كيف نكونُ أذكياء في التعليم ؟ الحل في الذكاء الاصطناعي

AI

هل تصدق أنّ الهواء قاتل؟ للوهلة الأولى قد ينظر كثير منا إلى هذا السؤال بنظرة تعجب، أو نظرة استهتار، أو ربما نظرة غضب، والسبب في ذلك هو أنّ الإنسان يعيش بغاز الأكسجين الموجود في الهواء، فكيف يكون الهواء قاتلا؟

إلا أننا يجب أنّ ننتبه إلى أمرٍ مهم في نظرتنا للأمور دائما؛ هو ألا ننظر إليها من زاوية واحدة، وبتحيز وعاطفية، أو نكرر تلك الصور النمطية التي اعتدنا رؤيتها وسماعها من الآخرين. ماذا لو أعدنا السؤال مرة أخرى وبصياغة مختلفة: هل يمكن أن يكون الهواء قاتلا؟ بقليل من التفكير العلمي والمنطقي ستتقبل فكرة السؤال، وتبدأ في إعادة النظر فيه مجددا، لتصل إلى حقيقة مفادها أن الهواء يمكن أن يكون قاتلا؛ لمَ لا؟ يكون كذلك لو استُخدم بطريقة خاطئة، كأن يتنفس الشخص أثناء الطعام فيدخل الطعام إلى مجرى التنفس، ثم يحدث الاختناق، أو قد تخالط الهواءَ مركباتٌ دخيلة تُغير من طبيعته الآمنة، كالغازات السامة مثلا، أو تركيز معدلات عالية من الكربون، أو ربما قلة الوعي باستخداماته قد تؤدي إلى نتائج سلبية، أو أنّ موضوع الهواء ليس من اهتمامات الشخص، ولا رغبة له في التعاطي معه، فيصرُّ على استنكاره لهذا السؤال!

ما دفعني إلى طرح هذا السؤال الغريب؛ هو المحتوى الجدلي لمقال “الذكاء الاصطناعي سيحل مكان البشر” الذي نشرته مجلة الإعمار والاقتصاد في عددها 331، وورد فيه أنّ “سيطرة الذكاء الاصطناعي على جميع المهن البشرية … سيؤدي إلى الانقراض البشري”!!(1)

ألا تتفق معي بأن فكرة الانقراض البشري مجنونة نوعًا ما؟ هل يمكن لشيء من اختراع العقل البشري أن يتغلبَ عليه؟ لا أعلم حقيقة ما الدواعي خلف هذه النظرة السوداوية لأعظم ما توصل إليه العقل البشري من نظم المحاكاة الذكية، إلا أنني أدرك تماما أنّ النظرة لأي أمر في الحياة تنبع من اهتماماتي ووعيي تجاهه، تماما كفكرة الهواء القاتل في أول المقال.

لن نخوض طويلا في عمق هذه النظرة السوداوية، بل سننظر إلى الجانب المشرق من الذكاء الاصطناعي Artificial intelligence، الذي يُفسر بطرق مختلفة باختلاف المبدأ والحاجة، فبالنسبة لعلماء الكمبيوتر؛ يشير الذكاء الاصطناعي إلى تطوير البرامج التي تعرض السلوك الذكي، ويمكن للبرامج المشاركة في التخطيط الذكي (توقيت إشارات المرور مثلا). أو ترجمة اللغات الطبيعية (تحويل موقع صيني إلى الإنجليزية)، وبالنسبة للمهندسين؛ يشير الذكاء الاصطناعي إلى الآلات التي يمكن أن تؤدي أعمالًا بسيطة أو معقدة كالروبوتات مثلا. وبالنسبة للعلماء المعرفيين؛ يشير مصطلح الذكاء الاصطناعي إلى بناء نماذج من الذكاء البشري لفهم السلوك البشري بشكل أفضل. (2)

