الدروازة التعليمية

IMG_6882

تحتاج حادثة البوابة التعليمية إلى تأمل أوسع، ليس فقط في طرق أنجع لحماية الموقع التعليمي الإلكتروني الأشهر في عمان من الاختراق الإلكتروني مجددًا، بل في نظام التعليم ككل، عبر أسئلة حساسة، كان يمكن على المخترق – بسهولة ويسر ودون أن يترك أثرًا مشهودًا فعل ما يشاء والخروج- لكن الرسالة لم تكن لتصل بتلك الطريقة، وكان الدافع الأول هو إيصال الرسالة، ألا يدلنا ذلك على فقدان التواصل بين أطراف العملية التعليمية؟ وحين يحتاج الطلاب لإيصال رسالة إلى المسئولين عن تعليمهم لا يجدون بُدًا من سلوك الطرق المغامرة التي تعرضهم لمخاطر التأنيب والعقاب. وتلك هي النقطة الأولى التي تحتاج إلى حل جذري، وربما ليس الطلاب وحدهم في هذا الحال، فعلى الأرجح أن المعلمين والمديرون أيضًا واقعين في نفس الدائرة العقيمة، حيث أن رسائلهم هي الأخرى لا تصل!

ما هو وضع التعليم العام في عمان؟

في اللحظة التي صار فيها تعليمنا مؤسساتيًّا أصيب بكثير من أدواء المؤسسات وعللها، وبناء على ذلك يعاني ما تعانيه المؤسسات في نظامها، وفي مخرجاتها التعليمية، وأظن حان الوقت لنلقي نظرة شاملة على ما نسميه نظامًا تعليميًّا.

في الإرث الأصلي للتعليم هناك اثنان هما جذر العملية التعليمية ككل، هما طالب ومعلم، وثالثهما الكتاب، تلك هي ثالثة الأثافي وبها يمكن الحديث عن زوايا مثلث مكتمل لقاعدة تعليمية، أما اليوم فإن تلك العملية الأساسية صارت باهتة وسط الكثير من التعقيدات البيروقراطية والبروتوكولات الرسمية والإلزامات، وصار التعليم كميًّا لا نوعيًّا، وبالتالي فقدنا النوع لصالح تعليم الأكثرية، وذلك بالطبع يطمس الكثير من المهارات والجواهر الإنسانية التي يمكن العثور عليها بين الأجيال.

يصاب العقل والقلب المبدع والمتميز والمبتكر من الطلاب بالقهر والإحباط واليأس؛ لأن عليه الانصياع لطريقة تعليم القطعان، وهي الطريقة المعنية بامتلاك كل فرد من أفراد الجماعة مهارات الرعي واتباع القطيع، لا أكثر، أما الطالب المميز فهل يجد لهُ دورًا في هذا النظام؟ هل يجد صَفًّا يشجعه على السعي لتعزيز مهاراته؟ أم يكون مصيره أن يشق طريقه وحيدًا تحت رحمة الصدفة؟

