الخاص والعام : البحث عن الأفضل

531082617

كتبه :  هلال البادي

 

طوال السنوات الفائتة ما كنت لأدخل في معمعة المدارس الحكومية، لأن أبنائي يذهبون إلى مدرسة خاصة كنا نثني عليها وعلى مستواها، ولولا أن هذا المستوى كان آخذا في التراجع عاما بعد عام في مقابل ارتفاع واضح في الرسوم ومتطلبات الدراسة فيها؛ لما كنا فكرنا في الانتقال إلى مدارس أخرى، سواء خاصة أو حكومية.

لكن الأمر كان يتطلب تحركا سريعا، فالمستوى المرتفع الذي كنا ننشده وكان يتراءى لنا قد أخذ في التلاشي، وللأسف فإن أغلب المدارس الخاصة التي كانت تتغنى بمستوياتها العالية وحرصها الشديد على التعليم أصبحت نسخا من بعضها البعض، همها الأول هو الربح المادي ولا يهم أي شيء آخر، ولذا فإن أسعارها كانت ترتفع من سنة لأخرى دون منطق، بل هناك وسائل متعددة للتكسب ليست ضمن قائمة الرسوم، وعلى الأسر وأولياء الأمور أن يلبوها، إذ ليس من خيار آخر سوى الدفع.

كثير من الملاحظات كنا نضعها ونقدمها لإدارات هذه المدارس، بل نجلس معهم ونحاول إفهامهم بأن الأمر يتجاوز مسألة الرفاهية و”البرستيج” التي قد يشير إليها البعض، وبأننا نملك حرصا كبيرا على مستقبل أبنائنا ونريد المشاركة في العملية التعليمية، كي يحصل أبناؤنا على مستويات جيدة من المعرفة والتعليم.

وأضع المعرفة قبل التعليم، لأنها أكثر شموليا واتساعا من التعليم الذي يعني في جزء منه اكساب الطالب مهارات معينة في بعض الأمور. المعرفة هي الأهم، وكلما كان الأبناء متمكنون ولديهم المعرفة الكافية واتساع الأفق فلا خوف عليهم في غدهم الذي لا نعرف عنه شيئا سوى خوفنا من أن يكون مستقبلا مظلما.

ما كنت لأنقل أبنائي، ولكن عندما تعطي ملاحظة حول مستوى معلم لا يملك قدرة حقيقية على إيصال معلومة صحيحة، ثم تأتيك المدرسة الخاصة لتقول لك بأننا أخذنا بملاحظتك وسننهي عقدنا مع ذلك المعلم أو تلك، لتكتشف لاحقا أن شيئا من ذلك لم يحدث، وبأن ذلك المدرس أو تلك المعلمة قد ذهب لتعليم مرحلة مهمة هي التعليم ما قبل المدرسة أو ما نسميه الروضة والتمهيدي، فتلك مصيبة حقيقية، أضف إلى ذلك استجلاب المدرسة معلمين أقل ما يمكن القول عنهم بأنهم جهلة لا يعرفون ماذا تعني مهنة التعليم وخطورة الكلام الذي قد يقوله لطلابه، ذلك الكلام الذي سيتحول إلى قناعات لاحقة سيعاني منها مجتمع بأكمله فيما بعد.

من ذلك الكلام الذي يزرع في أذهان الطلاب جمل من قبيل “قتل عليُّ الكفار”.. جملة كهذه ترسخ في ذهنية الطلاب بأن القتل أمر اعتيادي وهو السائد، وبأن الإسلام دين قتل لا دين رحمة. وفي هذا السياق سيستحضر المعلم أقاصيص غالبا ما تكون غير صحيحة أو مختلف عليها في أحسن الأحوال.

لكن أقسى من ذلك أن يقول لك المعلم بأن ابنك محتاج إلى رقية وعليك أن تذهب به إلى “شيخ” يقرأ عليه القرآن كي يخرج “الجني” من داخله!

في ظل جو كهذا سيكون أمرا محتما أن تقرر عدم البقاء سنة أخرى في مدرسة كهذه أخذت تفقد بريق تلك السمعة الجيدة التي بنت بها فروعها المتعددة.

