خدمات الولادة ورعاية الأم والطفل… التجربة الهولندية

ydfhjk

لحظات ألم شديد، يزداد شيئا فشيئا، تسمع صوتا بجانبها “تحلي بالقوة لم يبقَ إلا القليل”، وبعدها تسمع بكاء طفلها للمرة الأولى، وأخيرا ها قد أتى بعد انتظار تسعة أشهر، لحظات عسيرة لكنها تخلف بعدها فرحة عارمة، صحيح أن هذا السيناريو مليء بالألم ولكنه السيناريو المثالي لولادة طفل جديد، ففي كثير من الأحيان الأمور لا تجري بالصورة التي نأملها أثناء الحمل والولادة وما بعد الولادة، قد لا نعي الخطر الذي يحيط بالأم وطفلها في حال لم يحصلا على الرعاية الكافية ولكنه فعلا أمر خطير، فحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية فإن حوالي 830 امرأة تموت يوميا لأسباب متعلقة بالحمل والولادة، 99% من هذه الوفيات تحدث في الدول النامية التي لا توفر الرعاية الصحية الكافية للأمهات، لذلك حرصت الدول المتقدمة على توفير الرعاية المثالية للأم والطفل، ونستعرض في هذا المقال التجربة الهولندية لكون هولندا إحدى أفضل الدول في رعاية الأمومة والطفولة.

ما يميز نظام رعاية الأمومة وجود خدمة تمريض منزلي تقدم من قبل شركات خاصة بالتنسيق مع وزارة الصحة، فبعد الولادة تعود الأم إلى منزلها خلال ساعتين أو ثلاث ساعات فقط إلا إذا كان الأم والمولود يعانيان من إشكالية صحية، وعند عودة الأم والمولود إلى المنزل تأتي ممرضة لتقوم برعايتهما وتقديم الخدمات التي يحتاجانها، وتختلف الخدمات حسب عدد الساعات المتفق عليها بين الأم وشركة التمريض المنزلي، حيث يبلغ أدنى حد للساعات التي تتواجد فيها الممرضة مع الأم والمولود 3 ساعات وأقصاها 10 ساعات، تقوم خلالها الممرضة بتفقد حالة الأم الصحية بقياس درجة حرارة الجسم وضغط  الدم ومقدار تدفق الدم والحليب، كم تتفقد صحة المولود عن طريق قياس الوزن والطول ودرجة الحرارة ولون الجلد والبراز والبول، تجرى هذه الفحوصات يوميا ولمدة 8 أيام أو 10 أيام في الحالات الاستنثنائية، كما تقوم الممرضة بتعليم الأم كل ما تحتاج إليه من مهارات ومعلومات لرعاية طفلها الرضيع، أضف إلى ذلك أن الممرضة تقوم بأداء المهام المنزلية التي اعتادت الأم القيام بها كتنظيف المنزل وغسيل الأواني والطبخ وغسيل الملابس وترتيبها واصطحاب الأبناء إلى المدرسة…إلخ.

الممرضات اللاتي يأتين إلى المنازل يتم توظيفهن من قِبَل شركات خاصة بالتمريض المنزلي، ويشترط حصولهن على شهادة بكالوريوس في التمريض وحصولهن على ترخيص لمزاولة التمريض المنزلي، وتقوم شركة التأمين الصحي بتغطية معظم تكاليف الممرضة المنزلية ويقوم المستفيد بدفع 3 يورو –ما يقارب 1.200 ر.ع – لكل ساعة تقضيها الممرضة مع الأم والمولود، علماً بأن هولندا هي الدولة الوحيدة التي يتم فيها تغطية تكاليف التمريض المنزلي من قبل شركات التأمين، وفي حال لم تُرِد العائلة إحضار ممرضة إلى المنزل فإنه يجب على الأم قضاء 10 أيام في المشفى بعد الولادة لمراقبة وضعها ووضع مولودها الصحي وتقديم الرعاية اللازمة لهما.

أمر آخر يميز نظام رعاية الأمومة في هولندا هو إتاحته الخيار للأم لإنجاب الطفل في المستشفى أو في منزلها تحت إشراف طبي، قد يبدو ذلك غريبا للوهلة الأولى ولكن نعم هذا يحدث حقا، حيث أن حوالي 30% من الولادات في هولندا تتم داخل المنازل، ولكن ما الذي جعل هولندا تتبع نظام الولادات المنزلية؟ إن السبب الرئيسي هو محاولة جعل الأم مرتاحة نفسيا لأبعد الحدود أثناء الولادة، فبيئة المنزل بيئة مريحة للأم خصوصا أنها تكون مع عائلتها، وكثير من الأمهات يشعرن بالانزعاج وعدم الراحة أثناء التواجد في المستشفى، صحيح أن الولادة تتم بوجود طبيبة مختصة وممرضة إلا أنه لا يسمح للنساء اللاتي عانين من مشاكل في الحمل من الولادة في المنزل، لأن ذلك قد يشكل خطرا على حياتهن وحياة أطفالهن إذا ما سار الأمر بشكل غير طبيعي.

لقد آمن الهولنديون بأنهم إذا لم يعتنوا جيدا بالأمهات سيفقدوهن، فقد كانوا في العصور الوسطى يفقدون أمًّا من كل خمس أمهات نتيجة عوامل مرتبطة بالحمل والولادة، وقد طوروا النظام الصحي الذي يناسبهم، وعلينا نحن أن نطلع على مثل هذه التجارب والاستفادة منها ولنرتقي بنظامنا الصحي أكثر فأكثر، لأن التوقف عن التطور يعد تراجعاً.

 

         

Tweet about this on TwitterShare on Google+Share on FacebookEmail this to someoneShare on LinkedInPrint this page

اضف تعليق