التحرش الجنسي بالأطفال … من المذنب ؟

10000859

ظاهرة تنخر في عظام المجتمعات، فلم تعد مقصورة على المدن الكبيرة مثلما يظن بعضهم, بل باتت تجوب القرى والبيوت, يروح ضحيتها تلك البراءة التي لا تدرك ما يحدث حولها, تصبح هي الضحية والمذنب معًا! فتجد الأهل يدسون رؤوسهم تحت الرمال خوفًا من العار الذي جلبه الطفل لهم, يعاملونه كالمنبوذ, متناسيين أن ما حدث له رغمًا عنه!

كما يقولون أن “حل المشكلة هو الاعتراف بوجودها”, وأعتقد يقينًا أننا لم نجد الحل حتى الآن لأننا نخاف من مواجهة المشكلة. نتجاهل وجودها, ونخاف من التحدث مع أطفالنا عنها, إلى أن يحدث ما يحدث، لنكون – بذلك – المذنبون وليس هم. هل هي حسن ظنوننا التي تجعلنا نثق ثقة عمياء بالمجتمع؟  لنرسل له أطفالنا بدون مناعة يحتاجها من ثقافة ووعي بالذي قد يحدث له!

ما هو واجبنا اتجاه أطفالنا؟IMG-20161115-WA0007 كيف لنا أن نعرف ما إن تعرض للتحرش؟ كيف لنا أن نعالجه؟ تساؤلات كثيرة تدور في أذهان الآباء والأمهات. بين سطور هذا المقال – عزيزي المربي – ستجيبك الخبيرة في الطب النفسي للأطفال الدكتورة منى الشكيلي عن استفهاماتك.  

ما هو التحرش الجنسي بالأطفال ؟

تعرف الدكتورة التحرش الجنسي أنه عبارة عن أقوال أو أفعال أو حتى إيماءات تخرج من أشخاص لاستمالة أشخاص آخرين أصغر منهم سنًا خاصة الأطفال؛ بغرض ممارسة أي سلوك جنسي, ويستخدم هؤلاء طرق عدة لتنجح فعلتهم كالتهديد، أو الابتزاز، أو التخويف، أو حتى هدية بسيطة يقدمها للطفل المسكين كرشوة.

التحرش الجنسي بالأطفال لا يقتصر على سلوك جنسي ولكن قد يأتي على شكل كلام أو استخدام لغة الجسد كغمزة العين، أو الكشف عن مناطق معينة من الجسم غير مسموح بكشفها, وقد يلجأ المتحرش أيضا لعرض أفلام وصور إباحية للطفل تسهيلاً لمهمته, وأخطرها نوعًا هو الملامسة الحقيقية لجسم الطفل.  

متى تبدأ بتثقيف طفلك؟

بعض الأهالي يظنون أن تثقيف الطفل بمثل هذه الأمور يفتح ذهنه لأمور هو في غنى عنها لذلك يفضلون تأجيلها بل يتغاضون عنها نهائيًا. تؤكد الدكتورة منى بضرورة تثقيف الطفل جنسيًا منذ الصغر, وهذا لا يعني الجلوس معه وشرح الموضوع بتفاصيله بل التعامل معه بما يناسب عمره. فمثلاً، الطفل في عمر السنة وخمسة أشهر يكون معه فضول في تحسس بعض مناطق الجسم غير مدركًا عن ماهية الشيء. فعلى الأم من تلك اللحظات أن تبدأ مع الطفل بتنبيهه بالمناطق الظاهرة والمناطق الخاصة وأن بعض المناطق خاصة بك أنت فقط لا يسمح لأحد بلمسها أو مشاهدتها, ولابد لها أن تعرف أن الطفل لا يفهم كلمة عيب أو حرام في ذلك السن لكن سيفهم بعض الكلمات التي توحي له أن هذه المناطق تخصه هو فقط. قد يحدث تناقض في كلام الأم إذ أنها قد تحتاج لتبديل ملابس الطفل وتنظيفه كونه صغير لكن لابد للطفل أن يفهم أن هذا يحدث لهذا الغرض فقط, ولأشخاص معينين و في وضعية معينة, ولوقت معين ليس إلا.

مع تقدم سن الطفل لابد من تعزيز هذي الثقافة مثل التنبيه بخصوصية هذه المناطق؛ ليكبر الطفل وهو واعٍ أن هناك سلوكيات محمودة، كغلق باب دورة المياه، وأخرى ممنوعة لابد من تجنبها ككشف المحظور.

