قراءة في كتاب “أبي … أمي اسمعاني جيدًا” للبروفيسور فرنسوا شارمان

IMG_0259

سأبدأ باقتباس هذه الجملة من الكتاب “الأطفال والأولاد الصغار لا يملكون كلمات كثيرة للتعبير عن أنفسهم , إنما يملكون طرق تعبير مختلفة وكثيرة للتواصل مع الآخرين”
كتاب “أبي ..أمي اسمعاني جيدًا” , كتاب صغير في حجمه ولكنه كبير في مضمونه ومحتواه , فالكتاب يقع في 128 صفحة فقط من القطع المتوسطة.
الكتاب مقسم إلى ثلاثة عناوين رئيسة, وكل عنوان يندرج تحته مجموعة من العناوين والموضوعات الفرعية.
العنوان الأول : لهم هم أفكارهم – وهو القسم الأهم حسب رأيي وسأركز عليه في هذه المقالة-
العنوان الثاني : بعض مشاكل الطفل الصغير وحلولها
العنوان الثالث: الطفل في لهوه ولعبه.

يعرج الكتاب في بدايته على حاجات الأطفال حسب ترتيب أبراهام ماسلو, ثم يتحدث عن ضرورة الاستماع إلى رغبات الطفل حتى في حال لو لم يستطيع الوالدين أن ينفذوا ما طلبه, مع ضرورة التفريق بين حاجات الطفل وبين رغباته , فالحاجات لا بد من تأمينها لكل طفل بعكس الرغبات.

الكتاب يرشدك إلى الاهتمام والاستماع ومراقبة كل ما يصدر من الطفل من إشارات عن طريق البصر أو التنفس أو الصمت وغيرها .

ومراقبه أفعاله ومحاولة فهمها , حتى حركات الألعاب العنيفة والاعتداء على النفس والاعتداء على الآخر ؛ فهي تعد لغة يستخدمها الطفل للتعبير عما يصعب نطقه ” فغالبًا ما تشكل أفعال الأطفال إنذارات موجهة للأهل وإلى المحيط كله , فتكون دعوة إلى منح هذا الطفل مزيدًا من الاهتمام والعاطفة أو الإشارة إلى شيء مخيف يتسبب باضطراب الطفل, لذا يجدر الاستماع جيدًا إلى هذه النداءات كافة “.

كما يدعو الكاتب إلى ضرورة الاستماع إلى عادات الطفل , وهي الحركات الدائمة والمعتادة التي تصدر من الطفل من طريقة النوم والاستيقاظ والحمام والطعام.

كما يؤكد الكاتب إلى ضرورة ” الرد على أسئلة الأولاد كافة ؛ لأنها ترمز إلى استيعابهم وإلى محاولة فهم عالمهم الحقيقي والتخلص بشكل تدريجي من العالم الوهمي” وفي حالة عدم امتلاك الأب أو الأم للإجابة , أو لم يحن موعدها بعد, فعليهم تقريب المعلومة الحقيقية قدر الإمكان , وبمختلف الوسائل المتاحة , والوسائط المتوفرة.

كما يدعو الكاتب إلى مراقبة لغة الجسد للطفل, فهي تشكل لغة أساسية ومفضلة لديه ” فعندما لا يجد الطفل وسيلة للكلام , يبحث عن الآلام للتعبير عن النفس من أجل لفت النظر إليه” , فغالبًا ما يفسر الآباء تجسيدات أطفالهم بالمرض, وهذا خطأ, بل ينبغي عليهم “محاولة فهم السبب والاستماع إلى أولادهم” .
فمثلاً، عندما يشكو الطفل إلى آلام في الأذن, فربما يحاول أن يقول لوالديه أني لم أعد أستطيع التحمل والاستماع إلى مشاكلكما وصراخكما.
مثال آخر، عندما يتبول الطفل على سريره أو على ملابسه فمن واجب الوالدين الاستماع إلى أسباب هذا الخطأ , لا الحكم عليه ومعاقبته ووصفه بصفات سيئة.

ولا يفوت الكاتب الإشارة إلى ضرورة التفريق بين المشاعر الوهمية والمشاعر الحقيقية, فمثلاً عند زيادة مولود في العائلة , قد يظهر الطفل مشاعر السعادة إرضاء لوالدته مثلاً وهو منزعج -أصلاً- من هذا الشقيق الجديد , فلا يصح قمع الطفل ومنعه من الإفصاح عن مشاعره.

ولا يمكن إهمال مبدأ الخسارة والافتراق والانفصال , فكل علاقة قابلة للتغيير , من الأحسن إلى الأسوأ , وقد تكون من الأسوأ إلى الأحسن , فالطفل معرض لفقدان جدة أو جدته أو أمه أو أبيه , أو فقدان شخص عزيز لديه , فينبغي التعامل مع هذه الحوادث بشكل دقيق وصحيح وتجنب الكذب على الأطفال، فعند وفاة الجد مثلاً ” لا يجدر القول لهم أن جدهم ذهب إلى السماء لأنهم سيسمحون لخيالهم السفر بعيدًا وهم يفكرون كيف ينام على الغيوم , وكيف يحمي جسده من أشعة الشمس و…, لذا يجدر القول لهم الحقيقة , وقول أقرب شيء ممكن من الحقيقة”

يدعو الكاتب إلى التركيز على لغة الرموز التي يستخدمها الطفل, فهي لغة أساسية للتعبير عن تخيلاتهم ومن أجل لفت النظر إليهم والاستماع الى ما يودون قوله .
” لمعرفة حقيقة مشاعر الأطفال ووضعهم النفسي , يكفي النظر إلى بعض رسوماتهم والاطلاع على حالتهم . فالرسم يترجم ما يشعرون به ويشكل لغة الأطفال المفضلة”

كما ينبغي التركيز على تساؤلات الطفل , فهي إحدى الرموز الأساسية التي يستخدمها الطفل للوصول إلى شيء معين , ففي بعض الحالات يسأل الطفل سؤالاً وهو يريد معرفة شيء آخر. فقبل الرد على أي سؤال , ينبغي للمربي تحري حقيقة السؤال وجر الطفل إلى الكلام والبوح عن مشاعره الحقيقية , ثم ينبغي تعليمه الطريقة الصحيحة لكيفية قول ما يريده دون اللجوء إلى الأسئلة.

كما يدعو الكاتب إلى ” الاستماع الجيد إلى أحلام الأطفال, فهي تشكل اللغة الأكثر غناء والأكثر صدقًا لأنها تنبع من اللاوعي, فعن طريق الأحلام يمكن للأطفال التخلص من خوف ما أو حل مشكلة تضايقهم”

ما يعيب الجزء الأول من الكتاب – حسب نظري – عدم إعطاء القارئ طرق تطبيق الأفكار والأساليب الصحيحة لتعامل مع إشارات الطفل ورموزه وأفعاله, فهو يجمل ولا يفصل.

في الأخير، أنصح كل أب وكل أم يسعيان إلى تربية أبنائهما تربية صحيحة وإيجابية أن يكثفا جهدهما ويسعيا قدر الإمكان إلى مطالعة الجديد في فنون التربية والتعليم , وأن يكونا – قدر الإمكان- قريبان من أطفالهما؛ فذلك معين له لفهم سلوكياتهما وحاجياتهما, فأبناؤنا هم أمل المستقبل , نصنعهم اليوم لتقر بهم أعيننا غدًا .

Tweet about this on TwitterShare on Google+Share on FacebookEmail this to someoneShare on LinkedInPrint this page

اضف تعليق