ولأن الخيارات “الخاصة” ستبدو ضئيلة عندما تقرر الانتقال بأبنائك، فإن الخيار الحكومي هو الأمثل في اللحظة الراهنة. وهنا عليّ أن أقول بأننا لم نذهب للتعليم الخاص لرداءة في التعليم الحكومي، فهذا كلام غير صحيح على الإطلاق. شخصيا أؤمن بأن التعليم الحكومي يمتلك مستويات متقدمة، وربما يتفوق على التعليم الخاص فيما يتعلق بمقدرات المعلمين كأبسط مثال. لكن هناك إشكالات تجعل من التعليم الخاص مثاليا للكثيرين. فإحدى الملاحظات التي يعاني منها التعليم الحكومي هي تلك المتعلقة بالتهاون في أمر التدريس، وكم كنا نرى مدارس لا طلاب فيها لمجرد أن الطلبة قرروا أن يأخذوا إجازة لاقتراب إجازة رسمية أو نهاية الفصل. والسيء أن بعض المعلمين يشجعون هذا الأمر وكأنها فرصة للهروب من وظيفتهم المهمة.

تلك ملاحظة من ملاحظات متعددة كالتكدس في الفصول، وضعف مستوى المباني الحكومية، بل وضعف مستويات كثير من المعلمين في مواد كاللغة الإنجليزية والرياضيات.

وهنا عليّ أن أتذكر أن كثيرا من زملاء الدراسة في المرحلة الثانوية ممن حصل على نسبة دراسية فضل الذهاب لكليات التربية، لا لأنه يفضل أن يكون معلما بل لأن الشهادة التربوية التي سيحصل عليها هي أفضل سبيل للحصول على وظيفة سريعة وقريبة من بيت العائلة غالبا.

هذا المفهوم شكل جيلا من المعلمين الذين لا ينظرون إلى عملهم إلا كونه “وظيفة” لا أكثر ولا أقل، فيما هذه الوظيفة هي إحدى أهم الأعمال وأسماها.

غير أن هذا المفهوم لم يتشكل من هؤلاء المعلمين فحسب، بل أيضا من النظام الإداري الحكومي الذي يصنف المعلمين على أنهم موظفون أيضا. ولا يراعى مقدار الجهد الذي يقوم به المعلم ولا أهمية ذلك الجهد أو قيمته المستقبلية.

أضف إلى هذه الإشكاليات ما يحدث من سيئات وحالات شاذة في المدارس الحكومية جعلت الكثيرين لا يفكرون حتما في إلحاق أبنائهم للتعليم الحكومي، مع أن هذه الحالات ليست مرتبطة بالتعليم الحكومي وحده، ولكن كما يقال: السيئة تعم!

ثم ماذا عن المواصلات؟ حافلات مدرسية أقل ما يقال عنها بأنها خارج الخدمة، فكيف بنا نرضى بأبنائنا أن يذهبوا يوميا في مثل هذه الحافلات السيئة غير المكيفة والمكتظة؟ ولا أنسى هنا رعونة كثير من السائقين الذين قد يصل بهم الاستهتار إلى ارتكاب حوادث تذهب بأرواح الطلاب دون ذنب ارتكبوه سوى ركوبهم مع سائق سيء.

كل هذه الأمور وأخرى تجعل أي ولي أمر يفكر مليا قبل أن يذهب بأبنائه إلى مدارس الحكومة مهما كان مستواها جيدا. ومع ذلك قررت أن أنقل أبنائي للمدارس الحكومية، لتبدأ مرحلة جديدة في حياة أبنائي الاثنين.

وفي البدء كنت أعتقد أن الأمور ستكون سهلة إلى حد كبير، فمدارس الحكومة كثيرة والحمد لله، وهذا اعتقاد خاطئ جدا، تأكدت منه عندما صرح وكيل وزارة التربية والتعليم بأن مدينة كالعامرات بها خمس مدارس مسائية!

يا للهول!

