الفيلم الهندي PK… طريقة مختلفة لفهم الطفل!

PK

يحكي الفيلم الهندي PK قصة رجلٍ قَدِمَ إلى الأرض من كوكبٍ آخر، ويبدأ الفيلم بنزول البطل إلى كوكبنا وهو يرتدي قلادة فريدة ومميزة الشكل، تمثل القلادة أثمن ما يمتلكه PK لكونها جهازًا يُمَكّنُه من الاتصال بالمركبة الفضائية التي أتت به إلى الأرض، التي تعد وسيلته الوحيدة للعودة إلى كوكبه الذي أتى منه. ووسط ذهول PK وانشغاله في استكشاف العالم الجديد الذي أتى إليه قام أحدهم بسرقة جهازه والهرب بعيدًا، وما كان بيد PK إلا أن يهيم في الأرض بحثاً عن أمله الوحيد للعودة إلى كوكبه، ويمر بمواقف عديدة لا يحسد عليها، ولكننا نُحسد عليها لأنها تعطينا تصورًا لما ستكون عليه تصرفات شخص لا يعرف قوانين عالمنا، وهذا حالٌ مشابه لما يمر به الطفل عند قدومه إلى مجتمعنا البشري المعقد الذي تحكمه قوانين لا يعرفها الطفل، فيمر مثل PK بتحديات وصعوبات كثيرة لأننا نسيء فهمه ولا نقدر غالبًا ما يمر به.

من صفات PK التي تبدو أنها مكون أساسي لشخصيته حب الاستكشاف، فنلاحظ أنه يمعن النظر في كل شيء ويتفحص كل ما تطاله يداه؛ وهذا لأن العالم الذي أتى إليه جديد بالنسبة له، وهو محاط بالأشياء المبهمة التي لا يعرف ما هي، ولا يعرف سبب وجودها ولا كيفية استخدامها، وهذا مشابه تماما لسلوك الطفل في حبه للاستكشاف، وفي الحقيقة فإن سلوك الطفل الاستكشافي – غالبًا – ما يزعج البالغين، فالأطفال يمسكون بهذا وذلك، ويخربون ويكسرون ويحدثون كثيرًا من الفوضى أثناء استكشافهم للعالم من حولهم، ولكن يجب علينا بصفتنا بالغين تشجيعهم على الاستكشاف لا قمعهم، فهي الطريقة الغريزية التي تؤدي إلى التعلم وتطوير التفكير، وهي مهمة لينمو دماغ الطفل بطريقة سليمة؛ ولذلك علينا أن نساعد الطفل على الاستكشاف والاحساس بالرضى بدل الانزعاج، ومن المهم جدًّا جعل البيئة التي يتجول فيها الطفل آمنة قدر الإمكان ليستطيع التنقل والاستكشاف بحرية ودون أن يتم منعه من قبل البالغين، كما ينبغي توفير مواد آمنة ومتنوعة ليستكشفها الطفل، وإجراء الحوارات معه كي يفهم ماهيتها واستخداماتها، وتعريضه لخبرات جديدة ومتنوعة قدر الإمكان.

