جماليات الطفولة، نستنطقها عبر “حوارات طفولية”

76

نحلق في سماوات الطفولة، نعيد أسئلة الحياة بأسئلتها، ترسم كلماتها على شفاهنا ابتسامة، يأخذنا فضولها إلى عوالم رحبة. نعترف أن أجمل مراحل الإنسان مرحلة النقاء والطهر هذه. يقول ألبرت أينشتاين: “السعي وراء الحقيقة والجمال عالم من النشاط الذي يسمح لنا أن نبقى أطفالًا طوال حياتنا”، وهنا في هذه المساحة شيء من أحلام، وأمانٍ، وخيالات، وجماليات الطفولة، نستنطقها عبر “حوارات طفولية” مع الأستاذة أصيلة الحارثية، فلنتجول معًا بصحبتها مستفيدين مستمتعين:

– “حوارات طفولية” هو مسمى الوسم الذي وضعتيه وتغردين عليه باستمرار، وكما يبدو هي حوارات الأطفال معك، كيف يتحدثون، والكلمات التي يطلقونها، والأسئلة البريئة الكبيرة تارة والصغيرة تارة أخرى التي تعيد لنا نحن ككبار فهم الحياة ككل. أولاً أبدأ في سؤالك كيف جاء المسمى “حوارات طفولية”؟ وما الهدف من وضعها على وسم ومشاركتها الناس؟

جاء المسمى حينما أردت أن أضع عنوانًا للحوارات مع أطفالي ، ولأنها مع الأطفال أسميتها “حوارات طفولية”. الحوارات مثل الصور الفوتوغرافية تستحق أن يحتفظ بها فكما أننا نهتم بتوثيق صور أطفالنا في جميع مراحل حياتهم، لم لا نوثق حواراتهم وأحاديثهم، فالكثير من الحوارات تنسى.

– عندما تستمعين إلى هذه الحوارات الطفولية البريئة ما الشعور الذي يخالجك وما الذي يدور في ذهنك؟

استمتع جدًّا ،أحاول ألا ينتهي الحديث وحين أكون مشغولة أترك ما أقوم به، وقد أطلب ممن بجانبي أن يستمع إليهم.

– نحن نعرف الكم الهائل من الأسئلة التي قد يطرحها الطفل في وقت واحد، والطفل – بطبيعة الحال- كائن سؤول وفضولي، من تجربتك، ما أكثر الأسئلة والحوارات التي يثيرها الصغار؟

إن أكثر الأسئلة التي يثيرونها هي الأسئلة الفلسفية لفهم ماهية الوجود، وأسئلة عن كل ماتقع أعينهم عليه أو تلتقطه آذانهم أو تشمه أنوفهم، أو تلمسه أصابعهم الناعمة، يسألون عنه ولا يتوقفون. و أحيانًا أسئلة استعراضية، حيث يسأل كل طفل صديقه عن مهاراته و مواهبه ويحاول إثبات أنه الأفضل، أسئلتهم لا تنتهي وكل شيء يبدأ عندهم بلماذا ؟وكيف ؟

 

– إنه من الرائع أن يستكشف الأطفال العالم بسؤال يبدأ بـ “لماذا أو كيف”. سؤالنا يبدأ بـ “كيف” أيضًا: كيف تتعاملين مع هذه الحوارات ؟ هل تستمعين فقط أم تردين عليهم ؟

أحاول الاسترسال وطرح المزيد من الأسئلة للوصول إلى فكرته أو طريقة تفكيره، فأحيانًا نعطي كلامهم أكبر من حجمه، لكن مع طرح المزيد من الأسئلة نكتشف أنها اسئلة بسيطة، فحينما يسألني طفلي في الرابعة من عمره لماذا لا توجد أشجار في البحر ؟ أنا أعلم أنه يقصد الأشجار مثل النخيل والسمر والشريش وليس طحالب البحر، فأطرح عليه السؤال مرة أخرى: لماذا لا توجد الأشجار في البحر؟ فيجيب: علشان ما نتعور . يبدو أن له تجربة مؤلمة مع الأشجار وقد لا أعلمها .

بعض الأسئلة أرد عليها بطريقة علمية، مثال: لماذا انطفأت السيارة؟ لأن بطاريتها انتهت صلاحيتها؟ هل ستنفجر السيارة ؟ أوكد لهم أنها لن تنفجر ..ثم أشرح لهم عمل بطارية السيارة، لأراهم بعد ساعة يشرحون لكل من يقابلهم عن حجم بطارية السيارة ووظيفتها، ولكن بعض الأسئلة أجيب عليها بأسئلة فقط. والأبناء الأكبر عمرًا نفتح لهم مباشرة اليوتيوب أو أي موقع الكتروني للبحث أكثر.

