والأمل والممارسة والمشاعر والانفعالات والأحاسيس ونمط التعامل وأساليب الخطاب. إننا مع بداية عام دراسي جديد نأمل أن  يستدرك فيه التعليم هذا المعنى، فيؤصل في المتعلم خصائص التعلم عالي الجودة لتكون زاده الذي يحمله في كل مواقع العمل والمسؤولية.

اضف تعليق