هل خصخصة التعليم فقط هو ما نريده فعلاً لتحسين جودة التعليم؟

quality-in-education

فوجئنا في الأيام القليلة الماضية بتناقل قرار وزارة التربية والتعليم الذي يفضي لدراسة جدوى الاتجاه نحو خصخصة بعض المدارس الحكومية؛ وذلك لأغراض مرتبطة بقياس جودة التعليم وتحسينها، وهو اتجاه على ما يبدو ليس بالجديد عالميًّا وإقليميًّا، فعلى مستوى الإقليم سبقتنا قطر نظريًّا وتطبيقيًّا في ذلك، وكما طرحت السعودية الفكرة نفسها ضمن فعاليات منتدى التعليم عام 2016، ويبدو أن الوعي الحكومي لدى المنظومات السياسية الخليجية بات قريبًا من فهم الحقيقة المطلقة بأن التعليم الجيد هو العلاج الجيد لمشاكل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، وأن التعليم الجيد وحده فقط يمكن التعويل عليه لقلب موازين الاقتصاد مستقبلاً من ريعي استهلاكي إلى منتج ومساهم فاعل في الدورة الاقتصادية الوطنية.

الفكرة الحديثة هذه التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم تحمل في طياتها جوانب محمودة تعكس اهتمامًا حقيقيًّا ورغبة في تحريك المياه الراكدة، وإيصال رسالة إلى المجتمع أن الوزارة تعمل ما بوسعها لإيجاد حلول تساهم في تحقيق جودة أفضل في المخرجات التعليمية، ولكن هل الخصخصة وحدها قادرة على تحقيق ذلك أم ثمة معطيات أخرى لا تقل أهمية ينبغي النظر إليها؟

تجربة قطر في خصخصة التعليم الأساسي الممتدة لأكثر من عشر سنوات بدأت عمليًّا تؤتي ثمارها، حيث احتلت -مؤخرًا- المرتبة الأولى عربيًّا، والتاسعة عالميًّا، متجاوزة دول كثيرة متقدمة، ومتبوعة عربيًّا بدولة الإمارات التي احتلت المرتبة الثالثة عشر عالميًّا بحسب تقرير مؤشر التعليم الأساسي العالمي لعام 2015. اعتمدت قطر على فكرة المدراس المستقلة من خلال التغلب على النظام المركزي البيروقراطي الذي كان يعيق تطور التعليم وتحسين مخرجاته. يقوم القطاع الخاص هنا بإنشاء المدارس وإدارتها وتطوير برامجها واستقطاب كوادرها وتوظيفها، وتقع عليه مسؤولية كبيرة في تحقيق أهداف تربوية معينة تحت إشراف الجهة الحكومية المعنية ومتابعتها فقط لأغراض مرتبطة بالحصول على القسائم المالية التي تزيد طرديًّا مع زيادة الجودة، وهذا ما دفع قطر لضخ أموال كثيرة تجاوزت 20% من موازنتها السنوية، وهي الدولة الصغيرة جغرافيًّا وسكانيًّا. نجاح تجربة قطر التعليمية -عمومًا- مرتبط أولاً بزيادة الإنفاق وثانيًّا بالتخلص من أعباء الإدارة المركزية. ولكن نجاح تجربة قطر لا يمكن بالضرورة محاكاته لتحقيق نتائج مشابهة لأسباب كثيرة متنوعة أهمها: السخاء المادي، واستقطاب الكوادر العربية والعالمية الجيدة والمنافسة.

والسؤال الذي يطرح نفسه لدينا، هل خصخصة التعليم الأساسي هي الحل الأفضل لتحسين جودة التعليم حقًّا؟ الإجابة عن هذ السؤال لا يمكن أن تتحقق دون العودة إلى نقطة البدء المرتبطة أصلاً بتكوين الكادر التعليمي، فجودة التعليم تبدأ من المعلم، وتمرّ بالمنزل (الأب والأم)، والمجتمع، وتنتهي بالطالب. وقد أجريت دراسات علمية عديدة أثبتت أن المدراس التعليمية الخاصة ليست بأفضل من المدارس الحكومية، ولا تتفوق عليها، ويجدر الإشارة هنا إلى نتائج دراسة اثنوغرافية منشورة عام 2003 في الولايات المتحدة تناولت مجموعة من 16 مدرسة حكومية وخاصة أشارت نتائجها إلى عدم تفوق المدارس الخاصة على المدراس الحكومية. كما أن المدارس الخاصة لدينا لم تتمكن هي الأخرى من تقديم نتائج علمية بأنها أفضل حالاً من المدارس الحكومية لا في الإدارة ولا في الانتاج. ويمكن أن نستنتج هنا أن نجاح تجربة قطر لم يتحقق أصلاً من خلال الخصخصة بقدر ما تحقق من خلال السخاء في الإنفاق وتجاوز البيروقراطية في الإدارة والأداء.

