لا نُريد مدارس تنتمي للقرن التاسع عشر!

84993FC9-DFA1-4051-AD62-B3580128B535
  • كتبته : كارلو روتيللا
  • ترجمه: إبراهيم العزري

حدث هذا في أواخر شهر يونيو، قبل شهر من بداية السنة الدراسية الجديدة، في فصل دراسي لطلاب الصف السادس في (Greensboro) بمدينة نيويورك، كان المئات من معلمي الدراسات الاجتماعية بالمدارس المتوسطة قد بدأوا يومهم الثاني في دورة تدريبية مدتها ثلاثة أيام لتدريبهم على كيفية استغلال الأجهزة اللوحية المتطورة كونها أدوات قد تُحدث طفرة في التعليم. كل طالب ومعلم في 18 مدرسة متوسطة بمقاطعة “جيلفورد” قد حصل على جهازه الخاص ليستخدم كوسيلة لخدمة مختلف جوانب التعلم داخل قاعات الدراسة وخارجها، ويبلغ مجموع الأجهزة الموزعة (15,450) ، و لكن المعلمة الخبيرة “سالي هرد سميث” رفعت حاسوبها اللوحي المحمول الجديد عاليا وهزته قائلة: “لا أريد لهذا الشيء أن يسيطر على صفي”.

كان للدورة الفضل في جمع التربويين والمتعلمين تحت سقف واحد. منهم من بدأ التأقلم سريعاً مع جهازه… في حين أن أحد الرجال الحاضرين قد وصف نفسه “بـالمتخلف تقنياً” ، ولم تتعدى قدراته معرفة كبس زر التشغيل.

كانت “سالي سميث” من بين المتدربين في الدورة، وكانت أكثرهم صراحة وانفتاحا، والجدير بالذكر أنها كانت من أشد المشككين في فعالية استخدام تقنية الأجهزة اللوحية لإدارة الفصول الدراسية. سميث لا تجد بداً من استعمال موقعها على الإنترنت لتوزيع تكاليف الطلاب المنزلية والمواد التي يجب عليهم مطالعتها، لكنها تخشى على سير العملية التعليمية في صفها الدراسي باستخدام جهازها اللوحي. اكتفت بقولها: “أكره فكرة التحديق في شاشة الجهاز وتجاهل طلابي”.

وعلى بعد بضع مقاعد حيث جلست سميث، جلست أنا وبرأسي جميع تساؤلات السيدة سميث. أنا محاضرة في كلية، ولا أخفي عليكم أنني أصاب بالذعر إذا اضررت إلى استخدام جهازي اللوحي. فلقد تعودت على قراءة ما يدور في أذهان طلابي، وقراءة شفاههم إذا ما تمتموا، وعيونهم. أنا أم لطلاب مدرسة متوسطة، ومن أشد المعارضين لفكرة أن يمضي أبنائي وقتا أطول يحدقون إلى شاشاتهم طوال اليوم. الأجهزة الموفرة في الكلية مقدمة من شركة ((Amplify بمدينة نيويورك، وما يحزّ في نفسي هو أن تلك الأجهزة هي مثال على عادات غير صحية انتشرت بين الأمريكيين وهي في تزايد، منها المبالغة في الإعلاء من شأن التقنية الحديثة والتقليل من شأن قدرات الموارد البشرية، واستبدال التواصل البشري – وجها لوجه- بوسائل تواصل افتراضية، وتحويل هوية المواطنين إلى مجرد قواعد بيانات وملفات. وأخيرا تدخل التقنية الحديثة في حل المشاكل الاجتماعية.

بالرغم من ذلك، أتيت لمقاطعة “جيلفورد”، متمنية أن لا أظلم التكنولوجيا حقا. في لقائي الأول مع جويل كليين الرئيس التنفيذي لشركة (Amplify) ونائب الرئيس التنفيذي لــNews Corporation، تفقد الرجل بريده الإلكتروني عدة مرات حتى عندما طال حديثنا ليمس قضية أن التكنولوجيا لا توصل الناس ببعضهم البعض بل تعزلهم!. لقد ركزت في حديثي معه على هذه القضية وهو بدوره اكتفى بالتعجب من صنيعي، أنني لا أسمح حتى باستخدام الحواسب المحمولة داخل الصف الدراسي.

