حوار مع روبي زين… تجربة تعليمية من هولندا

sdfg

توجد في هولندا العديد من أنظمة التعليم قبل المدرسي المتميزة، التي تختلف في تجربتها عن الأنظمة الموجودة لدينا، وتعد مجموعة “زين” إحدى التجارب الناجحة، مؤسسة هذه المجموعة هي “روبي زين”، ولنستعرض تجربتها الناجحة والاستفادة منها زرنا أحد مراكز “زين” في هولندا وحظينا بحوار جميل مع “روبي زين”، كشف عن شخصية طموحة ولطيفة ومحبة، تؤمن أن العمل مع الأطفال عمل مقدس؛ لأنه العمل الوحيد الذي تستطيع حرفيًّا من خلاله أن تلمس المستقبل وتغيره؛ فأطفال اليوم سيكونون هم الشباب الذين يشغلون الوظائف بعد عشرين سنة، فمن هي روبي زين؟ وماذا فعلت لتغير واقع الأطفال لتصنع منه مستقبلاً أفضل؟ 

 

قصة روبي زين 

 

عاشت “روبي زين” في العديد من الدول أثناء نشأتها، فذلك ما كان يقتضيه عمل والدها السوري الذي اختار أن يغادر البلاد رغبةً منه في الحصول على حياة أفضل، وقضت معظم طفولتها في السعودية، طفولتها التي كانت سعيدةً ومرضية إلا أنها طفولة بعيدةٌ عن الأهل والوطن، وقد عانت كثيرًا من ألم الفراق، لاسيما فراق عماتها اللاتي أحبتهن كثيرًا، وخاضت مع عائلتها حياة الغربة بلحظاتها السعيدة والجميلة، ولحظاتها الحزينة والصعبة. عاشت الحياة التي تفتقد فيها العائلة لأقاربها وأصدقائها ليشاركوهم أفراحهم وأحزانهم ويقدموا لهم الدعم والمساعدة. كبرت “روبي” وحازت على شهادة البكالوريوس في تربية الطفولة المبكرة، وبدأت العمل معلمة في إحدى رياض الأطفال، وكانت حينئذٍ قد استقرت في هولندا، ولكنها أحست أن العائلات المغتربة في هولندا تحتاج إلى الدعم، وأن عليها القيام بأمرٍ ما لمساعدتهم ولكن كيف ستساعدهم؟ هذا ما كان يشغل فكرها لساعات طويلة. 

بعد مضي أربع سنين من عملها معلمة رياض أطفال، قررت روبي أن تنشئ مركزها الخاص لرعاية الطفل الذي أسمته “زين”، لقد كانت البداية صعبة مع قل الإمكانيات، فقد كان المركز يتكون من غرفة صفٍ واحدة ومعلمة واحدة وهي روبي، بعد فترة عينت روبي مساعدة لها، ثم أخذت توسع مركزها شيئًا فشيئًا، الآن روبي زين تشرف على أكثر من ستة فروع لمركز زين، تضم ما يقارب 2000 طفل وأكثر من 200 معلمة، وما زالت القصة مستمرة… 

 

مركز زين… وطن بعيدٌ عن الوطن 

مركز زين هو وطن بعيد عن الوطن، فالطفل المغترب الذي يفتقد عائلته ستكون عائلة زين عائلته الأخرى، التي سيجد فيها كل ما يحتاجه من حب وأمان ودعم، التي ستعلمه أنه ربما يكون مختلفاً عن الآخرين لأنه قادمٌ من ثقافة مختلفة، ولكن الآخرين مختلفون أيضًا فكلٌ له طبيعته الخاصة وعلينا تقبله واحترامه في جميع الظروف، ونعامله بالحب والصبر، وهذه القيم يتعلمها الطفل حين يتعامل مع المعلمة التي تكون صبورةً معه، حنونةً عليه، وتستمع لما يقوله وما يظهر في تصرفاته، ففي داخل كل منا شخص يستحق أن يعيش حياةً سعيدة مهما كانت الظروف التي يمر بها صعبة.  

 

كذلك يهدف مركز زين إلى منح الطفل الأمان والحب والسعادة ليشعر بالاتزان النفسي والتقدير والاحترام الذي يحظى بهما في المركز ليحس أنه محبوب كما هو، وينعكس تقبله لذاته في تعامله مع الآخرين، فيصبح مُحِبًّا ومراعيًّا لمشاعر من حوله، لأن الطفل إذا لم يشعر بالرضى عن نفسه فسيحاول أن يعوض النقص الذي يشعر به بإظهار أنه قوي ومسيطر وأنه الأفضل بطرق غير سليمة قد تتضمن إيذاء الآخرين؛ وذلك لن يفعل شيئًا سوى جعله ومن حوله مستاؤون من بعضهم، أو أن يستسلم لنقصه فيصبح قليل الثقة منطويًّا على ذاته، وسينعكس طبعه على العالم حين يكبر، ويكبر شعوره بالنقص معه. 

