نحو تعلّمٍ مستمرٍ مدى الحياة

نحو تعلم مستمر

لـ بن جونسون

زرتُ منذ مدة وجيزة بلدةً صغيرة تقعُ في شمال ولاية تكساس، اشتهرت بوجودِ آثارٍ للديناصورات فيها. وبينما كنتُ أمشي بجانب النهر، دستُ على مجموعة من الآثار الضخمة لهذه الديناصورات، فقلت في نفسي إن هذه “السحالي” العملاقة لم تكن تعلم أن ثديياتٍ ذات قدمين مثلي، ستتتبّع خطواتها بدهشة بعد كل هذه السنين.

جعلني هذا الموقف أُعيد التفكير في وظيفتي مُعلّمًا، وفي نوع الانطباعات التي تركتها في قلوب طلبتي وعقولهم؛ إذ أأملُ أن أكون قد تركتُ انطباعات حسنة تظل في ذاكرتهم دائمًا.

أحد الانطباعات التي لطالما وددت أن أتركها في نفوس طلبتي هو شعورهم (أو إشعارهم؟) بأنهم قد نجحوا في تعلم ما كان عليهم تعلمه في صفي، وعندما أتحدثُ عن النجاح؛ فأنا لا أقصد الدرجات التي حصلوا عليها، وإنما وصولهم إلى مرحلةٍ من الكفاءةِ واكتسابهم معرفة حقيقية.

أتطلعُ – دائمًا – إلى جعل طلبتي يشعرون بأن كل ما تعلموه جديرٌ بأن يتذكروه؛ متأملًا أن يُدركوا بأن المعارف التي اكتسبوها كانت معارف قيّمةً ومفيدة. كما أرجو أن يتذكروا صفي بذكريات جميلة، بتفاعلهم في عملية التعلم في الفصل. وبوصفي محاضرًا في اللغة الإسبانية، على سبيل المثال، كنت أرجو – دائمًا – أن يُدرك طلبتي أن تعلّم لغة ما وإن بدا صعبًا، يعد مغامرةً شائقة، وأن يعلموا أن تطورهم في تلك اللغة وقدرتهم على التحدث بها وفهمها هي متعةً أُخرى بحد ذاتها.

التخطيط  المدروس للمادة

يأخذ هذا النوع من ” تجارب التعلم الناجحة ” كُل طاقة المُدرّس وجهده، ولا يتحقق مصادفةً أو بين عشيةٍ وضحاها. لذا ومن أجل زرع بذرة هذا النجاح في نفوس طلبتي، أحرص – دائمًا – على أن يكونوا مستعدين بشكل كافٍ لعمليات التقييم من خلال إيجاد صفوف دراسية تحفز التفكير لديهم؛ إذ تكوّن عملية التفكير تلك مسارات عقلية جديدة تصل إلى ذاكرتهم طويلة الأمد. ما أقصده، هو أنني أحاول جعل الطلبة يتذكرون ما تعلموه من خلال البحث والاستكشاف، وتطبيق المعارف التي تعلموها والمهارات التي اكتسبوها لحل المشاكل التي يواجهها العالم، ومن ثَم اكتساب أفكار ومعارف جديدة.

قدمت لطلبتي ما يكفي من التمارين حتى يتمكنوا من إتقان اللغة الإسبانية والتحدث بها بدقة وطلاقة، وأسعى – دائمًا- إلى البحث عن فرص تعلم عدّة لكل فكرةٍ أو مفهوم أطرحه- مثل استخدام طريقة “فرص التعلم الثلاثة المعتمدة على التكرار”- حتى لا يكونوا ملمين بها فحسب، وإنما مُتبحرين فيها؛ أي متعمّقين فيها للدرجة التي تمكنهم من التحدث عنها. وطريقة التكرار هذه تُساعد على تحسين ذاكرتهم.

أحرص أيضًا على تقديم تغذية راجعة كافية لمستوى تحسّن أدائهم، لكي يعرفوا الجوانب التي أتقنوها، وتلك التي يحتاجون فيها إلى مزيدٍ من الممارسة. ويمكن أن تكون هذه التغذية على شكل إجابات شفهية لمجموعة من الأسئلة، أو امتحان قصير أو مسرحيات تمثيلية أو حتى مصافحة بسيطة عند باب الفصل يتبعها سؤال باللغة الإسبانية عن الوجبة التي تناولوها للفطور. وتظل هذه التغذية الراجعة مستمرة، إذ أعدّها جزءًا لا يتجزأ من أي نشاط أقدمه للطلاب.

غرس صفتي الفضول والثقة

إذا انتهى أيٌّ من طلبتي إلى أنه قد نجح في تجربة التعلم التي يتلقاها في فصلي، سيزرع ذلك ثقة في نفسه وفي قدرته على تطبيق ما تعلمه واستخدامه. أحب دائمًا التجول بين القاعات والتحدث مع طلبتي السابقين والحاليين باللغة الإسبانية؛ فأستطيع من خلال ذلك تمييز من منهم قد تأثر بما درسه وارتبط ارتباطًا جوهريًا باللغة؛ إذ إن هؤلاء يجيبون على أسئلتي باللغة الإسبانية دائمًا.

يواجه الطلبة في كثير من الأحيان تجربة تعلم غير ناجحة وخصوصًا في مادة الرياضيات؛ فيقررون عدم مذاكرتها، أو تجنبها إذا بإمكانهم ذلك. ويصدقون وعودهم فعلًا؛ فلدينا كثير من الطلبة الذين تركوا مقرر الرياضيات إلى الأبد. غير أن التحضير المدروس جيدًا لحصة الرياضيات يمكن أن يُلهم الطلبة ويثير فضول التعلم لديهم؛ فيتمكنوا من التغلب على ظاهرة “الخوف من الرياضيات” أو أي تحدٍ آخر من شأنه أن يمنعهم من التقدم في مستوى الرياضيات التي يدرسونها. وكنت محظوظًا جدًا لأن طلبتي قد تغلبوا على هذه التحديات فعلًا.

التدريس بشغف

في كل مرة نُظهر فيها شغفنا وحماسنا فيما نقوم بتدريسه، نرفع احتمالية أن يترك ذلك انطباعًا إيجابيًا لدى طلبتنا عن المادة التي نُدرّسها؛ إد أننا نحتاجُ إلى التأنّي في إيجاد فرص عدّة للطلبة تمكّنهم من اختبار مستوى تقدمهم ونجاحهم في موادنا. ثم نتبع ذلك بالثناء عليهم لتطور قدراتهم وتشجيعهم على المضي قُدُمًا. فنكون بذلك قد ساهمنا في تشجيعهم لمواصلة رحلة تعلمهم المستمرة.

أرجو أن يتذكر طلبتي السابقين – بعد خمس أو عشر سنوات من الآن – تجربة التعلم التي خاضوها في فصلي بذكريات جميلة تعكس مدى ارتباطهم الروحي بالمحتوى الذي كنت أقدمه، وبي شخصيًّا، وبطبيعة المشاعر التي أحسوا بها بوصفهم متعلمين داخل فضاء دراسي محدد، وهنا لا أعني كشف الدرجات إطلاقًا.

المصدر:  ( اضغط هنا ) 

اضف تعليق