في سن الدراسة والاختلاط بالأقران وأشخاص جدد يلاحظ – أحيانًا – على الأطفال ملامسة بعضهم بعضًا بطريقة معينة وقت اللعب دون إدراك منهم أن هذا سلوكًا خاطئًا, فيأتي دور المربي – هنا – سواء أولياء أمور أو تربويين في ملاحظتهم وتنبيههم بالطريقة التي يفهمونها. تقول الدكتورة: “لا أحبذ كلمة (لا) كثيرًا “. لابد للأم أن تخبر الطفل مباشرة وبصراحة مثل “ليس من المفروض أن يلمسك أحد بالطريقة الفلانية”.

فالثقافة الجنسية هنا هي اختيار اللغة المناسبة لسن الطفل؛ لتقويم سلوكياته منذ نعومة أظافره لتكون عاداته حتى يكبر.

كيف تتبين أن طفلك قد تعرض للتحرش؟

يتساءل بعض أولياء الأمور في كيفية معرفتهم ما إن تعرض أطفالهم للتحرش أم لا. ففي – معظم الحالات – يلجأ الأطفال إلى الصمت عوضًا عن اللجوء لوالديهم؛ وذلك يرجع لخوفهم من ردة فعل الأهل أو عدم استيعابهم للشيء الذي يحدث، الأمر الذي يكون سببه قلة التثقيف, فكيف للوالدين أن يتبينوا ذلك؟

تستعرض الدكتورة هنا بعض الأعراض التي يمكن ملاحظتها على الطفل الذي تعرض للتحرش:

  1. تظهر على الطفل عادات غير لائقة لم يسبق له القيام بها. هذه العادات قد تحمل – أحيانًا – دلالات جنسية سواءً مع ألعابه أو مع طفل آخر بغرض تقليد الشيء الذي حدث معه.
  2. قد يحدث للطفل – أيضًا – تراجع في السلوك أو ما يسمى بالنقوص وهو أن يرجع الطفل لعادة سيئة قد تخلص منها مسبقًا في عمر سابق, كأن يتبول في فراشه ليلاً في عمر السادسة بعد أن تخلص منها في سن الثالثة. هذا الأمر يستدعي لولي الأمر أن يستقصي الأسباب.
  3. أن يستخدم الطفل ألفاظًا سيئة لا تذكر في المنزل، والأشد من ذلك رفضه الإفصاح عن مصدرها!
  4. هناك – أيضًا – الأعراض الجسدية كإفرازات في الأعضاء التناسلية, أو كدمات وجروح غير معروفة السبب, و- أحيانًا- الآم عند قضاء الحاجة.
  5. إذا كان الطفل كثير الكلام قد تلاحظ عليه قلة الحديث وعدم الخوض في التفاصيل أو الانعزال أحيانا.
  6. قد تكثر كوابيسه ويعاني مشاكل في النوم.
  7. سيدخل في نوبات غضب شديدة.
  8. قد يعاني – أيضًا – من تغير في عاداته الغذائية.
  9. لابد للوالدين أيضا أن يتنبهوا لعلاقاته الاجتماعية إذا كان له أصدقاء أكبر منه سنًا غير متناسب معه بطريقة مشكوك فيها, وكذلك إذا كثرت هداياه لابد من الاستفسار عن صاحبها.

إن ظهور هذه الأعراض ليس شرطًا أن يكون دلالة على تعرض طفلك للتحرش الجنسي, لكن متى وُجِدت لابد للوالدين أن يتقصوا وراءها ولا يهملوها إذ قد تحمل دلالات كثيرة.  

هل للتحرش علاقة بالاختلاط بمقاعد الدراسة؟

وجهات نظر كثيرة قيلت في هذا الموضوع, فكثير من الناس يرجعون أسباب التحرش بأطفالهم لبيئة المدرسة المختلطة، التي تجمع الجنسين من الأطفال في صف دراسي واحد. وللدكتورة رأي في ذلك فهي محايدة للطرفين. تقول لو أن الطفل من البداية وجد من يدله على الخطأ والصواب وشدد عليه في  مسألة ما هو مسموح وما هو ممنوع وفي تواصل وتنبيه مستمر معه, وكان الاختلاط بطريقة مهذبة مدروسة تحت إشراف ورقابة من قبل الأهل والهيئة التدريسية  فلن يحدث موضوع التحرش غالبًا ولكن في الوقت نفسه تحبذ الدكتورة أن يفصل الجنسين في مدارس مختلفة خاصة في سن المراهقة.

