مخاوف الآباء والامهات من إدمان أطفالهم على ألعاب الفيديو على الإنترنت في تصاعد

games-15-05-2013

كتبه: روب ووكر

يُبدي كل من الآباء والأمهات، والأطباء، وخبراء الإدمان، والمؤسسات الخيرية التي تدعم حقوق الأطفال، مخاوف متصاعدة من كمية الوقت الذي يقضيه الأطفال في ممارسة ألعاب الفيديو على شبكة الإنترت، وتتزامن هذه الهواجس مع وجود إحصائيات تُشير إلى أن معدل إنفاق اللاعبين على ألعاب شعبية مثل League of Legends، وWorld of Warcraft، وGrand Theft Auto، في المملكة المتحدة وحدها سيتجاوز الثلاثة بلايين باوند هذه السنة.

وصرح الدكتور “آريك سيغمان” – وهو محاضر في مجال صحة الأطفال- أنه قد سمع من عدد من الأطباء أن الآباء والأمهات باتوا يلجأون إلى طلب وصفات طبية لحبوب منومة لأطفالهم كحل أخير، فقط لكي يجبروهم على النوم! ويعلق “سيغمان” على ما سمعه قائلاً: “أنه سواء علينا أنظرنا لهذه الظاهرة على أنها إدمان أو لم ننظر لها على أنها كذلك، فالشيء الذي يدركه تمامًا هو أننا نواجه مشكلة كبيرة ومتفاقمة”.

أما منظمة Action for Children الخيرية في المملكة المتحدة – التي تُعنى بمساعدة الأطفال الضعفاء والمنبوذين والمُعسرين والأفراد من فئة الشباب وعائلاتهم – فقد ذكرت بأن الربع من الآباء يصنفون إدمان أطفالهم على ألعاب الإنترنت كأكبر التحديات التربوية التي تواجههم على الإطلاق، بل هو تحدٍ أكبر من تلك التحديات التقليدية المشتركة التي يواجهها جميع الآباء والأمهات حول العالم وهي أداء الأطفال للواجبات المدرسية وغرس عادات الأكل الصحية لديهم. أما المشكلة فتكمن في التحكم بالوقت الذي يقضيه أطفالهم معتكفين على الشاشات.

يقول المدير الإداري للمنظمة الخيرية، “كارول إدون بأن” بأن العاملين في المنظمة قد صعقوا من هذه الإحصائيات المروعة التي تصنف الإدمان على ألعاب الإنترنت كأكبر المخاطر والتحديات، ولم يظن أي أحد منهم أنها قد تكون مشكلة بهذا القدر من الخطورة. صحيح أن ممارسة ألعاب الفيديو تُشعر الأطفال بالرضى وتمنحهم دفعة نفسية إيجابية، ويمكن لهذه الألعاب أن تعزز من ثقتهم بأنفسهم، لكن الأمر قد يصل بهم إلى الإدمان عليها.

هنالك – عزيزي القارئ- ما يسمى بالثقافية الفرعية أو الخاصة أو يصطلح عليه في اللغة الإنجليزية بـsubculture، والثقافة الفرعية1 هي مجموعة من الناس أو شريحة اجتماعية معينة تختلف في وجهة معينة عن ثقافة أكبر هي جزء منها، وقد يكون الاختلاف متعلق بنمط الحياة والمعتقدات أو التخصص في أحد مجالات المعرفة أو طريقة رؤية العالم، ولهذه المجموعة من الناس فكر مختلف عن الفكر المحيط بهم في ذلك المجتمع الكبير، وما انعزالهم عن محيطهم إلا ليمارسوا أنشطتهم. في حالتنا هذه فإن أفراد هذه المجموعة هم من المهتمين والمهووسين بألعاب الفيديو على الإنترنت. أما أغلب أفراد مثل هذه المجموعات هم من الذكور.