أفكر في قدرة الأطفال والصغار والمراهقين على تحمل الساعات الطويلة جلوسًا في الفصول، طوال ست ساعات بينها فواصل قصيرة جدًّا سواءً في اليوم أو الأسبوع أو العام ككل، ودون أن ننسى الواجبات والمذاكرة والمشاريع المنزلية، عامًا بعد عام ثقيل ولا ينتهي، وعليهم تحمل واستيعاب حشو المعرفة التلقيني الأصم الذي يحاول المعلمون والمعلمات متناوبين واحدًا تلو الآخر ملأهم به، وكلما تقدم بهم الصف كانت الحمولة أثقل، والمطلوب أكبر، ويكبر الحشو ويكبرون عامًا بعد عام، مقاومين بصبر، خوفًا من فقدان فرص الحياة الأفضل، كما يقال لهم، وبعضهم يسقط في الطريق، وبعضهم يتخلّف، ويعانون جميعًا متفوقين ومتخلفين من ذلك الضغط الدائم من كل صوب وحدب، حيث الأهل أيضًا يجدون أنفسهم مطالبين بالضغط من جهتهم، هذا إذا لم تكن عند الأهل أيضًا مشاريع (تعليمية) أخرى، وعلى تلك الأغصان الطرية الغضة أن تتحمل كل ذلك الثقل ولا تنكسر، ذلك الثقل الذي لو اقترحت تجربته على أي رجل أو امرأة ناضجين اليوم، لنفر واتهمك بالجنون مستعظمًا حمقك، وذلك يعرفنا على حجم الأثقال والأحمال التي يعانيها هؤلاء الصامتون، مرغمين على تحمل الجهد الذي لا يستطيع معلم واحد أو معلمة احتمال القيام به كاملاً ليوم دراسي واحد، مادةً بعد مادة، بجرعات حتى لو كانت صغيرة، لكنها متلاحقة إلى الدرجة التي يمكن أن ينفجر فيها الطالب فجأة. وإني أتساءل أهو فعلاً تعليم أم نوع من تعذيب الأجيال بدعوى التعليم واستلهام المعرفة؟

المعرفة بالقسر ليست معرفة، والتعليم بالغصب ضد التعليم.

على المسئولين عن التعليم في بلادنا أن يعوا حجم الخطيئة التي يتوارثون ممارستها، أن يعودوا قليلاً من أوهام نماذجهم الغربية إلى الواقع، أن يفهموا واقع الصخرة التي نسميها المدرسة ويفتتوها كي يمكن لكل واحد من الطلاب والمعلمين أن يحمل منها حجرًا ويرميه بعيدًا كي يصبح التعليم أكثر خفة، أن يتعرفوا على الأجنحة التي يحملها هؤلاء الطلاب وأن يساعدوهم على الطيران، لا أن يجعلوا منهم كحمار الآية القرآنية، أن يجعلوا الأنهار تجري حرة والمدارس بساتين خضراء والعلم ممارسة حيوية نابضة، لا قتلاً بطيئًا، وعندها يحصدون معرفة حقيقية وعلمًا حقيقيًّا، وأجيالاً مدهشة من الإنسانية، فليست المواد العلمية بتلك الصعوبة، لكن المطلوبات صعبة، ما الذي يجره بالنفع على الطالب أن يحفظ ما لا يعنيه فعلاً وأن تخصم درجاته حين لا يحفظ!.

ما الذي نريد فعلاً من الإنسان أن يحفظه؟ يجب أن يحرره حفظه ويحميه كحرز لا أن يسجنه، أن يبصِّرهُ لا أن يعميه، وأن يرتقي به ويهديه لا أن يضله.

حادثة التهكير والاختراق حادثة صغيرة لكنها تكشف أيضًا عن جانب مظلم آخر، عن طاقات بشرية فذة مهدرة وهو الذي يغري الكثير من هؤلاء الخبراء التقنيين بالكثير من الحيل والتلاعبات الخطرة، والواجب على المؤسسات أن تلتفت لهذه النماذج فعلاً وحقًّا كي يتم استيعابهم وتشجيعهم وليس إهمالهم، أن تستوعب مهارتهم ومهارة كل مبدع وفريد لصالح البلاد والإنسانية بدل أن يتم استغلالها لصالح شركات لا تعتني إلا بزيادة رأسمالها، وقد فقدنا الكثير من هذه الجواهر وأصبح عدد منهم يعيش بعيدًا لأنه يجد هناك مناخًا يسمح له بتطوير مهارته في فعلٍ حميد قانوني بدل أن يعبث بها في الظلام، وهذه الحادثة الصغيرة عبارة عن جرس يقرع وعلينا أن نصغي باهتمام شديد إذا كنا ما نزال نحمل ضمائر يقظة، وأرواحًا طيبة كما ندعي على الدوام. وإذا لم نصغِ الآن فأخشى ما أخشاه أن يأتي اليوم الذي لا يفيد فيه غير الندم.

اضف تعليق