وأشهر تطبيقات الذكاء الاصطناعي ذكرها خليفة (2017) منها الطابعات ثلاثية الأبعاد، وإنترنت الأشياء للتواصل بين الأجهزة والآلات، وبرامج المساعدة الصوتية مثل تطبيق Siri في جهاز أبل، والنظم الآلية للرد على العملاء، والتحكم بنتائج البحث، وغيرها الكثير من التطبيقات. (3) وبالرغم من التطور الكبير الذي حدث في مجال الذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب الحياة؛ إلا أنه ما يزال متأخرا في مجال التعليم؛ وقد يعود ذلك إلى حساسية فلسفة التعليم والعلاقة بين عناصرها، كون العنصر البشري فيها مهم بمختلف جوانبه الفكرية والوجدانية والمهارية (4)

ما يهمنا هنا، هو كيفية توظيف هذه التطبيقات والأنظمة في المجال التربوي عامة، وفي تعليم اللغة العربية خاصة، فنستطيع مثلا تصميم منصات تعلم مفتوحة لتعليم اللغة العربية بمختلف فروعها ومهاراتها، وكذلك إثراء تطبيقات الواقع المعزز والواقع الافتراضي بالمحتوى المفتوح الذي يخدم تدريس اللغة العربية للجميع، وفي أي زمان ومكان، مع دعمه بالمميزات التفاعلية، وتعزيز الحضور التقني في حصص اللغة العربية؛ من خلال تطبيقات التعلم الإلكتروني المختلفة، وأيضا عن طريق تصميم الكتب التفاعلية عوضا عن الورقية، حيث تتيح للطالب مجالا رحبا للحصول على المعرفة، وأيضا تزويد مصممي تطبيقات الذكاء الاصطناعي بسيناريوهات، تدعم مهارات اللغة العربية المختلفة، مثل تطبيقات تتحدث مع الطالب لتدريبه على مهارة التحدث، أو تلك التي تراقب قراءة الطالب وتنبهه عند الخطأ، واستغلال خدمة التدقيق الإملائي في برامج المايكروسوفت لتعويد الطلبة على الكتابة الصحيحة، مع الانتباه لضرورة إثراء هذه الخدمة من قبل المعلم، بالإضافة لذلك استثمار شبكات التواصل الاجتماعي في تعليم اللغة العربية، واستخدامها كمصادر مفتوحة للمعرفة، ومنصات للتفاعل وتبادل الخبرات، كذلك تصميم ألعاب إلكترونية جديدة أو استغلال ألعاب إلكترونية قائمة لدمج التعلم باللعب، بخاصة لصفوف التعليم الأولى، أخيرًا وليس آخرًا؛ استغلال تطبيقات التحدث مثل “Siri” في حصص اللغة العربية، حيث يتمكن هذا التطبيق من الإجابة على أسئلة الطلاب، وبطريقة ممتعة.

ختاما، لم يكن الاختراع الذري والنووي لأغراض سيئة؛ ولكنهما أصبحا لاحقا كذلك بسبب الممارسات البشرية، واستغلالهما في صنع القنابل الذرية والنووية القاتلة، وهذا الكلام ذاته نقوله فيما يخص الذكاء الاصطناعي، ولا أظن أنّ هناك هدفا أسمى من توجيه مثل هذا الذكاء لخدمة العلم وتعليم البشرية، وهو مسؤولية عظيمة تقع على عاتق التربويين عامة، والمعلمين على وجه الخصوص؛ ليذللوا كل الصعوبات في سبيل الارتقاء بالعملية التعليمية والتعلمية، بما يخدم الأمة العربية، والبشرية عامة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

(1) الإعمار والاقتصاد (2017). الذكاء الاصطناعي سيحل مكان البشر. ع 331، ص15.

(2) Whitson, George M.,. Artificial intelligence. Salem Press Encyclopedia of Science, 2013. 6p‬‬‬‬‬‬

(3) خليفة، إيهاب (2017). الذكاء الاصطناعي: تأثيرات تزايد دور التقنيات الذكية في الحياة اليومية للبشر. اتجاهات الأحداث، ع20، 62-65.

(4) السيد، هيثم فاروق (2014). الإسهامات الفلسفية والمنطقية في التطور التكنولوجي: الذكاء الاصطناعي نموذجا. مجلة ديوجين، مج 1، ع 1، 243-300.

 

اضف تعليق