 من أشهر اللاعبين على الشبكة فتًى يدعى “بين جونز” –وهو اسم وهمي- وهو معروف بشخصيته الافتراضية على الإنترنت المدعوة “أونيبو”، ويقول “جونز” بأن اللعبة التي يموت في حبها هي League of Legends وهو يقضي ساعات متأخرة في اللعب بها.

بالنظر إلى حالة “بين جونز” أو “أونيبو” كما يطلق على نفسه في الواقع الافتراضي، فإن معدل جلساته التي يقضيها في اللعب عادة تصل إلى تسع ساعات، وهو يستمر عادة في اللعب حتى وقت متأخر من الليل. أدمن “جونز” -الذي يبلغ من العمر الآن 27 عاما- ألعاب الفيديو منذ أن كان في الخامسة عشرة وبلغت خطورة إدمانه أقصاها؛ فعندما كان طالبًا في إحدى الكليات، كان يقضي وقتًا في ممارسة ألعاب الإنترنت أطول من ذلك الوقت الذي كان ينبغي عليه أن يقضيه في مذاكرة دروسه. أما الآن فهو يقاسي الأمرَّيْن لكي يبقى في وظيفة ثابتة. يقول “جونز”: “بينما أنا ألعب، شيء ما في خاطري يقول لي في كل ساعة تمر وأنا قاعد أمام الشاشة، أنني يفترض بي الآن أن أقوم بشيء آخر في حياتي غير هذا الذي أفعله، لكنني لا أحمل على مقاومة تلك الألعاب. إن شعورًا غريبًا بالرضى يلامسني، وكأن لسان حالي يقول لي: أنني إنسان ناجح في حياته في كل مرة أكمل فيها مرحلة من المراحل في اللعبة أو أهزم فيها خصمًا”.

يساور “جونز” قَلَقٌ أنه قد يكون مدمنًا ولا يقوى على نفسه ليقهرها على غير ذلك. لقد تدخل إدمانه في حياته الشخصية والاجتماعية؛ فأحد الأضرار التي سببتها له هذه العادة هو الانفصال الذي أودى بعلاقته بخطيبته هذه السنة. لكن شيئًا ما في داخله يجعله يعتقد أنه قادر على وضع حد لإدمانه لو أراد ذلك. ويضيف: “إن الإدمان على ألعاب الإنترنت يبدو لي كما لو أنك مدمن على معاقرة الخمر أو التدخين، وأنا أدرك أنها عادة سيئة للغاية”.

أما قطاع صناعة ألعاب الفيديو gaming industry فلا يكادُ يَنْبَسُ بِبنْتِ شَفَة، ويعتريه التردد من الاعتراف بأنه قد يكون لألعاب الفيديو صلة وثيقة بأضرار جسيمة على الفرد والمجتمع، وفي الوقت نفسه فإن ماركات وكبريات أسماء ألعاب الفيديو تلقى رواجًا وطلبًا كبيرًا جدًا من قبل المستخدمين. لقد قامت شركة Euromonitor – الكائنة في مدينة لندن والمتخصصة في أبحاث أسواق الأعمال، وإعداد التقارير، وتوفير البيانات والإحصائيات- باحتساب معدل إنفاق الأفراد في المملكة المتحدة على هذه الألعاب في هذه السنة وحدها وتقول أنها سوف تربو عن الثلاثة بلايين باوند، أي عشرة أضعاف ما تنفقه المنازل في شراء الألعاب اللوحية التقليدية كالمونوبولي، والشطرنج.