FBFAE4AE-4ABC-474F-A297-21C021A11D4F

لاحقا أعرب السيد كليين الذي كان مستشارا لمدارس مدينة نيويورك العامة منذ 2002 إلى 2011 عن استيائه لما آل إليه نظام التعليم الأمريكي كونه يعاني من عيوب كثيرة، فحسب ما أشارت إليه إحصائيات تقييم عالمية فإن أمريكا هي في مؤخرة الدول التي تسجل تقدما في مستوى طلابها في مهارات القراءة والرياضيات. وقال كليين: “في الفترة من 1970 إلى 2010 قمنا بمضاعفة ميزانية التعليم لتعود لنا دون نتائج ترجى، وأنا أؤمن بأن أي نظام تعليم قام بما قام به نظامنا هو نظام يعاني من خلل ما…”.

وتحدث كليين أيضا عن مناهجنا وعن تطبيقات وألعاب الأجهزة اللوحية المطورة من قبل (Amplify)، بالإضافة إلى أجهزة أندرويد اللوحية المصممة بتقنية عالية. كليين يؤمن أيضا أن ما تطوره شركته من تطبيقات قد يرى النور، وأن مشروعه جاء في الوقت المناسب لأوانه، فحسب ما جاءت به معايير و أهداف التعليم في المدارس – والذي اعترف بها 45 ولاية أمريكية حتى الآن – فإن استخدام التقنية في العملية التعليمية قد يحسّن من مستوى أداء الطلاب، وهذا سوف يروج لشركات تطوير التطبيقات التعليمية كشركة (Amplify) ، حيث انخفض سعر الجهاز اللوحي الآن إلى 199 دولار أمريكي، الأمر الذي يسهل على المدارس شراء كميات كبيرة منها لتكون بمتناول كل طالب، وهذه نقلة نوعية في نظام التعليم.

عندما سألت كليين عن ما إذا كان هناك طائل من الأموال التي يتم إنفاقها سنويا على الأجهزة والتطبيقات التعليمية في مؤسساتنا، أجابني باختصار في ثلاث نقاط لا رابع لهما: الأولى – والأهم – هي أن العديد من الدراسات أظهرت أنه لو تم مطابقة المناهج وجعلها تتماشى مع مهارات التعلم المختلفة لدى الأفراد، ومدى سرعة تعلمهم، وماهية اهتماماتهم، لكانت تلك المناهج فعالة ولتعلم الطلاب الكثير منها، ونكون بذلك قد أسدينا خدمة لمعلمينا باستخدامهم الأجهزة اللوحية المصممة لهذا الغرض. و القضية الثانية هو: أن التربويين لم يدركوا حقيقة أن التعامل مع الأجهزة والتقنيات الحديثة هي جزء كبير وحيوي من تجربة التعلم لدى الأفراد، ولوا فعلوا لكان للحديث مجرى آخر. أخيرا وليس آخرا، يقول كليين : أن المعلمين أصبحوا يحملون ما لا طاقة لهم به من محاولات لمراقبة مستوى تقدم أداء طلابهم، وكل ما يحتاجونه لتخفيف العبء عنهم هو “التقنية”.

طال حديث كليين ليقول: “لو ألصقت وجه طفل – في صف دراسي- بشاشة لمدة ثمان ساعات آملا أن يأتي عملك هذا بنتيجة، فانسى أن عملك هذا سيأتي فعلا بنتيجة، وأعني أن نجاح الجهاز اللوحي الذي طورته Amplify)) يعتمد على كيفية استغلال المعلمين له الاستغلال الأمثل. بإمكانهم استغلاله في عمل الأنشطة الصفية وتسليم التكاليف المنزلية والاختبارات وغيرها من الأنشطة الصفية التقليدية، لكن الفرق الذي سوف تحدثه هذه الأجهزة في تعلم الأفراد يكمن في ابتكار معلميهم لطرق جديدة لاستغلالها لا في الاستمرار على ممارسة العادات الصفية التقليدية، و إذا لم تكن عملية استخدام التقنية في التعليم انتقالية – يعني نقلها للعملية التعليمية إلى بُعد غير البُعد التقليدي- لما كان هناك سبب واحد يقنعنا باستخدام جهاز لوحي في صفوفنا الدراسية”.

(Original Caption) A group of Navajo children study English here for the first time. They also learn their own language which never had an alphabet before white men worked one out for them.

