السينما في خدمة التربية

photo of an old movie projector

يمكن تعريف التربية بمفهومها العام بأنها عملية صياغة القيم الأساسية و المفاهيم الحياتية التي يستطيع من خلالها الطفل خلق أفكاره و آرائه المتزنة في الحياة، أو كما يعرفها إسماعيل القباني أنها “مساعدة الفرد على تحقيق ذاته”، لذا فعلى المربين أن يوظفوا من أجلها كل السبل المتاحة و يسخروا لها كل الإمكانيات التي تناسب أبناءهم و العصر الذي يعيشون فيه، و يستحضروا في ذلك مقولة الإمام علي بن أبي طالب ” لا تربوا أبناءكم كما رباكم آباؤكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم“.

الإعلام -بشكل عام- أصبح له دور كبير في صياغة القيم و شريك أساسي في تربية أبنائنا، بل أصبح الشريك الأقوى و اللاعب الأساسي، فلم تعد مواعظنا الجافة و لا نصائحنا تصمد أمام طوفان الصوت والصورة بأشكاله المتعددة و أساليبه التي تدهشنا بجديدها كل يوم، و السينما – اليوم – أحد هذه الوسائل الحديثة التي أصبحت تستقطب جميع الفئات بسبب التقنيات العالية التي تستعمل في إنتاج الأفلام السينمائية، توضع فيها الأفكار و القيم في أشكال و قوالب و خدع تستخدم مادة الإبهار، فضلاً عن طريقة العرض من خلال الشاشات الكبيرة تجعل منها الوسيلة التربوية المثلى اليوم.

rio_twoلا أدعي أنني متابع جيد لصناعة السينما و لا جديد الأفلام، و لكنني عندما تابعت مع أطفالي فلم الأنيميشن Rio2 قبل سنوات، وجدت الكثير من القيم عن البيئة و الحياة و التعايش التي يمكن أن يزرعها هذا الفلم في عقول أبنائي، ناقشتهم عنها بعد الفيلم و وجدت لديهم انبهارًا بالمحتوى الفني للفيلم، فضلاً عن أن الأغاني التي احتواها الفيلم كانت كفيلة بتنمية الآذان الموسيقية لديهم،؛ لذلك كنت متحمسًا لتوظيف الأفلام في تربية أبنائي و خاصة في القيم الحديثة التي نريد زرعها فيهم من أجل عالم أفضل.

فيلم آخر  The Boxtrolls أبهرني كثيرًا بالقيم و الأفكار التي طرحها ربما أكثر من أبنائي، و لو ظللت أطرح القيم عليهم بأساليب المربين الرتيبة لما استطعت أن أوصلها لهم كما فعل الفيلم. فهو يتحدث عن كائنات تعيش في علب تختبئ عن البشر لقناعتها أنها لا تستطيع أن تعيش معهم، مما ساهم في خلق صورة مخيفة عنها، الصورة المتمثلة كانت أنها وحوش رغم طيبتها، إلى أن ينتهي الفيلم بخروجها من علبها، و كأنها تعبر عن مفهوم التفكير خارج الصندوق الذي ستجد أنه من الرائع والمدهش أن يعرفه أطفالك في عمر الخامسة وما فوق.

و هناك العديد من الأفلام السينمائية التي شاهدناها ووجدت أنها تحوي الكثير من القيم التربوية مثل الفيلم Walking with Dinosaurs   الذي يعزز قيم القيادة و الانتصار على مصاعب الحياة لدى الأطفال، وفيلم Belle and Sebastian الذي يروي عن حقبة الحروب النازية، يزرع قيم التحدي و الإصرار الذي كان يملكه الطفل “سيباستيان”. بالإضافة إلى الدهاء الذي كان يتمتع به مواجهة الجنود الذين واجههم في مهمته للبحث عن أمه. أما فيلم Tomorrowland  ينمي الخيال العلمي لدى الطفل من خلال أحداث القصة التي تحدث في المستقبل، و كانت فرصة لي لمناقشة أطفالي و إطلاق خيالهم حول ما يتوقعونه من اختراعات و طرق تنقل في المستقبل.

Dangaleأما الفيلم الأخير الذي تابعته مع أطفالي الذي شجعني على كتابة هذا المقال فهو فيلم Dangal للمبدع “عامر خان” الذي جمع مفاهيم تربوية كثيرة أذكر منها: قصة الأب الذي يجبر طفلتيه بالاحتراف في لعبة المصارعة التي لم يستطع الأب أن يحقق فيها نتائج في شبابه بسبب رفض والديه؛ مما جعله يحاول تحقيق حلمه من خلال طفلتيه اللتين لم تكونا ترغبان بذلك و عبرن عن همومهم في أحد أغاني الفيلم من استبداد الأب الذي عكس الفيلم طريقته الدكتاتورية في تربيتهن وعاطفته القوية التي كان يخفيها و تترجمها دموعه و سفره معهن للوقوف بجانبهن في البطولات رغم كل العقبات التي واجهته.

taare-zameen-parعامر خان” أيضًا أبدع سابقًا في فيلم لم “إيشان” الذي يعالج موضوع صعوبات التعلم لدى الطلاب، الذي ما زلت أعتقد أنه أهم فيلم ينبغي أن يشاهده كل المربين والمعلمين ليتعلموا كيف يمكن أن يكون المربي الحقيقي.

في الحقيقة لا أدري إذا كانت هناك وسائل عصرية أخرى يمكن أن يزرع المربي من خلالها هذه القيم النبيلة العظيمة في الأفلام التي استعرضتها، ولكني أعتقد أن المربي ينبغي ألا يغفل دور السينما الكبير في ذلك وخاصة في عالم اليوم الذي تتصارع فيه  القيم و الأفكار. نحن بحاجة ماسة لترسيخ قيم التعايش و التسامح و إطلاق عقول أبنائنا و قدراتهم لصنع عالم ومستقبل أجمل لهم وأوطانهم.

اضف تعليق