– نتوقع أن كل أسئلة كانت كبيرة أو صغيرة في هذا العالم نتعلم منها بالتأكيد، فماذا تتعلم أصيلة من هذه الحوارات الطفولية ؟

أتعلم أن عالم الأطفال عميق جدًّا ومثير ، وأنا من يجب أن يتعلم منهم الدهشة والانبهار بكل شيء.

– شاركينا أغرب حوار طفولي أو لنقل حوارًا مضحكًا صادفك ؟

إنها حوارات كثيرة،  سأذكر على سبيل المثال واحًا منها: مرة بلع أحد أطفالي فلحة، فقلت له أنها ستنبت وتخرج شجرة من أعلى رأسك – هذه العبارة قيلت لي في صغري وصدقتها وكنت أقلق من كل بذرة أبلعها- ، فردت ابنتي في الصف الثالث أو الرابع أنه لا يمكن أن تنبت شجرة في بطنه ؛لأن الأشجار تحتاج إلى ضوء ، ولا يوجد ضوء في الداخل. أدهشتني الإجابة التي ربطتها ابنتي بين ما يتعلمونه في المدرسة وبين الحياة اليومية ..

أما أكثر حوار آلمني حينما علقت ابنة أختي مفتاح منقوش عليه London  بخيط أحمر سميك  ولم يكن أنيقًا ، وظلت تخبئه تحت قميصها كلما ذهبت إلى المدرسة، فطلبت منها أن تخلعه، فرفضت حتى يعود أبوها من بريطانيا. لذلك سيبقى المفتاح معلقًا على رقبتها حتى يعود أبوها من دراسته!

وأطرف حوار كان، حينما قرأت قبل عشر سنوات كتابًا يحث على إعطاء الأطفال ألقابًا، فاقترحت لقب “أم غزالة” لابنتي و”أبو أسد” لابني ، فردت ابنتي بكل عفوية: وسنسميك أم الحيوانات!

بالطبع إن الموقف كان طريفًا وحين أتذكره أضحك، لكني تعلمت أن ليس كل شيء أقرؤه أطبقه.

         من الحوارات والأسئلة إلى عالم التربية قليلًا؛ فبما أنك أم وجب علينا الاستفادة من تجربتك التربوية، كيف هي التربية معك؟ هل تسير على خطوات سديدة؟  وأخبرينا عن تجربتك كأم؟

التربية مجهدة وممتعة في أن واحد. قرأت الكثير من كتب التربية وجربت الكثير من طرق التربية، ولا أقول أني أسير على خطوات سديدة بل على العكس أحيانًا أشعر أني مهزومة جدًّا فأنا أم عادية جدًّا ولست سوبر ماما. التربية لا تواجه بل يتم التعاطي معها بصبر وهدوء وثقافة عالية. أما تجربتي في الأمومة فأنا مثل أي أم في عمري، لم نكن نعلم عن التربية سوى تحميم الأطفال وأن يرتدوا ملابس نظيفة وتحفيظهم سور القرآن الكريم والأدعية.

 أٌقول أن القراءة ساعدتني على فهم سيكلوجية الأطفال، واحتياجاتهم و نفسياتهم. ومن الكتب الجيدة التي ساعدتني على محادثة الأطفال: “كيف تتحدث فيصغي الصغار إليك وتصغي إليهم عندما يتحدثون” وكان كتاب “التربية الذكية” من الكتب المهمة لخلق الانضباط والنظام في المنزل واحترام القوانين. بحثت عن طريقة تربية الملوك لأبنائهم، لكني لم أجد سوى تحفيظهم القرآن والأدب. طرق التربية كانت مركزة على جانب واحد من جوانب شخصيتهم وهو الجانب المعرفي فلم يكن كافيًّا لي، وما زلت أبحث عن طرق التربية ووسائلها.

خلاصة تجربتي هي، أنه مهما قرأت من الكتب، ومهما طبقت من نظريات التربية، وتجاربها، فإن الطريقة الأقوى والأنجح للتربية هي القدوة. وأضرب بكل النظريات التربوية عرض الحائط إن لم يكن الآباء قدوة حسنة

– إذا كان الآباء يقرؤون لك الآن، ماذا تنصحيهم في موضوع التربية ؟

نصيحتي اتبع إحساسك واتبع قلبك دائمًا، فإحساس الأبوة وغريزتها أقوى من كل كتب التربية

– رجوعًا إلى حوارات طفولية بعد أن أخذنا جزءًا يسيرًا من خطتك التربوية، ماذا تحبين إضافته هنا في نهاية حوارنا ؟

في “حوارات طفولية “تعمدت ألا أضع وجه نظري التربوية حول الحوار المطروح؛ لأني متأكدة أن لكل أب وأم طريقته الخاصة في التعامل مع أطفالهم، وأؤمن أكثر أن كل طريقة صحيحة جدًّا ، لأننا لا نريد من أبنائنا أن يكونوا نسخًا متشابهة. و شكرًا لك نورة أنك اعتبرت حوارات طفولية شيئًا يستحق الاهتمام.

 

اضف تعليق