لماذا أستمر في التعليم رغم مشقة هذه المهنة؟

turnover

لـ آني تان

كتبت هذا المقال في نهاية يونيو 2016، بعد توديع طلابي ومغادرة مدرستي والمدارس الحكومية في شيكاغو للمرة الأخيرة. وقد كانت تلك هي رابع مدرسة في شيكاغو أغادرها في غضون خمس سنوات، إلا أنني لم أعتد مطلقًا على وداع طلابي. ولن تصبح لحظات توديع الطلاب سهلة مطلقًا.

ولطالما قلت أن مهنة التدريس هي عبارة عن بناء العلاقات بنسبة 80% ، فنجد أنه إذا كانت طبيعة العلاقة بين المعلمين وطلابهم في البيئة المدرسية مبنية على الثقة والاحترام المتبادل والاهتمام، فإن العملية التعليمية ستصبح يسيرة؛ وهذا ما يجعل من وداع المدرسة وطلابها بالغ الصعوبة، فقد احتاج بعض الأطفال لأسبوع واحد ليعتادوا عليّ، فيما استدعى الأمر حلول الأسبوع الأخير لبعض الطلبة. وقد انهار ثلث طلاب الصف الخامس بذرف الدموع في اليوم الدراسي الأخير، وقد وقعنا في أحضان بعضنا الآخر حتى خارت قوانا.

وقد كنت مندمجة مع طلابي في صف اللغة اللاتينية، آخذة في عين الاعتبار أنه من الصعب أن أكون مزدوجة أو متعددة الثقافات في مجتمع أمريكي يبجل ذوي البشرة البيضاء والأعراف. قد مارست اللغة الإسبانية باستخدام كتب بمسلر ” Pimsleur ” الصوتية والصحف اليومية مثل Hoy. كنت أتحدث بالإسبانية، بالرغم من ضعفي فيها، لأجعل من طلابي يشعرون أنني أقدر لغتهم وسأقدر هذا الأمر دومًا.

وقد ترعرعت في جماعة عرقية حالي مثل حال طلابي، بالرغم من أنني أتحدث بلغة أخرى وأتناول أطعمة مختلفة ولديّ عادات وتقاليد مختلفة. وقد دفع بي الترعرع في أوساط الصينين المهاجرين في مدينة نيويورك إلى سبر أغوار العادات والتقاليد في البيئة المحيطة بي، وكان يعني الأمر أيضًا في نظام التعليم الأمريكي أن أعطي الأولوية للغة الإنجليزية حتى فقدت قدرتي في التحدث باللغة الكانتونية (وهي لغة مستخدمة في هونغ كونغ)  وأتساءل كل يوم، كطفلة، لماذا لم أدفع بنفسي وأجتهد لأتعلم اللغة الأم لوالدي؟ حتى علمت أنه نحن كأطفال لم يغرس فينا حب لغتنا الأم. ويعني التدريس بالنسبة لي، تعليم طلابي على تقدير ذواتهم وجنسهم ولغتهم.

مغادرة شيكاغو

علمت أنني سأغادر شيكاغو في نهاية المطاف نظرًا للكيفية التي وصلت بها إلى هناك. وقد ذهبت إلى شيكاغو من خلال Teach for America  – وهي هيئة وطنية يوجد بها قادة وصناع قرار يكرسون جهودهم للتدريس في المدارس منخفضة الدخل. ولم يسبق لي ان غادرت نيويورك للعيش منفردة من قبل، فقد ذهبت إلى هناك عن طريق الكلية فقط. وقد كان لابد لي أن أعلم أنه لم يكن مقدرًا لي ن أستقر هنالك إلى الأبد. ومعظم من أعرفهم من  هيئة Teach  for America من دفعة 2011 توقفوا عن التدريس أو غادروا شيكاغو أو قد حدث معهم الأمران معًا. وبعد أن قضيت خمس سنوات في شيكاغو، شعرت بالحنين لعائلتي وثقافتي، تذوقت مرارة الألم لأنني أنا ووالدي لا نتحدث اللغةنفسها، لا أتحدث بكاتنونيز تويشان  Toisan Cantonese بطلاقة ولا يجيد والدي  الإنجليزية مطلقًا.