التقيت بروبرت بريت، وهو مدرب … يشبّه بريت الفصول الدراسية التقليدية بالمصانع في القرن التاسع عشر إبّان الثورة الصناعية. مصانع متعددة الطوابق مصممة لإنتاج أعداد هائلة من المنتجات بقدر الإمكان حيث يكدح فيها العمال. ويقول عن هذا: “تماما كمصنع في القرن التاسع عشر! هكذا أرى القالب القديم للتعليم في الفصول الدراسية، أناس يجلسون في صفوف متعددة، يفعلون نفس الشيء الذي يفعله الجميع في الطوابق الأخرى وفي نفس الوقت، كالآلات! لا يُحدّث بعضهم بعضا”. وقارنها مع أماكن العمل بعد الثورة الصناعية، حيث مجموعة من العاملين يتعاونون في إنجاز مهام تتطلب قدرات ذهنية لا جسدية كما في مصانع القرن التاسع عشر. يقول: “نريد مدرسة لا تنتمي إلى القرن التاسع عشر!”

يضيف بريت قائلا : من أجل تحطيم تلك الصورة النمطية لمصانع القرن التاسع عشر نحتاج إلى عامل واحد مهم وهو التعليم الفردي أو الشخصي. لكي نبدأ بذلك، علينا تصميم مناهجنا وتفصيلها لتناسب مختلف المستويات الذهنية للطلاب بعد التعرف على مهاراتهم وقدراتهم ومواهبهم الشخصية، تماما كما تفصل الملابس لتناسب مختلف الأحجام والأعمار. وقال بريت للمتدربين: “إنّ هدفكم ليس تسليم العلوم والمعارف على طبق من ذهب لطالبيها، بل – بالأحرى- جعل سبل الوصول لتلك المعارف سالكة لهم. وهذا لا يحدث إلا إذا مهد المعلم الطريق أمام طلابه وخلق البيئة المناسبة لهم سواءاً في الصف أو على جهاز لوحي أو على شبكة الإنترنت”.

بينما كان بريت يشرح آلية العمل الحديثة التي يجب أن تحل محل آلية عمل الصفوف الدراسية التقليدية، كانت لغة جسده تقول الكثير. كان يحرك يديه كأنه ينفذ تمريرة صدر في لعبة كرة السلة، حيث يمسك اللاعب بالكرة بكلتا يديه، ثم يرميها دافعا إياها إلى زميله ليواصل زميله مسيرته لإحراز هدف. يقول مخاطبا المتدربين: “تخيلوا معي أن كل واحد منكم كلف طلابه بإنجاز تمرين ما على أجهزتهم اللوحية، وبدأ يتنقل متفقدا إياهم جمعاً وفرادى. هناك مجموعة من الطلاب بنفس المستوى الفكري يعملون على إنجاز التمرين في زاوية من الفصل، ومجموعة أخرى تائهة، رؤوس أفرادها تدور يمنة ويسرة، وعلامات الاستفهام تظهر على وجوههم، يحاولون استيعاب الوضع، يحاولون الاستكشاف. لكن في بقعة ما من الفصل هناك مجموعة تتحلق حول المعلم ليراجع إجاباتهم، فيقرر قضاء وقت أطول معهم لأنهم مترددون في إجاباتهم على السؤال. هكذا هي العملية التعليمية: استلم وسلّم، استلم وسلّم  تماما ككرة السلة “.

إن جهاز” Amplify ” اللوحي يساعد على تخصيص العملية التعليمية داخل الفصل قدر الإمكان، ويقصد بتخصيص العملية التعليمية، أن الأفراد أصحاب المستوى الواحد يعملون معا بعيدا عن الآخرين لكنهم في نفس الوقت متصلين بهم.

 تتم العملية برفع محتوى المنهج على الجهاز اللوحي. حيث يمكن لكل فرد – بما فيهم المعلم- إرسال معلومات رجعية – ملاحظات- عن أداء زميله أثناء أداء تمرين أو درس ما، وصار بالإمكان اتخاذ قرارات بشأن أفراد معينين في الصف الدراسي أو بشأن مجموعة ضمن إطار زمني منظم. يحتوي جهاز المعلم أيضا على خاصية حجب الأجهزة في حالة استخدام أي طالب لجهازه لغرض لا يخدم الدرس، وتبقي هذه الخاصية المعلم على اطلاع بكل ما يحصل في قاعة الدراسة، كما يسهم في تنظيم العملية التعليمية.

اضف تعليق