هل مدارسنا تقتل الإبداع والتميز وتؤذي الفكر ؟

IMG_8314

نوقظ أطفالنا عند السادسة صباحًا ليستعدوا للذهاب إلى المدرسة التي يجب عليهم أن يتواجدوا فيها عند السابعة وإن لم يحدث فسيدخل ذلك الطالب في دوامة من المعمعة وسيسرد عليه تلك القوانين التي يجب عليه أن يلتزم بها، والويل له إن كررها وتأخر .

ثم يساق الطلبة زمرًا كل حسب سنه وفصله سواء كان الجو صيفًا حارًّا أو بردًا قارسًا ليصفوا في صفوف مستقيمة، لتبدأ مراسم طابور الصباح التي لم يتغير منها شيء منذ أن كنت أحد أولئك الطلبة المساقين ، ليردد أحدهم معلنًا بدء المراسم (مدرسة صفا) التي أجزم أن أغلب من يسمعها طلبة ومعلمون لا يعرفون أنها تعني الوقوف واليدين خلف الظهر مع فتح بسيط للقدمين التي كان يستخدمها المصريون إباء الاحتلال الفرنسي،
ثم يأمر الطلبة بأداء تمارين رياضية الغرض منها تنشيطهم ولكنها تمارس بشكل خاطئ ويصبح الغرض منها مجرد مراسم تنفذ، حتى تلك الحركة التي تغضب مدير المدرسة عندما لا يردد الطلاب السلام السلطاني بصوت عال ليجبرهم على إعادته أو يعاقب أحد الفصول بإعادته فرادًا، ثم تسمع (من جد وجد ومن زرع حصد )الحكمة الأكثر ترديدًا في إذاعة الصباح التي لم ترق ولم تواكب التطور الذي نشهده اليوم .

بعد ذلك نقود الطلبة لغرف تسمى فصولاً، لن يغادروها إلا بعد 7 ساعات لنبدأ بالتناوب عليهم بصفتنا معلمين نأمرهم برفع أيديهم عند رغبتهم بالتحدث، ونسقط عليهم كم هائل من المعلومات والوقائع والتواريخ ونطلب منهم النوم بين أكوام الكتب من أجل حفظها التي لن يتذكروا نصف هذه الأشياء عند الامتحان والنصف الآخر سينسونه مباشرة بعد الامتحان. نجبرهم على طريقة تفكير معينة، نمنحهم دقائق قليلة لتناول طعامهم السيئ، نحرضهم على التنافس من أجل الحصول على علامة تامة، وعذرًا بعضنا سيخاطبهم بالأغبياء إن لم يجيبوا على السؤال أو إن لم يفهموه!

وطالما كان الطالب يتبع القواعد ويجتاز الامتحان فهو رائع، وعليه أن يدرك أن الممتحنين لهم نموذج إجابة وإذا كانت إجابته خارج الصندوق عندها سيكون ردهم أنه راسب، هذا ما يحدث يوميًّا . وبعدها نزعم أن مدارسنا توسع الآفاق والرؤية الخاصة بهم وتصقلهم لمواكبة المستقبل!
وهنا أتساءل، هل مدارسنا -فعلاً- تؤهلهم من أجل المستقبل أم الماضي ؟

أشاهد كل صباح أولئك الطلبة القادمين بكآبة وكسل إلى المدرسة والملامح المرسومة على وجوههم تشع بالحزن والأسى، يسحبون أقدامهم سحبًا للمشي إلى الصفوف، بينما أراهم راكضين فرحين متهللين عند مغادرتها نهاية الدوام، لماذا يا ترى ؟

أعود بالذاكرة قليلا لأقارن بين النظام المدرسي القديم الذي تتلمذت أنا به قبل أكثر من 20 سنة وبين النظام المدرسي الحالي!
هل تصدقون أنه لا يوجد فرق جوهري بالرغم من مرور السنوات العديدة والتطور المذهل المواكب لها خلال هذه المدة؟ ويقال أن المدرسة لم تتطور منذ ما يقارب الـ150 سنة مقارنة بغيرها من المؤسسات ؟ سيقول بعضهم أن هذا النوع من المدارس هو نفسه من أخرج لنا الأطباء والمهندسين والمعلمين و …الخ ولكننا في عصر مختلف؛ فنحن لا نحتاج إلى توابع لا يفكرون، نحن بحاجة إلى أشخاص يفكرون بطريقة إبداعية، طريقة مبتكرة وحاسمة ومستقلة، مع القدرة على التعبير والتواصل .

إذا كان التعليم هو المفتاح فإن المدرسة هي القفل، نحن بحاجة إلى مدارس تلهم عقل الإنسان وليس فقط تملأ رؤوس الطلاب. نحتاج إلى معلم عندما يقف أمام 40 طفلاً كل واحد منهم يختلف عن الآخر في القوة والاحتياجات والمواهب والتفكير والأحلام يدرسهم بطرق شتى وأساليب متعددة.
لا نريد مدارس تعلمنا الأساسيات العامة فقط بل نريد مدارس تصل إلى أساس كل طالب وفي كل فصل .

نعم العلوم مهمة ولكنها ليست أهم من الرسم والعزف ولعب كرة القدم؛ فلنعطي كل موهبة حقها في مدارسنا. نحتاج لمدارس تركز على التعاون وليس التنافس، نحتاج لمدارس يحبها أبناؤنا ويتشوقون للذهاب اليها ركضًا مع ابتسامة عريضة بدل الجري هروبًا من مدارسنا الحالية

اضف تعليق