قيمة الزمن في أوقات الفراغ … بين حقائق وتجارب

IMG_0116

ألوف مؤلفة من طلبة المدارس والجامعات والكليات تتوقف لديهم ساعة الجد والعمل عندما يحين موعد الإجازة، يتركونك تتساءل مع نفسك إزاء حالهم، وكأنهم حققوا المراد أو الكمال العقلي والمعرفي في عامهم الدراسي المنصرم وها قد حان وقت الراحة التامة لديهم!
في ذات السياق، تجد في البيوت نصف عدد المجتمع من النساء، تتجرد مسؤولياتهن عن الارتباط بعمل أو دراسة أو ما شابه، سوى أنها ربة منزل، فيا تُرى كيف يُسيّرْن هذا الكم الهائل من الوقت طِوال اليوم والشهر والسنة؟ أم أن أعباء المنزل تسد هذا الخلل؟!

إذا بحثنا عن مفهوم (الوقت) لدى العلماء، فقد عرّفوه أنه المادة الخامة التي تُستثمر لإدراك الإمكانات وتحصيل الثروات، مثل: الغذاء والمال والعلم والصحة وغيره …
فهل تفكّر الآباء في كيفية قضاء أبنائهم لأوقات الفراغ الطويلة التي يحصلون عليها سنويًّا؟
وهل أعان الأزواج زوجاتهم على التمكن من الغاية الأسمى في هذه الحياة؟ وهل استنتج قادة المجتمع الطرق المثلى لتوجيه الأجيال لما ينفع بلادهم؟

لا أريد هنا أن أبالغ في نقل صورة هلامية عن قداسة الوقت وأهمية استغلاله، فالحياة لا تغدو إلّا أن تكون بين عمل وراحة، جدٍّ وضحك، دأبٍ ومرح، بيد أنني أشير لضرورة تجنب طغيان أوقات الفراغ على أوقات العمل لكل فرد منا، وعلاوة على ذلك يجب أن تكون أوقات الفراغ مشبعة بما يخدم الإنسان، روحيًّاً : كالقراءة والعبادة والتأمل والسفر، وبدنيًٌا: من خلال ممارسة الرياضة النافعة واحترام أوقات النوم والغذاء.

قد تتردد على مسامعنا عبارات كثيرة توحي بأهمية تجنب أوقات الفراغ أو قتلها إنْ وُجدت؛ وذلك حتى لا يندفع المرء لارتكاب الموبقات أو الوقوع في المزالق، وَكأن الوقت عدو من أعداء الأمة!
ألم يدرك هؤلاء أنه كلّما ذهبَ يومهم ذهب بعضُهم؟! فإذا كان الوقتُ أغلى مملوك فهو في الوقت ذاته أرخص مضيَّع، فكما قال الشاعر:
والوقتُ أنفسُ ما عُنِيتَ بحفظِه •• وأراهُ أسهلَ ما عَلَيْكَ يَضيعُ
والغاية القصوى للإنسان هي امتلاك حافز لكسب الوقت، واللبيب من أخضع أوقات فراغه لحكم عقله لا هواه وقلبه …

من المؤسف أن نرى في وقتنا الحاضر شبابًا متعلمين يمتلكون إسفافًا في الفكر، تطلعاتهم لا تكاد تجاوز أعلى كعوبهم؛ إذ أنَّ المصدر الحقيقي لثقافتهم ومعارفهم هي مواقع التواصل الاجتماعي وما ترويه من قراءات لقصص خفيفة ومواضيع للتسلية وأطروحات لإشباع الغرائز الجسمانية والجنسية، فأين هم من مصادر القراءة العلمية وتجارب الدراسات العملية!

أما إذا طالعنا حال أوقات فراغ نسائنا، فحدّث ولا حرج يصيبك عن ضياع أوقات فراغهن فيما لا يعود على عقولهن وأجسادهن وخُلُقِهن بالنفع العميم ..
ستجد عزيزي القارئ أنّ أغلب نساء مجتمعنا يشغلن أنفسهن معظم أوقات الفراغ في القيل والقال، والتعاطي مع الهواتف الذكية وما تحمله من مواقع للتواصل الرقمي، والتسمّر خلف شاشات التلفاز، والتجول في الأسواق، والأدهى من ذلك والأمرّ تلك الطائفة منهن التي تركت حبل أولادها وبيتها على الغارب لخدم المنزل!
بالطبع ليس المُراد هنا حبس النساء عمّا تجد فيه مرتعًا لقضاء وقت الفراغ، ولكن الأمور تقدّر بقدرها دون إفراط أو تفريط، ونعود للتأكيد على أنه يجب ألا يطغى وقت الفراغ على وقت العمل؛ حتى لا يصير المرء سبهللا في أمر دينه ودنياه.

“نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغ”
غالبا ما يندفع الذوق لتحريك ملهيات الإنسان واشتغالاته في أوقات الفراغ، خاصة إذا ما كانت إرادة المرء ضعيفة راكنة إليه، فكان نتائج ذلك ضياع كثير من المعارف والعلوم، وهدر منابع الثروة، وإهمال أصول الدين وثقافة المجتمع وحضارة الوطن، ومنه … كسدتْ الكتب، وتعدمتْ القراءة والمطالعة، ورُضِيَ بالجهل والخنوع؛ إلى أن صار أرباب البيوت ينتظرون فقط من زمانهم مرتبهم الوظيفي نهاية كل شهر!

تعال عزيزي القارئ لنطالع معًا قيمة الوقت عند بعض العلماء المسلمين، إذ أنك ستكتشف نماذج رائعة في كيفية تنظيمهم له وحفاظهم عليه وخشيتهم من ضياعه ..

فمثلاً، ابن النفيس -الذي يعد إمامًا في الطب والفقه ومكتشف الدورة الدموية في جسم الإنسان قبل سبعة قرون- كان من شدة اهتمامه بحفظ الوقت في تحصيل العلم يقوم بتسجيل بعض مباحث الطب أثناء استحمامه. والإمام النووي -مُحدّث وفقيه ولغوي ومترجم- تجلّت أعظم سمات حفظه للوقت في أنه كان لا يتناول إلّا وجبة واحدة في اليوم، ولا ينام إلا لحظةً غلبه النعاس فيها .. فكان يقرأ كل يوم اثني عشر درسًا مع الضبط والتعليق. أما الإمام ابن مالك النحوي -صاحب الألفية- قضى ساعاته ولحظاته بين صلاة وتلاوة وتصنيف ومطالعة، حتى في غمرات الموت. والإمام بن سكينة -شيخ فقيه مُحدّث- كان يقول لطلابه إذا دخلوا عليه: “لا تزيدوا على (سلامٌ عليكم) مسألة”؛ وذلك لكثرة حرصه على المباحثة وتقرير الأحكام.
والإمام الحافظ المنذري -الناقد والفقيه والمؤرخ واللغوي- عُرف عنه اشتغاله بالعلم حتى أثناء الأكل، كما شُهد له تشيع ابنه والصلاة عليه -العزيز على قلبه- داخل المدرسة التي يدرّس بها وودّعه على بابها.

اضف تعليق