يمكننا أن نصنع الفرق في تجويد التعليم الأساسي إذا شئنا ليس من خلال الخصخصة فقط، بل من خلال العوامل الأساسية الآتية:

1. إعادة النظر في كفاءة الكادر التعليمي الحالي، وضرورة الإبقاء على المعلمين المجيدين فقط، والتخلص -تدريجيًّا- من المعلمين غير الفاعلين وإزاحتهم من المنظومة التعليمية، أو إحالتهم قسرًا إلى التقاعد. وهنا ينبغي أن تتوفر لدى مجلس إدارة المدرسة سلطة داخلية في التوظيف والاستغناء والإحلال.
2. إنشاء معهد أو أكاديمية خاصة لإعداد المعلمين وتدريبهم، على أن تستقبل طلبة يخضعون لامتحانات ومقابلات شخصية باعتماد معايير قوية تشمل تقديرات تعليمية عالية ومنافسة.
3. وضع معايير جودة عالية لقياس الأداء السنوي للمعلمين.
4. اعتماد نظام مدرس أول ومدرس مساعد لكل فصل دراسي للمرحلة الابتدائية (1-6).
5. تدوير مديري المدارس والمعلمين ونقلهم بصفة مستمرة (على الأقل مرة كل ثلاث سنوات) داخل منطقة جغرافية محددة.
6. إعادة تطوير المنهج المدرسي ليلامس حاجات تعليمية تطبيقية، ويمنح المتعلم فرصة أكثر للاختيار بما يتناسب وميوله واتجاهاته الفكرية والعملية، ويخرجه من أسلوب التلقين إلى أسلوب النقد والإبداع، والتفكير.
7. التقليل من البيروقراطية، ومنح المدارس استقلالية أكبر في استثمار مواردها البشرية والمادية، والتخطيط والتوظيف، والحصول على دعم المجتمع المحيط، واستقلالية في جمع التبرعات المالية؛ لتنفيذ البرامج والأنشطة المدرسية.
8. ربط المدرسة بالبيت والمجتمع من خلال إنشاء قنوات تواصل تفاعلية بين المدرسة والأسرة، وإحاطة الأسرة من خلال نشرات إليكترونية شهرية ترتبط بأداء المدرسة بشكل عام، والطلبة بشكل خاص، الأمر الذي يعزز من أهمية المدرسة مجتمعيًّا، ويحفز الأسرة والمجتمع على تقديم الدعم المناسب دون تردد عند الحاجة إليه.
9. وضع اختبارات قياسية محلية تتجاوب مع القياسات العالمية لغرض التحسين والتطوير.
10. الاهتمام بالتدريب والتطوير المستمر، بحيث يحصل مديري المدارس والمعلمون على برامج تدريبية مستمرة.
11. إطلاق مرحلة طفل ما قبل المدرسة.
12. اعتماد برامج تخصصية مهنية فرعية في المرحلة الثانوية للصفوف الحادي عشر والثاني عشر؛ تتيح فرصة أعلى لاختيار الطالب المقررات التي تتوافق مع ميوله واهتماماته.
13. إعادة النظر في الأبنية المدرسية ومرافقها ووسائلها التعليمية والتسهيلات المقدمة فيها.
14. تطوير النظام السائد الذي ينتقل فيه المدرس وحده فقط من صف إلى آخر بحيث ينتقل المدرس والطالب من صف إلى آخر بحسب الميول والاهتمامات.

وتظل قضية التعليم لدينا هي إحدى أكثر القضايا التي يتداولها أفراد المجتمع -يوميًّا- بالنقاش والدراسة، فآمالنا كبيرة، وكل ما نحتاجه اليوم هو توفر الإرادة وتظافر الجهود، ويمكننا حينها أن نصنع الفرق.

اضف تعليق