إعادة تعريفِ الفشل!

فشل-مدرسي

لـ بين جونسون

لماذا يُخطئ المُدرّس حين يُشجّعُ طلبته دائمًا على أداءِ كل شيء بشكلٍ صحيحٍ منذ البداية؟

نُدركُ نظريًّا، بوصفنا تربويين، أهمية “الفشل” في مساعدة الطلبةِ على التعلّم من أخطائهم، غير أننا في الواقع لا نؤمن به؛ فلو كُنّا نؤمن به، لكُنا قد ضمّناه بشكلٍ جدّي في “مصفوفة المدى والتتابع” الخاصة بمناهجنا الدراسية1

كيف ستبدو قاعاتنا الدراسية إذا ما أتحنا الفرصة لمزيدٍ من “الفشل”، بل إذا ما شملناه في مقرراتنا؟

تُشجّعُ قاعة الدرس التي تعتمدُ في أساسها على “الفشل” على تطبيق نظرية “التجربة والخطأ”2؛ فعندما نُخطط سابقًا، كمُدرّسين، لفرص فشلٍ داخل الفصل، فإننا بذلك نتيح للطلبة المجال ليتعثروا ويتخذوا خطواتٍ خاطئة أو حتى ليفشلوا بشكلٍ كلي.

تستغل استراتيجية التعلم الاستقصائي “الفشل” أفضل استغلال، وعلينا هُنا أن نتأكد من استخدام المصطلح “استقصاء” بمعناه الدقيق؛ فالاستقصاء هو نشاطٌ تعليمي تكون حلوله ونتائجه مجهولة سابقًا للمُدرّس والطالب. ويعتمد المُدرّسون الذين يقومون بإعداد استراتيجية “التعلم الاستقصائي” على التغذية الراجعة التي يستقونها من تجارب الفشل التي يخوضها الطلبة، ليتأكدوا بعدها من وجود خياراتٍ وفرص متعددة للطلبة لتحسين أدائهم، ويحدث هذا عادةً في التقويم القبلي والتقويم المستمر مما يتيح للطلبة ممارسة أنشطة تعليمية كهذه وتطوير قدراتهم التحصيلية، ويمكننا تشبيه ذلك بمن يتعلم لعبة البولينج؛ إذ يحتاج لاعب البولينج لبضع كرات فقط قبل أن يتعلم قذف الكرة إلى وسط نهاية المضمار ويُسقط أكبر عددٍ من الأوتاد، وببضع محاولات أخرى، ينجح اللاعب في تصويب الأوتاد بضربة واحدة، وهكذا ففي كُل مرة يرمي فيها ذاك اللاعب المبتدئ الكرة، فإنه يقترب من هدفه أكثر.

ينجح المدرسون الذين لا يخشون الفشل في تحفيز الطلبة على المجازفة والخطأ، مدركين منذ البدء أهمية هذه الخطوة في نقل الطلبة لمستوى تعليمي أعلى، فقبل تطبيق نظرية التعلم القائمة على التكرار، يُعلّم المدرس، الذي يتبنى الفشل، طلابه كيفية التعلّم من أخطائهم؛ فلا يكتفي بسؤالهم عن كيفية فشل مشروعهم أو بحثهم على سبيل المثال، بل يتعّداه إلى طرح أسئلة أكثر تفصيلًا مثل: ما سبب الفشل؟ وهل كان المنهج المتبع في المشروع مخالفًا لفكرته الأساسية؟ وما الذي لم يكن مخالفًا؟ ما هي خطوتكم القادمة وما التعديلات التي ستُجرونها وما الذي سيبقى بدون تغيير؟

مشكلات مستعصية

يستمتع المُدرّسون، الذين يتبنون الفشل، بالمشكلات المستعصية، كما يدركون بأن الطلاب الذين يعملون بشكل جماعي تكون أمامهم فرصًا أفضل لحل هذه المشكلات من أولئك الذين يعملون بشكل فردي، مهما بلغ مستوى ذكائهم؛ وذلك لتعدد وجهات النظر حول المشكلة في “المجموعة” الواحدة وتعاون أعضائها لحلها، ولهذا يعد العمل التعاوني مفتاحًا رئيسًا للنجاح بالنسبة لهم.

