الفروقات التعليمية وحق الطلبة المتفوقين

567830c2c46188563e8b461c

كتبته: ويلدا سيموسيك

ينصب اهتمام المُدرّس، في جُلّ المؤسسات التعليمية، بشكل رئيس على تلبية احتياجات الطلاب المتعثرين دراسيًّا للأخذ بأيديهم نحو النجاح وتمكينهم من اللحاق بركب زملائهم، إذ يبذل المدرسُ قصارى جهده لإيجاد أفضل الطرق التعليمية التي تتناسب مع مستوياتهم التحصيلية وتُساعدهم على تطوير قدراتهم ومهاراتهم العقلية، بيد أنه يغفلُ عن حقِ فئة أخرى من الطلاب “ذنبهم” الوحيد أنهم تقدموا على أقرانهم في سرعة تعلمهم ومثابرتهم وذكائهم ويقظتهم؛ فيأتي الطالبُ المتفوق إلى الفصل بعزيمةٍ وهمّةٍ عاليتين، مُنتظرًا كمًّا من المعلومات الجديدة ليُضيفها إلى رصيد معارفه، إلا أنه يتفاجأ بمستوى المعلومات المُقدّمة له؛ إذ لا يخرج المُدرّس فيها عن إطارٍ معين أو مستوى محدد، آخذًا في عين الاعتبار قدرات الطلاب المتعثرين ومستويات الفهم لديهم.  

هذا ما دفعني حقًّا لكتابة هذه الأسطر، فقد أنحيتُ باللائمة على نفسي حينما أدركت يومًا بأنني مقصرة بحق طلابي المتفوقين، فبتُّ أحرص دائمًا على أن أنصف الفئتين وأُحاول أن أعطي كُل طالبٍ حقه في أن يتلقى مستوى التعليم الذي يتناسبُ ومستواه الدراسي؛ فشرعتُ في تنويع مستوى الأنشطة التي أقدمها لطلبتي، متبعةً طريقتين تعتمد الأولى على ميول الطالب والأخرى على اختياراته، وذلك من خلال إعداد مجموعة من الأنشطة يختار الطلاب منها كلٌّ حسب اهتماماته ويتمثل ذلك في تقديم ثلاثة نماذج مختلفة للمادة التعليمية ذاتها.  

ففي وحدة “القراءة” مثلًا يمكن للطلاب اختيار قصة واحدة من أصل ثلاث قصص مختلفة الموضوعات، فإذا كان موضوع الأولى عن “لعبة البيسبول” والثانية عن “رقصة البالية” ستكون الثالثة عن “الصعوبات التي يواجهها الطلبة في تكوين الأصدقاء”، وهكذا فبعد أن أشرح للطلاب أساسيات البناء القصصي، سيختار كل واحد منهم إحدى هذه القصص لتحليلها وتحديد عناصر الحبكة القصصية الرئيسة الخاصة بها، وبذلك يمكنهم تطبيق ما تعلموه من خلال قراءة قصة من اختيارهم ومناسبة لميولهم واهتماماتهم، وحتى أصنع التحدي بين طلابي المتفوقين، أقدم ثلاث نسخ مختلفة للقصة الواحدة بحيث أكتب كل واحدة منها بمستوى لغوي يختلف في تعقيده عن مستوى القصتين الأخريين وهذا يعني أنني سأحصل على ست نسخ مختلفة التعقيد، ولكنه أمر يستحق بذل الجهد من أجله؛ لأن ذلك يضمن مساحة أوسع للتعلم يكتشف فيها كل طالب المحتوى المعرفي الملائم له.

وإذا ما أردتُ التركيز على تنويع هذه الأنشطة تبعًا لاختيارات الطالب، ألجأُ إلى لعبة تيك تاك تو (لعبة أكس أو)، فأرسم لوحةً بتسعة أنشطة مختلفة، ليختار الطالب ثلاثة أنشطة متجاورة وبعد أن ينتهي منها يرسم خطًّا مستقيمًا يُشكّل الأنشطة الثلاثة التي قام باختيارها.