وليحقق المركز أهدافه يقدم عدة خدمات لفئات عمرية مختلفة تبدأ من الساعة الثامنة صباحًا وتنتهي في الساعة السادسة والنصف مساءً كأقصى حد، ويمتلك أهل الطفل الحرية في تحديد عدد الساعات التي يرغبون أن يضموا الطفل إلى المركز خلالها، وتشمل الخدمات المقدمة على: 

حضانة: للأطفال من سن 3 أشهر إلى 4 سنوات. 

روضة: من سن 4 سنوات إلى 6 سنوات. 

برنامج ما بعد المدرسة: من سن 6 سنوات إلى 12 سنة، إذ يأتي الأطفال إلى المركز بعد انتهاء ساعات المدرسة، فيتناولون غدائهم، وينجزون فروضهم المدرسية، ويمارسون العديد من الأنشطة المفيدة والمسلية. 

مخيمات صيفية وشتوية: تُقام المخيمات خلال الإجازات المدرسية إذ يقضي الأطفال وقتهم في المركز ليتعلموا ويمرحوا، حيث تقام أنشطة في عدة مجالات وتشمل الرياضة والفن والمسرح والطبخ والموسيقى وغيرها. 

ولكن مركز زين لا يقدم إحدى الخدمات التي تقدمها عادةً مراكز رعاية الطفل في هولندا وهي خدمة رعاية قبل المدرسة، حيث يتم إحضار الطفل إلى مركز الرعاية قبل ساعات المدرسة فيتناول وجبة الفطور ويمارس أنشطة ترفيهية حتى تفتح المدرسة أبوابها ليذهب إليها، هذه الخدمة تساعد الآباء والأمهات الذين يبدأ عملهم في وقت مبكر قبل بداية الدوام المدرسي، وقالت روبي بهذا الخصوص “لا أفضل إضافة رعاية ما قبل المدرسة إلى خدمات مركز زين لأنني أؤمن أن الأطفال يحتاجون إلى قضاء الوقت مع عائلتهم، وأظن أن تناول الإفطار مع العائلة له قيمة عاطفية مهمة للطفل ونحن لا نريد أن نحرمه منها”.

المعلمة 

ترى روبي أن المعلمة يجب أن تكون امتداد لعائلة الطفل أي بمثابة عمة الطفل أو خالته، فتشعر المعلمة أنها مسؤولة عن الطفل، وأنها يجب أن تهتم بجميع احتياجاته العاطفية أولاً ثم النمائية ثم التعليمية، فقد قالت: “إذا كانت المعلمة لا تحب الأطفال أو العمل معهم ولا تهتم بالتعليم ولا تمتلك الشغف لجعل الأطفال أشخاصًا أفضل، نحن في زين لا نقبل بتوظيفها معنا، يجب أن تكون الرغبة وحب الأطفال والعمل معهم موجودًا في قلوب المعلمات، وهذا ما يميز زين، فنحن نبحث عن الحب والشغف في المعلمين، وبالطبع هم يعلمون الألوان والأشكال والموسيقى وكل شيء، ولكن الأهم هو أن يحبوا بصدق ويسعون دائما لتقليل قلق الطفل وتوتره ليتعلم بطريقة أفضل، وأن يجعلوا الطفل سعيدًا قدر المستطاع، وأن يجلبوا البهجة لعائلة الطفل”. 

وبخصوص المؤهلات فجميع المعلمات حاصلات على بكالوريوس في التعليم ما قبل المدرسي، وهذا لا يقتصر على مركز زين فقط وإنما على جميع مراكز رعاية الطفل في هولندا بسبب وجود قانون يمنع العمل مع الأطفال إلا للأشخاص المرخص لهم بالعمل مع الأطفال، وهذا أمر إيجابي كونه يحافظ على سلامة الأطفال. والمعلمات في زين لديهن شهادات بكالوريوس والبعض لديهن شهادات ماجستير، والكثير من المعلمات يتحدثن أكثر من ثلاث لغات وقد تصل إلى خمس لغات. إضافة إلى ذلك فهن يحصلن على تدريب وورش ومحاضرات باستمرار لتحديث المعلومات، والتذكير بدراستهن السابقة، واكتساب مهارات جديدة. 