أؤمن أن احتضان الفشل في قاعاتنا الدراسية يعد “ترياقًا” لضحالة التعليم؛ ففي مدينة هلسنكي في فنلندا مثلًا، حين يفشل الطلبة فشلاً ذريعًا في مقررات الرياضيات الصعبة في أول مرة، لا يثير ذلك قلق المدرسين ولا حتى الطلبة أنفسهم؛ بل يقدّم المدرسون المساعدة لطلبتهم ويتيحون لهم وقتًا للتعلم من أخطائهم وتصحيحها؛ فيُدرك الطلبة حينها أن حل مشكلة ما بشكل صحيح دائمًا منذ البداية لا يعكس صورة الواقع بالضرورة؛ إذ لابد من صعوبات وفشل سابق له!

قوة الفشل!

يعلم المدرسون، الذين يفتحون باب الفشل، الطلبة تطبيق استراتيجية “خطط- نفّذ- ادرس- قرّر”؛ فحين تستعصي عليهم مسألة رياضية ما على سبيل المثال، سيقوم الطلاب أولاً بتحديد ماهية المشكلة وقد يكون ذلك برسم صورةِ لها إن تطلب الأمر، ومن ثم “التخطيط” للخطوة الأولى.

ثم يبدأون في مرحلة “التنفيذ” بوضع حلٍ مقترح للمسألة تبعًا للخطة التي وضعوها ومن ثم يتابعون النتيجة.

يشرع الطلبة بعدها بدراسة خطوات الحل وإذا ما تأكدوا بأنهم في المسار الصحيح واصلوا الحل، أما إذا اكتشفوا بأنهم في مسارٍ خاطئ، فيبدأون من جديد مُتِبعين طريقةٍ مختلفة، ويبحثون مع زملائهم عن طرق الحل التي اتبعوها ليحصلوا على تفاصيل أكثر حول فكرة حل المسألة بينما يبحثون أيضًا عن نماذج مُشابهة للمسألة ذاتها.

تأتي بعد ذلك مرحلة “التقرير” بإكمال المسألة أو البدء بإيجاد حلولٍ لها من جديد باستخدام قاعدة مختلفة. قد تكون تلك خطوات مُعقّدة، بيْد أنها تعكسُ المعنى الحقيقي للتعلم.

إن تبني الفشل وممارسته داخل القاعات الدراسية، سيزيل الشعور بالهزيمة واليأس عن نفوس الطلبة ويُساعدهم على تخطيهما عند حصولهم على درجاتٍ ضعيفة في مشروع أو اختبارٍ ما، بل سيتخذها الطلاب فرصة للعودة للفكرة واكتشاف الخطأ فيها مما سيشجعهم على العمل معًا والتفاعل أثناء عملية “التعلم التكراري” الذي يتبنى الفشل ليصنع منهُ نجاحًا. ومن خلال تجربتي، فإن هذا النوع من عمليات التعلم يرفعُ من مستوى الأداء لدى الطلبة؛ لأن طلابه ومُدرّسوه لا يؤمنون بالمقولة الشائعة ” ليس في الإمكان أفضل مما كان”.

فضلًا إلى أن تخصيص مساحة خاصة للفشل في الفصل يشجع الطلبة على حل مشكلات بطرق غير خطية، باستخدام خيارات عدّة تُهذّبُ وتطور تفكيرهم.

 

 

1قائمة من الموضوعات والمفاهيم والأفكار التي يتضمنها كُل مقرر دراسي في كل مرحلة دراسية، يُحّددها سابقًا مختصون في المجال التربوي، ويُؤخذ فيها بعين الاعتبار ترتيب محتوى المقررات بشكل تتابعي بحيث يُناسب مستوى الطلاب وقدراتهم في كل مرحلة (المُترجم)

2 تُعرف أيضًا بالنظرية الوصلية وهي إحدى الاستراتيجيات المستخدمة في حل المشكلات، وتعتمد فكرتها الرئيسة على حل المشكلات بشكل تدريجي، أي من الاسهل إلى الأصعب وتقوم في أساسها على المحاولة واكتشاف الخطأ ومن ثم تصحيحه (المُترجم)

 

المصدر:  ( اضغط هنا

 

 

اضف تعليق