خمس مدارس مسائية؟ ونحن في العام 2016م؟ لعل الخبر يعود إلى منتصف التسعينيات ليقول لنا بأن هناك خمس مدارس مسائية فقط والعمل جارٍ من أجل التخلص من التعليم المسائي!

لكن للأسف الشديد، الخبر حديث جدا، ويشير إلى ولاية هي إحدى ولايات محافظة مسقط التي هي عاصمة السلطنة، ولا يتحدث الخبر عن المدارس المسائيات الأخرى في ولاية السيب أيضا.

خبر كهذا هو أمر محزن للغاية، ولا يعني إلا أن المخططين كانوا يضعون خططهم في المكاتب المكيفة ولا يخرجون إلى الواقع ليعرفوا ما هو مطلوب للسنة المقبلة والتي بعدها والتي بعدها.. وهذا أمر لا يتعلق بالتربية والتعليم فحسب، بل يمتد إلى قطاعات حيوية أخرى كالصحة والكهرباء والطرق والماء.

وما يحزن أكثر ويدمي مقلة العين أن واحدا من المعلمين الذين تصلني بهم قرابة ويعمل خارج مسقط قال مستهجنا بأن هذا الأمر ليس حقيقيا على الإطلاق، فالتعليم المسائي اختفى منذ سنوات! وعندما ذكرت له بأن كثيرا من المدارس سواء الصباحية أو المسائية في مسقط تعاني من تكدس وبأن عدد الطلبة في الفصل الواحد في بعض الحالات يتعدى الرقم (35) ضحك مني وقال بأن هذا الرقم هو من مخلفات الماضي، وبأن الفصل الواحد في مدرسته التي يعمل فيها لا يتجاوز الثلاثين في أسوأ الحالات.

صديق من الأصدقاء هو الآخر يعمل معلما أكد بأنني أبالغ في كلامي ولا يمكن أن تكون الأوضاع في مدارس مسقط بهذا السوء، وإلا فالتعليم الخاص التجاري أفضل حالا من التعليم الحكومي.

لم أذكر لهما بأن الوضع في مسقط يبدو أكثر سوءا من المتخيل، وبأنها ما عادت هي المكان المثالي الذي يمكن العيش فيه، بل ما عادت هي المدينة الخرافية التي لطالما راودت المخيلة، فها هي تفقد بريقها وتتهاوى على صخرة يقال لها سوء تخطيط وعدم استدراك للوضع، ويا للأسف!

ولو كان الأمر مرتبطا بمدينة بحد ذاتها لربما هان الأمر، ولكن الأكثر مأساوية هو نظرتنا إلى التعليم، كيف أنها ضيقة جدا، وكأنما المهم هو أن يعرف الطلاب القراءة والكتابة والحساب كي يعرفوا لاحقا كيف يجدون عملا مهما كان.

نحن للأسف لا نعطي التعليم أولوية في حياتنا، ولذلك سيكون منطقيا جدا ألا يهتم الناس بالقراءة كفعل معرفي، وألا تنتشر المكتبات وألا تكون للمعلم قيمته المجتمعية وللمدرسة أهميتها في السياق الاجتماعي. مع أن المساجد تشكل مثل هذا الزخم ولذلك تبنى لجوارها المجالس العامة و”السبل”

ولأننا لا نعطي التعليم تلك الأهمية ينبغي ألا نستغرب تشكل أجيال هشة ضعيفة غير قادرة على التعاطي مع مشكلة وطنية كمشكلة تدني المستويات الاقتصادية لبلادهم، وخطورة عدم وجود موارد مالية في الوقت الراهن.

في المدرسة كان يمكن أن يكون للمعلم والتربويين دور في تشكيل وجهة نظر في هذا الصدد، تعمل على امتصاص صدمة التباطؤ التي أصابت الاقتصاد والحياة والسياسة في عمان منذ أكثر من خمس سنوات.