 

مركز زين في بلاد العرب…حلم روبي 

أنشأت روبي مركز زين في مملكة هولندا وأخذ يكبر ويتوسع وتتعدد فروعه، ولكن هل سنرى يوما ما مركز زين في بلاد العرب كون روبي من أصل عربي؟ حدثتنا روبي قائلة: ” هذا حلمٌ بالنسبة لي، فأنا أعلم أن بعض هذه المفاهيم مغيبة في العالم العربي، ليس العالم العربي فحسب بل في كل العالم، لكنني أطمح لنقل تجربتي إلى العالم العربي، ففي معظم أنحاء العالم يظن الناس أن الطفل مجرد طفل لا يفهم وأن بإمكان أي شخص العمل مع الأطفال، لكن على العكس تمامًا فالطفل كائن مهم وحساس، فالأشخاص الذين يعملون مع الأطفال يجب أن تكون لديهم خلفية علمية وعملية ممتازة في التعامل مع الطفل وأن يكون لديهم ماجستير في علم النفس، أو ماجستير في علاج النطق والتخاطب. نحن نبحث عن هذا المستوى من التعليم حين نتحدث عن الأشخاص الذين يجب أن يعملوا مع الأطفال، وأرجو أن يصل هذا المفهوم إلى بلاد العرب، وبالفعل جاءتني عدة عروض للعمل في الشرق الأوسط من دبي وأبوظبي والرياض، كما أن والدي رحمه الله كان يدعوني قبل الحرب إلى العودة إلى سوريا وفتح فروع لزين في سوريا ولكن رفضت جميع هذه العروض، فلا أشعر أن مراكز زين مستعدة بعد؛ لأننا لا نريد أن نفتح فروعًا جديدة في بلدان جديدة على حساب الجودة، فالجودة أساس لدينا، وكخطوة أولى تم افتتاح فرع في بلجيكا كتجربة خارج هولندا، وسندرس كيفية سير العمل، وإن شاء الله سيكون لــزين وجود في بلاد العرب يومًا ما”.  

 

نصيحة لقراء مجلة نوت 

وأخيرًا نختم بنصيحة قدمتها روبي زين لقراء مجلة نوت في قولها: “ما أؤمن به أن أعظم شيء يمكن أن تقدموه للأطفال هو أن يروكم سعداء. الأمر بهذه البساطة، وهذا متعلق بحقيقة أن الطفل يتعلم مما يرى أكثر مما يُعَلَّم، وأن الأطفال يتعلمون عن العالم من خلال تصرفات البالغين من حولهم. ما يحدث للوالدين هو أنهما يحاولان تقديم الأفضل للطفل، فيحاولان تحسين وضع العائلة المعيشي بشكل مستمر، وهذا يضعهما تحت ضغط الحياة، وفي أحيان كثيرة تنسيهما مشاغلهما أن يستمتعا بالحياة، ولكن يجب على الجميع أن يعلم أن الطفل سيكون سعيدًا عندما يرى والديه يستمتعان بالحياة، كأنهما يقولان أنظروا إلينا نحن سعداء ونستمتع بحياتنا ونشعر بالاسترخاء وهذا سيجعل الأطفال يحسون بالراحة وبالسعادة والأمان، وهذه المشاعر حين توجد في نفس الطفل سيكون منفتحًا أكثر للتعلم ولاستكشاف العالم من حوله، وهذا عكس ما يحصل عندما يرى الطفل والديه بائسين ويشعران بالضغط وبمزاجٍ متعكر غالب الوقت. 

جدوا السعادة وانشروها لمن حولكم، الحياة ليست سهلة، أعلم ذلك، وما سيحدث لنا سيحدث حتمًا سواء أحببنا ذلك أم لم نحبه، فلنفعل ما نفعله بابتسامة ومرح، فالمرح والسعادة تجعلنا صحيين أكثر نفسيًّا وجسديًّا، وتجعلنا أشخاصًا أفضل، فإذا رأونا أطفالنا نعيش بسعادة فهذا أثمن ما يمكن أن نقدمه لهم، وكل شيء آخر سيأتي مع السعادة. وعندما يكون الأهل سعيدين مع أبنائهم سيبدأون باللعب والتصرف معهم بطريقة سخيفة مرحة وطفولية كما يحب الأطفال، وأفراد العائلة الذين يلعبون معًا يظلوا معًا حتى النهاية لأن اللعب يزيد الحب بينهم. فكونوا سعداء وانشروا السعادة”. 

 

Tweet about this on TwitterShare on Google+Share on FacebookEmail this to someoneShare on LinkedInPrint this page

اضف تعليق