في أحد مشاهد الفيلم استقل PK حافلة نقل عام، ورأى امرأة تلبس ثوبًا أبيض والحزن بادٍ على وجهها، فحاول أن يمسك يدها ليقرأ أفكارها ويعرف سبب حزنها (قراءة الأفكار عن طريق اللمس هي طريقة التواصل في الكوكب الذي أتى منه PK)، ولكن قام أحد الرجال بدفعه عنها بعنف قائلاً: “كيف تتحرش بأرملة؟ ألا تخجل من نفسك؟”، رد PK بكل براءة متعجبًا: “ولكن كيف لي أن أعرف؟!”، فرد عليه الرجل غاضبًا: ” ألا ترى أنها ترتدي ثوبًا أبيض؟” (الأرملة في الثقافة الهندوسية يجب أن تلبس ثوبًا أبيض)، وحاول الرجل ضربه بسبب اعتقاده أن ما فعله PK وقاحة في جهله الأعراف السائدة في هذا  المجتمع، ولكن PK لاذ بالفرار من الحافلة قبل أن يتلقى ضربًا مبرحًا، ليصادف بعد ذلك عروسًا مسيحية ترتدي ثوب زفاف أبيض، فقال لها: “آسفٌ على موت زوجك”، صعقت العروس من كلام PK وقالت وهي في حال ذعرٍ وذهول: “متى؟ وكيف؟” ليرد عليها PK متعجبًا: “وكيف لي أن أعرف؟ فقط رأيتك تلبسين ثوباً أبيض!”، فردت عليه غاضبة: “لأنه يوم زواجي أيها المجنون”، “لا، المرأة تلبس اللون الأبيض عند وفاة زوجها” رد PK مستنكرًا، وهو ما تعلمه مما حدث له في الحافلة، فردت عليه: ” المرأة تلبس اللون الأسود عند الوفاة!”، ليهرب PK بعد أن نال بعض الضربات من العروس ووصيفاتها، ليجعله حظه العاثر يصادف ثلاث نساء مسلمات يرتدين عباءات سوداء، فقال لهن: “آسف لوفاة أزواجكن”، فيظهر زوجهن فجأة ويحاول ضربه بسبب إزعاجه وتطفله، ليعاود الهرب من جديد.

ما يمثله المشهد السابق هو كثرة أخطاء من لا يعرف القوانين التي تسير حياة البشر، وكم أن البشر يعيشون في منظومة اجتماعية معقدة!

يحتاج الإنسان إلى العيش في المجتمع مدة طويلة ليستوعب كل ما عليه فعله وما عليه اجتنابه، هل هذا ما يمر به الطفل؟ نعم ولكن بصورة أبسط، وهذا ما يفسر وقوع الطفل في أخطاء كثيرة قد يعاقب عليها ظلمًا كما حدث مع PK، إليكم هذا المشهد الذي يشرح الفكرة:

محمد طفل في الرابعة من عمره، وكغيره من الأطفال يساوره الفضول اتجاه ما يراه حوله، رأى في أحد الأيام أمه تستخدم أعواد الثقاب لتشعل النار لإعداد العشاء، لقد أبهره ما رأى. وفي اليوم التالي رأى أبو محمد ابنه جالسًا في زاوية من المطبخ منهمكًا في أمر ما، وعندما اقترب منه وجد أنه يلعب بأعواد الثقاب ويشعلها واحدا تلو الآخر، وبغضب ضرب الأب محمد على ظهره وشده بقوة من يده وأخذ أعواد الثقاب وصرخ في وجهه :”هل جننت؟ أتريد أن تحرق المنزل؟” تبعت الأسئلة التي لم يدرك محمد معناها عدة ضربات لم يعرف سببها أيضًا، ثم أمره الأب أن يذهب إلى غرفته.

ما حدث أن محمدًا أخطأ لأنه يجهل ماهية الكبريت وطبيعته وما يمكن أن يحدثه من ضرر في حال تم      استخدامه بطريقة خاطئة، وهو أمر طبيعي بالنسبة لطفل، ومن الطبيعي أيضا أن يجربه ليفهم ما هو وكيف يعمل، وتصرف الأب سبب خوفًا وقلقًا للطفل في حين أن الطفل لم يفهم الخطأ الذي ارتكبه والسبب الذي دفع الأب لمعاقبته، ولم يستوعب أن اللعب بأعواد الثاقب خطير ويمكن أن يحرق المنزل. وما زال محمد يشعر بالفضول اتجاه أعواد الثقاب، ومن الطبيعي جدًّا أن يجربها مرة أخرى ليشبع فضوله ولكنه سيحرص في المرة القادمة أن يختبئ جيدًا كي لا يراه أحد.