ولربما تنبه هؤلاء إلى عمق المأساة التي تحل بالتعليم في الوقت الراهن، وما بدأ يحدث منذ سنة في مسقط لابد أن يمتد إلى باقي المحافظات والمناطق التعليمية، فمشاريع بناء مدارس جديدة يبدو أنه سيتوقف في ظل الظروف الحالية وأزمة الاقتصاد التي نمر بها، زد على ذلك قلة المعلمين الذين يتم تعيينهم سنويا، خاصة أن الوزارة اتخذت اشتراطات لابد منها كي يتم تعيين معلمين جددا، وعليهم أن يجتازوها كي يذهبوا لتأدية مهمة التعليم.

ولكن للأسف أُريدَ للمدرسة ولمن فيها من طواقم تعليمية وتربوية أن تفرخ طلابا يعرفون القراءة والكتابة وحل بعض المسائل الرياضية والحاسوبية لا أكثر ولا أقل، إضافة إلى معرفة ما يهمهم في صلاتهم وعباداتهم، وغير ذلك لا شيء على الإطلاق.

كل هذه الأمور هي ما يجعلنا نفكر في الهروب من التعليم الحكومي وإن كانت به امتيازات وقدرات قد لا تتوافر في التعليم الخاص، مع تأكيدي مرة أخرى بأن الأمر نسبي، وبأن التعليم الخاص ليس سيئا كما يراه البعض والتعليم الحكومي أيضا ليس بذلك السوء الذي يرسمه البعض الآخر.

وها نحن نذهب إليه، إلى التعليم الحكومي ظانا بأن الأمور ستكون على ما يرام، وبأنني سأجد لولديّ الاثنين مدارس حكومية جيدة، إلا أنني عانيت الأمرين في نقل طالبين اثنين إلى مدارس الحكومة، لأسباب كثيرة، أقلها اقفال النظام الإلكتروني أو البوابة التعليمية حتى بداية السنة الدراسية الجديدة، مما يعني تأخر النقل حتى أغسطس وبدء الدراسة..

ولأن هذا الأمر حدث كان من الصعب أن أجد شاغرا لاثنين في العامرات التي أسكنها، ولذا الآن كلاهما خارج المدينة التي يسكنان فيها، وهذا أمر فيه جدل واسع وصل إلى تأخر أحدهما عن الالتحاق بالدراسة يوما كاملا، ووصل بنا الأمر إلى الاتصال بالمدير العام كي تتم الموافقة على قبوله في مدرسة ليست من منطقته السكنية، لأن الخيارات المطروحة أمامه في منطقته السكنية لم تكن مشجعة لا على المستوى التعليمي فيها ولا قربها من البيت، وفوق ذلك بعضها مسائي.

ومع أن النظام الإلكتروني الذي تطبقه وزارة التربية والتعليم نظام مميز؛ لكننا في آخر المطاف اضررنا إلى الذهاب في طرق متعددة حتى يتم قبول ابننا في مدرسة يستحق طاقمها أن أقدم لهم شكري الجزيل لتفهمهم وعدم تعقيدهم الأمور كما يحدث في أشياء أخرى كثيرة.

سيقول أحدهم: ستتكفل وحدك بوسيلة نقلهما، وأكاد أرد عليه قائلا بأن حال وسائل نقل الطلاب ليس كلها نعيما، لذا سيبدو لي خيار استئجار وسيلة نقل هو خيار جيد. فيما سيقول آخر بأنني في النهاية ذهبت للتعليم الحكومي، وسأرد عليه قائلا بأن هذا التعليم الحكومي ليس نارا وليس سيئا وقد تعلمت فيه.. ولكنني كنت أبحث عن خيارات ترتقي بأبنائي وتقدم لهم معرفة وعلما على مستوى يضمن لهما مستقبلا جيدا، وأتمنى الآن أن تكون المرحلة الجديدة مرحلة ثرية لهما ولي أيضا..

ختاما، أتمنى أن تعيد الحكومة، وليس وزارة التربية والتعليم وحدها، النظر في كيفية وضع الخطط، وإعادة الاعتبار للتعليم وجعله أول الأمور المهمة التي ينبغي أن تتكاتف كل الجهود من أجل جعله أولوية وجعله مميزا..

 

اضف تعليق