المشكلة أن ألعاب الإنترنت مصممة بطريقة تجعلك ترغب في الاستمرار في اللعب، وهذا ما أشار إليه “بيتر سميث” مدير مركز معالجة الإدمان “برودوي لودغ” في مدينة بريستول جنوب غرب المملكة المتحدة. لقد سعى هذا المركز إلى مد يد العون لأولئك المدمنين على المخدرات، والمشاكل المتعلقة بالإدمان على الكحول منذ عام 1974، وفتح أبوابه في السنوات الثلاث المنصرمة للأفراد الذين يمرون بمعاناة من جراء إدمانهم على ألعاب الفيديو الذي يتداخل واقعها الافتراضي بواقعهم الحقيقي وتؤثر على حياتهم الشخصية والاجتماعية، أو ما يسمى بـgaming depedency، ويقول “سميث” إن الآباء لا يجدون ملاذًا لهم يلجأون إليه لمعالجة مثل هذه المشكلة، فليس هنالك خط مساعدة للاتصال به، والمدارس – التي يتزايد وعيها يومًا بعد يوم- تعجز عن التعامل مع هذه الحالات؛ نظرًا لمحدودية الخبرات في التعامل مع مثل هذه الحالات من الإدمان.

يوافق الكثير من الخبراء على حقيقة أن ما يجعل ألعاب الفيديو على الإنترنت محبوبة عند المراهقين والأطفال هما سببين: الأول أن هذه الألعاب هي بمثابة “مهرب” للاعبين ينعزلون فيه ويصرفون أبصارهم وعقولهم عن الحياة الحقيقية والواقع المرير والمجتمع، أو ما يسمى بـescapism، أما السبب الآخر فو ميزة هذه الألعاب في أنها توفر مجتمعًا افتراضيًا من خلال إمكانية منافسة لاعبين آخرين من أي بقعة من بقاع العالم كانت، ويمكن لك التحدث معهم والانخراط في محادثات ومراسلتهم وغيرها من الأنشطة الاجتماعية الافتراضية، أو ما يسمى بـsocialization. ويلعب هذان السببان دورًا كبيرًا في انحراف اللاعبين نحو الإدمان، ففي لعبة League of Legends –على سبيل المثال- هناك نظام اللعب Clan وتعني عائلة أو جماعة، حيث يتسنى للاعبين دعوة اللاعبين الآخرين لينضموا إلى قائمة أصدقائهم لمشاركتهم اللعب في مجموعة واحدة ضد الفرق الأخرى.

ويؤكد “سميث” أن البيئة الافتراضية التي يعيش فيها هؤلاء اللاعبون لا تكون بالضرورة بيئة صحية، فأنت لو ارتكبت خطأ ما؛ فإنك ستجد أربعة لاعبين آخرين في فريقك يصرخون في أذنيك يسبونك ويلعنونك. قد يأخذ اللاعبون هذه الألعاب على محمل الجد كما لو أنها كانت واقعًا ويفقدون الاتصال  بالواقع وينسون أنفسهم.

لربما كانت منتهى مخاوف الآباء والأمهات هو أن يفقد أطفالهم اتصالهم بالواقع الحقيقي، لكن ما يزيد هواجس الآباء والأمهات هو أن الإدمان على ألعاب الفيديو هو عكس القمار على سبيل المثال، فهو لم يشخص رسميًا كأحد أنواع الإدمان المدمر، وأن الأبحاث في هذا المجال مقيدة بعمليات تمويل محدودة، بالتالي فإن النشاط البحثي في هذا المجال محدود.

ويضيف “سميث” أننا لا ندرك بعد، الإدراك الكامل بمخاطر هذه الألعاب، ولذلك فنحن نقلل من شأنها.

وأخيرًا عندما أُرغم الفتى “جونز” -الذي يلقب نفسه افتراضيًا بأونيبو- على مواجهة واقعه المؤسف، اعترف بأنه يشعر بالأسى لما يقاسيه والديه بسبب إدمانه الشديد على ألعاب الإنترنت، ويقول أنك إذا كنت تسرف في إنفاق مالك على مثل هذه الألعاب فما بالك بالوقت التي تضيعه من حياتك! ويؤكد أن مهارة اللعب على الإنترنت ليست تلك المهارة المحمودة التي تريدُ أن تنقلها أو تُكسبها لغيرك، إنه مجرد عالم غريب يأسرك في فقاعة.

 

المصدر : ( اضغط هنا )

اضف تعليق