رغم الإعاقة البصرية، شيخة الجساسية تتخطى بكالوريوس الترجمة لتحصد ماجستير إدارة الأعمال

BhkeVf3CQAAQH7G

كل ما في هذا الكون هو مُسير بمشيئة القدر، فشاءت الأقدار أن يرزق ذلك الزوجين بمولودهما الأول طفلة فاقدة لبصرها، وفي بادئ الأمر لم تكن صدمتهما كبيرة، فلم يكونا يملكان خلفية كافية عن كف البصر، فبدأت رحلة الأمل للبحث عن العلاج، ولكن كثيرًا ما أتت ردود الأطباء مخيبة للآمال، فلم يجدا حلاًّ إلا البدء في التكيف مع حالة طفلتهما والتعامل معها بحرص شديد.

كبرت الطفلة شيخه الجساسية، ولم تكن تدرك أنها مختلفة عن أقرانها، فكانت شقية، كثيرة الحركة والاطلاع والاستكشاف، ولم تقيد الإعاقة حريتها وحركتها، فكانت تخرج مع أقرانها في الحي ، وتجري وتلعب معهم كأي طفل سوي، وبعد مضي مدة من الزمن، ألحقها والداها بإحدى رياض الأطفال، التي انضم إليها معظم أطفال الحي، ولكنها بدأت تشعر بالفرق عندما تم نقلها إلى مركز الوفاء الاجتماعي التابع لذوي الاحتياجات الخاصة بولاية عبري، وفيه بدأت تتعلم طرقًا مختلفة للقراءة والكتابة.

وعن دراستها النظامية فتقول شيخه: “بدأ والديَّ بالبحث عن مدرسة خاصة لاحتواء طفلتهم، ولسوء الطالع أن عمان في تلك المدة لم تكن مزودة بمدارس خاصة لهذه الفئة، فرفضت من المدرسة الحكومية التابعة لولايتنا، وحاول والديَّ جاهدين مراسلة المؤسسات التعليمية داخل السلطنة وخارجها لتعليمي، وقبلت وزارة التربية والتعليم ابتعاثي إلى مملكة البحرين للدراسة في معهد النور الخليجي للمكفوفين من الصف الأول وحتى الثالث الإعدادي”.

كفيفة لكني نجحت

وتضيف: “سافرت إلى البحرين وكنت ابنة ثماني سنوات بدون والديَّ، وفيها أدركت معنى السفر، ومع مرور الأيام بدأت التعود شيئًا فشيئًا، وتعلمت طريقة برايل، وهي الخط البارز الذي يتمكن الكفيف من خلاله القراءة والكتابة، وبدأت أبرز ذاتي، فكنت دائمة الحصول على المرتبة الأولى في المعهد ،وشاركت في الأنشطة الثقافية كافة التي يقيمها، فحصدت على لقب أفضل قارئ مرتين على التوالي”.

فهذا التميز أمدني بشعور أنني أمثل عمان في مملكة البحرين، لذا كنت أعمل جاهدة على تمثيلها خير تمثيل، ففي سنتي الأخيرة في المملكة حصلت على نسبة 97%، وتم تكريمي في “عيد المعلم” من قبل رئيس وزراء مملكة البحرين في تلك المدة، الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة.

وتُكمل شيخة: “عُدت إلى عمان بعد أن أنهيت دراستي في معهد النور الخليجي الذي يقضي أن يدرس الكفيف تسع سنوات، ثم بعدها يتم دمجه في مدارس أقرانه الأسوياء، فاخترت العودة إلى المدرسة الثانوية في ولايتي، وواجهت الكثير من العوائق بحكم أنني أول كفيفة تلتحق بهذه المدرسة التي لم تكن مهيئة لتدريس مثل هذه الحالات، ولكنني استطعت التغلب عن ذلك فحصلت على المرتبة الأولى على قسم التطبيقية في الصف الثاني عشر بنسبة 94.88%”.

لا إعاقة بوجود الإرادة

أما عن دراستها لما بعد شهادة الدبلوم، فتتابع شيخة: “قُبلت في جامعة السلطان قابوس بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية، وكانت الصدمة هي عدم السماح للكفيف بدخول التخصص الذي يطمح فيه، وكان ذلك مقتصرًا على تَخصُصي اللغة العربية والتاريخ، فأنا كنت مولعة بتعلم اللغات وخصوصًا اللغة الإنجليزية منها، فحاولت مرارًا أن أقنع المسؤولين بقدرتي على دراسة هذا الجانب، إلى أن استطعت تخطي الاختبارات والشروط كافة التي وضعت أمامي، وكانت السنة الأولى هي التجريبية لكوني أول كفيف يتخصص في هذا المجال”.

وعن الصعوبات التي واجهتها في هذا الجانب، فتقول: “كانت أبرز المشاكل هي عدم توفر الكتب بطريقة برايل، أو بأقراص سمعية، فتخصصي يحتاج إلى الاطلاع الدائم وقراءة الكتب والصحف والمجلات، وكل ذلك لا يتوافر دائمًا على شبكة الإنترنت، كما أن النظر يساعد المترجم في تذكر تهجئة الكلمات باللغة الإنجليزية، ولكن مع افتتاح المعمل الخاص بذوي الاحتياجات الخاصة، انجلى الظلام بعض الشيء، فأصبح بالإمكان المسح الضوئي للكتب، وتحويلها إلى ملفات وورد ومن ثم قراءتها من خلال الشاشات الناطقة”.

وفيما يتعلق بحياتها بعد حصولها على درجة البكالوريوس في تخصص الترجمة، فتشير: “أرسلت سيرتي الذاتية عدة لجهات حكومية عدة، ولكن لم أتلق ردًّا من أي جهة،  على الرغم من إجرائي العديد من المقابلات والاختبارات، ثم استطعت الحصول على فرصة تدريبية في هيئة تقنية المعلومات “عمان الرقمية”  لمدة شهرين، وبعد أن اكتشف المسؤولون قدرتي في التعامل مع التكنلوجيا في أداء الأعمال الموكلة إلي، عرضوا عليَّ وظيفة أخصائية إعلام وتوعية بالهيئة، والترجمة من خلال كتابة المحتوى باللغتين العربية والإنجليزية، وإدارة الحملات الإعلامية والترويجية فيها، إلى جانب عددٍ من الأعمال.

ولم تكتف شيخة بدرجة البكالوريوس فأكملت مشوارها للحصول على درجة الماجستير في مجال إدارة الأعمال، فتذكر: “لدي شغف كبير في مجال القيادة والإدارة والتطوير، فالإدارة تدخل في جميع حياتنا وليس فقط في الجانب الوظيفي، كما أن عشقي للتحدي هو ما حفزني لدخول هذا الجانب، فمن النادر أن نجد كفيفًا عمانيًّا متخصصًاّ في هذا المجال، فأرغب أن ينعكس هذا الإنجاز في أعمالي القادمة ويطور من ذاتي أكثر مما سبق، ويمكنني في المساهمة من تطوير حياة ذوي الإعاقة، ومستواهم الفكري والثقافي بشكل أكبر، لذا التحقت بجامعة بدفوردشير في بريطانيا، من خلال التعلم عن بُعد، وحصلت على درجة الماجستير فيه منذ أيام  قليلة”.

اضف تعليق