وعندما وصلت إلى شيكاغو، لم أكن مستعدة إطلاقا لما تخبئه المدينة لي؛ فقد كنت طالبة جامعية حديثة التخرج وغير معتادة على الإخفاق، ولم أكن متهيأة للمنهج البالغ الصعوبة على الطلاب، أو لمبدأ الإضراب، أو لادخار أعلى مبلغ قدر الإمكان في حالة حدوث أي إضراب. كما لم أكن متهيأةً لوابل من حالات الاقتطاع غير المنتهية في الميزانية ولغياب الإرادة السياسية لتمويل قطاع التعليم، ولم أكن مستعدة لأن أتصور كيف سيكون مستوى التحضيرات الأولية للمدارس، أو لبذل أقصى درجات الكفاح كما كافحت سابقًا.

ومن جوانب أخرى، يعد التدريس كفاحًا لا ينتهي بالنسبة لنا نحن المعلمون؛ إذ يستدعي الأمر منا القيام بتحديث سيرنا الذاتية دومًا خوفًا من فقدان وظائفنا سواء من خلال وقف تمويل المدارس، أو بسبب نظام تقييم المعلمين الذي يشوبه العيوب إذ أنه يتم من خلال قياس نتائج اختبارات لطلاب لا نقوم بتدريسهم أو أولئك الطلاب الذين لا يجب أن يتم اختبارهم في المقام الأول، أو بسبب خفض ميزانية الإنفاق، أو بسبب المشاكل المستعصية في مرافق المدرسة.

ولا أدخر جهدًا للسعي نحو النجاح في الوقت الحاضر، ويرجع الفضل في ذلك إلى الناصحين وأصدقائي في شيكاغو. وقد بذلت جهدًا جهيدًا في نصح أولئك الموظفين حديثي التعيين وحتى نكون لبنة واحدة لا يثبط من عزائمنا أي ظرف كان. وستبقى هذه العلاقات خالدة بالنظر إلى حجم كفاحنا – من أجل الطلاب والمدارس وموطن كل واحد منا.

وبالرغم من حجم الفوضى الحاصلة في التعليم في المناطق الحضرية، خصوصا في شيكاغو، سأواصل التدريس في نيويورك. ولا شيء يشبه حالة الرضى التي تعتري أي فرد عندما يقوم بحل لغز ما. ودائمًا ما أستمع إلى ما يجب أن يقوله طلابي، وأعمل لأن أعطيهم المجال للنقاش وابتكار طرق جديدة للتفكير. وفي معظم الأيام، يحدث النقيض، إلا أنه لابد أن من أن يأتي ذلك اليوم الذي ينتهي فيه كل شيء لأعلم حينها أنني قمت بعملي.

وعندما يغادر المعلمون المدرسة، فإنه لابد أن يستوعب الطلاب ماهية الأمر، فقد يشعر بعضهم أن السبب وراء مغادرة المعلمين يقع على عاتقهم أو على عاتق أقرانهم، فيشعرون أن المعلمين دائما ما يتركون التدريس في مدرستهم. وقد سألني أحد طلابي في أول يوم دراسي في المدرسة ” الآنسة تان، هل ستقومين بتدريسنا في السنة المقبلة؟” وقد علمت لاحقًا أن ثلاثة معلمين قد تعاقبوا على تدريس ذلك الطالب في السنة الماضية – فقد كان هذا هو العرف المتبع في تلك المدرسة. لابد وأن يكون هنالك بعض الطلاب الذين يظنون أنهم لا يستحقون أن يقوم أحد بتدريسهم، أو أن هنالك أماكن أفضل بكثير من المدرسة. وليس من العادة أن يكون الطلاب وراء مغادرة المعلمين للمدرسة، إلا أنهم لا يعلمون ذلك. وسعيت لأن يتفهم طلابي هذه المرة أن السبب وراء مغادرتي للمدرسة هو من أجل أسرتي، وقد تفهموا ذلك.

أتذكر أسماء جميع طلابي، فلست من أولئك الذين ينسونها. وأنا متأكدة من أن بعض الطلاب لا يتذكرونني ولن يتذكرونني، إلا أني أرجو أنني قد تركت أثرًا طيبًا في حياتهم، مثلما أرجو أن يكونوا على دراية في أنني بذلت قصارى جهدي من أجلهم، وأنني سأسعى جاهدة لأن أقوم بذات الأمر مع جميع طلابي، فهذا جل ما أستطيع تقديمه.

المصدر:  ( اضغط هنا 

اضف تعليق