ولعل لعبة “رمي حجر النرد” إحدى الأنشطة الفاعلة التي أحرص على تطبيقها، إذ تتلخص فكرتها في وضع ستة خيارات مختلفة من الأنشطة حول موضوع مُعين بحيث تكون ممتعة ومناسبة لمختلف أساليب التدريس ومتباينة في مستوياتها؛ فيرمي الطالب حجر النرد لمعرفة رقم النشاط الذي ينبغي عليه تطبيقه، فإذا كان النرد يُشير للرقم 3 على سبيل المثال، يقوم الطالب بحل النشاط الذي يحمل الرقم 3 وهكذا. وإذا ما رغبتُ في إعطائهم مساحة أكبر للاختيار وإضفاء جوٍّ من المتعة والتسلية، فأسمح لهم برمي حجر النرد مرتين ومن ثم اختيار إحدى أرقام النرد التي لم تظهر في تلكما الرميتين.

ومن هنا، إنصافًا لطلابي المتفوقين، أركز في أنشطتي دائمًا على ثراء محتواها وقوته عوضًا عن عددها ولكي تؤتي هذه الأنشطة ثمارها، أعدّها أنشطة أساسية رئيسة وليست أنشطة إضافية اختيارية.

وهنا أضع بين أيديكم قائمة أخرى بالأنشطة التي يمكن للمدرسين إعدادها لطلبتهم:

  • مجموعة من التكليفات المدرسية مختلفة المستوى.
  • اتفاق نصيّ مكتوب بين المُدرس وطلابه يلتزم فيه الطلاب بإتمام نشاط معين في وقت محدد.
  • إتاحة الفرصة للطلاب للتدريس.
  • تقسيم الطلاب إلى مجموعات، بحيث تضم كل مجموعة طلابًا ذوي ميول واهتمامات متشابهة.
  • إتاحة الفرصة للطلاب ليتلقوا الإرشاد والتوجيه المناسب في المجالات التي تقع ضمن اهتماماتهم من خبراء ومتخصصين ومكافأتهم على ذلك.
  • إتاحة الفرصة للطلاب المتفوقين لاستبدال المنهج بآخر أكثر تحديًا لهم، أو إفساح المجال لهم لقضاء الوقت في تعلم موضوعات علمية تُحرّك شغفهم.
  • محاولة اختزال أجزاء من المنهج الدراسي، وذلك من خلال إكماله قبل الوقت المحدد له، ليتسنى للطلاب إطلاق العنان لأفكارهم وتعلم أشياء جديدة خارج نطاق المنهج.  
  • وضع برنامج خاص للمتفوقين بحيث يُخضع الطلاب المتفوقين أكاديميًّا لساعة أو أكثر أسبوعيًّا لأنشطة مثرية متنوعة خارج الفصل الدراسي، وفي حال طُبّقت هذه الطريقة بشكل فعّال فإن ذلك سيساعد للطلبة على التعمق في تفاصيل المادة التعليمية التي يدرسونها أو مجالات اهتمامهم محل الدراسة، ولأن هذا البرنامج يتضمن صفًّا دراسيًّا خاصًا بأنشطته ومعلميه، يُعفى الطالب المتفوق من أداء التكليفات الاعتيادية الخاصة بالفصل الأساسي، وعليّ أن أشير هنا إلى أهمية هذا البرنامج ليس للطلبة المتفوقين فقط وإنما لجميع الطلبة.

بقليل من التخطيط والدراسة السابقة، يمكن للمُدرّس تلبية احتياجات طلابه المتفوقين دون أن يسلبهم حقهم في أن يتعلموا شيئًا جديدًا كل يوم، وبتمييزه لهم سيبعث ذلك الرغبة في نفوس الطلبة المتعثرين دراسيًّا ليجتهدوا ويثابروا مما سيتيح لهم الفرصة لسبر أغوار المحتوى الدراسي المعرفي وتطوير قدراتهم التحصيلية.

المصدر : ( اضغط هنا )

 

 

 

اضف تعليق