آثار التحرش على نفسية الطفل

لا يمكن لآثار التحرش أن تكتب نصا فهي بطبيعتها تختلف من طفل لآخر. وذلك يرجع لطريقة تعامل الطفل وتفاعله مع الصدمة. هناك أطفال يدخلون حالة الاكتئاب و- أحيانًا- قد تصل لمحاولات الانتحار. يوجد أطفال ممن تكون عندهم بعض المشاكل أو الصعوبات لكنهم يتخطونها بسهولة. ولا يغيب – طبعًا- دور الوالدين في ذلك, فردة فعلهم للطفل الذي استنجد بهم قد تسحب الطفل إلى القاع أو بالمقابل قد تأخذ بيده لبر الأمان. 

الدوافع خلف ارتكاب هذه الجريمة

هل تساءلنا – يومًا- ما الذي يدفع هؤلاء لفعل فعلتهم المشينة؟ لماذا هو وليس شخصًا آخر؟

المتحرش – سواءً- كان طفلاً أم شخصًا راشدًا, فهو ليس إلا نتاج تربية منزل, تربية مدرسة, أو حتى تربية أصدقاء. هذا المتحرش كغيره نشأ طفلاً لا يدرك مساوئ الأمور؛ إذ لابد أن البيئة من حوله لعبت دور لا يستهان به في تشكيل تلك السمة النتنة.

المشاكل الاجتماعية التي تبدأ من المنزل، تأتي في قمة هذه العوامل كتفكك أفراد الأسرة. فالنشوء في بيئة لا تعرف معنى التواصل ولا التفاهم ولا الإحساس بالأمان تجعل الطفل يهرب بعيدًا لمن هم خارج المنزل مجهولو الأخلاق. وغير ذلك أن الطفل يحتاج لمن يعلمه الصواب من الخطأ في كل مرحلة من مراحل عمره الصغير. وأيضًا غياب الرادع عند الطفل, فليس هناك  قوانين تُسن اتجاه من يرتكب المشين من السلوكيات. فالتفكك الأسري يقوي المشكلة لينتج طفلاً متحرشًا أو طفلاً ضحية للتحرش!

لا ننس – كذلك – أهمية الوازع الديني, فكلما كان الشخص وازعه الديني ضعيفًا زادت قابليته للاستسلام والرضوخ ضد العادات السيئة بعكس لو كان الدين بالنسبة له رادع يسحبه بعيدًا عما يرى من حوله من محرمات.

تعد الدكتورة والخبيرة النفسية – منى الشكيلي – أن المتحرش إنسان ضعيف الشخصية، لا يملك الثقة الكافية بنفسه ليردعها أو إيجاد ما يرضيها بالطرق السليمة والمحللة.

 

إليك أيها المربي:

هذه بعض النصائح التي قدمتها الدكتورة لكل أم ولكل أب محافظ على سلامة طفله:

o       لابد للوالدين أن يعلموا طفلهم المصطلحات الصحيحة والمناسبة الخاصة بكل عضو من أعضاء جسمهم,على أن يتفقوا على المسمى لكي لا يحتار الطفل.

o       أصبح من الضروري – أيضًا – في عصرنا هذا تثقيف الطفل جنسيًّا بالذي يتناسب مع سنه, “لن أتكلم مع طفل ذي أربع سنوات بطريقة مفتوحة تفصيلية”  لكن يشرح له المفروض والممنوع.

o       لا تتجنب الحديث مع الطفل إذا انهال عليك بالأسئلة؛ ففضول الطفل يجعله يستفسر عن أشياء كثيرة, فإذا أغلقت الباب في وجهه وألجمت لسانه سيلجأ لغيرك ممن تجهل دواخلهم، ونواياهم، وطريقة حديثهم ولغتهم التي قد تختلف مع طريقة تواصلك مع طفلك.

o       لابد من تأكيد خصوصية بعض أجزاء الجسم وفي المقابل احترام خصوصيات الآخرين.  

o       علاقتك مع طفلك يجب أن تكون مفتوحة، ليس بينك وبينه حدود؛ فذلك يسهل للطفل اللجوء إليك ما إن تعرض للتحرش, فسيأتي إليك في حالة الخوف بدلاً من الهروب منك. لابد أن ننمي قدرة الطفل في المناقشة والحديث في أي موضوع مع والديه بدون تردد كأسرة يعتمد عليها.

اضف تعليق