وهذا يقودنا إلى استنتاج قاعدة مهمة في التربية وهي: عدم معاقبة الطفل عند ارتكابه الخطأ لأول مرة، ففي المرة الأولى يجب أن يخبر المربي الطفل أن ما قام به أمر خاطئ ويفسر له السبب الذي يجعل من سلوكه خاطئاً، أضف إلى ذلك أنه يجب أن نشبع فضول الطفل ونجيب عن أسئلته لأنه -غالبًا- سيحاول أن يجيب عنها بنفسه وذلك قد يشكل خطرًا على أمنه وأمن الآخرين كما في المثال السابق، إذا ما هو التصرف السليم الذي كان يجب على أبي محمد القيام به؟

في البداية كان يجب أن يشرح للطفل ما هو الكبريت وكيف يتم استخدامه لإشباع فضوله، بعدها يجب أن يخبره عن الأضرار التي يمكن أن يسببها لعبه بالكبريت مثل: احتراق المنزل والأشخاص الموجودين بداخله، وأنه لهذه الأسباب اللعب بالكبريت تصرف خاطيء، لأن الطفل حين يقتنع بأن التصرف خاطىء وأنه سيسبب ضررًا سيمتنع عنه -غالبًا-  خاصة إذا كان معتادًا على الحوار وشرح الأسباب، ثم يضع الأب أعواد الثقاب في مكان لا يصل إليه محمد ،لأن وضعه في مكان يستطيع الوصول إليه كان خطأ منذ البداية.

وفي مشهد آخر وجد PK نقودًا ورقية في جيب الملابس التي سرقها من مكان ما، فأخذ يتأملها، ولفتت انتباهه صورة المهاتما غاندي الموجودة على العملة النقدية الهندية، ولاحظ أن رجلاً أعطى الورقة لبائع وأعطاه البائع بعض الطعام، استنتج PK أن تلك الصورة مهمة للحصول على طعام، فأخذ يجمع صور المهاتما غاندي من كل مكان، من الصحف والإعلانات والكتب، ثم أعطاها لبائع الطعام، تعجب البائع وقال له: “ما هذا؟ لماذا تعطيني هذه القمامة؟” إلا أن أعطاه ورقة نقدية بالمصادفة، فباعه البائع بعض الطعام، ليستنتج PK أن نوعًا واحدًا فقط من الصور هو ما يمكن استبداله بالطعام.

نلاحظ أن PK في المشهد السابق وفي مشاهد أخرى مشابهة لهذا المشهد يستنتج استنتاجات بعيدة جدًّا عن الصحة، والسبب في ذلك أنه حديث عهد بهذا العالم، مما يسبب جهله بقوانينه وأسراره، وهذا يحدث أيضًا للطفل، إذ أن استنتاجات الطفل تعتمد في كثير من المواقف على التعميمات الخاطئة التي سيصححها مع نموه ونمو عقله، فمثلاً إذا رأى الطفل حيوانًا بأربع قوائم ولنفرض أنه خروف، سيسميه خروف وسيفترض أن كل حيوان بأربع قوائم يعد خروفًا، ومن الخصائص الأخرى لتفكير الطفل أن ربطه للسبب والمسبب غير منطقي، ومثال على ذلك قُطِعَت الكهرباء عن أحد المنازل في الليل، فخرجت العائلة للجلوس في الخارج، ولأول مرة يرى سلطان -البالغ من العمر 3 سنوات- البدر، ليستنتج بذلك أن البدر يظهر عندما تنقطع الكهرباء.

إن طريقة التفكير والتصرفات التي تصدر من القادم حديثًا إلى عالمنا تحتاج إلى الفهم، وتحتاج إلى المراعاة، فكم من طفل عُوقِب ظلمًا على تصرف لم يعلم أن من الخطأ القيام به، وكم من طفلٍ سُخِر من طريقة تفكيره الاستثنائية وهمش رأيه لأننا لم نفهم أن هذه الطريقة الطبيعية لتطور تفكير الإنسان، ولأننا بصفتنا بالغين عشنا بما يكفي لنفهم كيف تسير الأمور على هذا الكوكب.

يجب أن نراعي الأطفال ونصبر على التصرفات والسلوكيات التي يحتاجون وقتًا لتعلمها، فعالمنا معقد بما يكفي ليكون صعبًا على البالغ الذي فهم قوانينه، فكيف سيكون على طفلٍ لم يفهمها ولم يتعلمها بعد؟

أما PK تعلم قوانين عالمنا بطريقة قاسية ولكنه استطاع في النهاية الحصول على الجهاز والعودة إلى كوكبه، ونرجو له حظاً أوفر في زيارته القادمة إلى الأرض.

اضف تعليق