كيف يصبح الطفل “معجزة”؟

si

يولد الطفل جديدا بقدرات محدودة وجسد عاجز، يحتضنه والداه ليعطياه الدفئ والغذاء والرعاية والحب، ينمو يوماً بعد يوم، ومع كل تطور جديد تبدو البسمة على شفتيهما، يراقبانه وينتظران بشغف أن يظهر سنه الأول، وأن تصبح معدته قادرة على هضم الطعام وأن يصبح جسده قادرا على الجلوس ثم الحبو ثم الوقوف حتى يمشي ويصبح طفلاً قادراً على الحركة بحرية، ويبدأ في نطق كلماته الأولى، وبعدها ببضعة أعوام يدخل إلى الروضة ثم المدرسة، وها هو ذا يقف على منصة التخرج وقد أصبح إنساناً قادرا على الاعتماد على نفسه، بل إنه أصبح شخصاً يُعتمد عليه في رعاية الآخرين، ولكن مهلاً… هل هذا أفضل ما يمكن أن نقدمه للطفل؟ هل الحدود التي رسمناها للطفل وقدراته هي حدوده القصوى؟ أم إننا إذا وفرنا له الإمكانيات سيخرج بشيء مبهر لم نكن نتوقعه؟

يمكن أن نحاول البحث عن إجابات على الأسئلة السابقة في قصص أولئك الأطفال الصغار الذين تناقلتهم بعض وسائل الإعلام على أنهم “معجزة” أو أنهم “عباقرة”، سيتضمن المقال قصة طفلتين هما “برييال” و”بيلا”، فكل منهما أبهرت العالم بطريقة مختلفة، وأظهرت آفاقاً جديدة لقدرات الأطفال.

برييال طفلة من الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الطفلة الأولى لوالديها، ظهرت لأول مرة في برنامج “The Ellen Show”وكانت بعمر 3 سنوات، كانت إلين تعرض عليها بطاقات لعناصر الجدول الدوري بها رمز العنصر، فتسمي برييال العنصر وتذكر معلومات مثيرة للاهتمام عنه، بدت برييال طفلة مذهلة بعفويتها وثقتها وطريقة كلامها، والأجمل من ذلك أنها كانت تتحدث عنها بشغف، وكانت أيضاً آنذاك تعرف جميع دول العالم مع عواصمها، كما تحفظ رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية منذ أن كانت بعمر السنتين، وقامت إلين باستضافتها مجدداً حين كانت بعمر الرابعة لتثير دهشة الجميع عندما تذكر لها إلين اسم عظمة من عظام جسم الإنسان فتشير برييال إلى العظمة بالعصا وتذكر معلومة مفيدة عنها، فهي بعمر الرابعة تعرف أسماء جميع العظام في جسم الإنسان ووظائفها وهو ما يجهله معظم البالغين.

أما الطفلة بيلا فهي الطفلة الروسية التي شاركت في مسابقة المواهب الروسية وقدمت عرضاً لطيفاً يثبت قدرتها على التحدث بسبع لغات وهي في عمر الرابعة، إذ كان يوجد 7 أشخاص على خشبة المسرح تختلف لغاتهم الأم وهي اللغات الروسية والإنجليزية والفرنسية والصينية والإسبانية والألمانية والعربية، كانت بيلا تذهب إلى كل واحد منهم وتتحدث إليه بلغته الأم فيسألها سؤالاً وتجيب عليه بكل أريحية وعفوية، أيعقل هذا؟ طفلة في الرابعة من عمرها؟ كيف يمكن أن يحدث ذلك؟

لا يمكن أن نجعل هذين المثالين الثمينين يمران علينا دون أن نحاول فهم كيفية وصول الطفلتين إلى هذا المستوى من الإبهار وفي سن صغيرة، هل هي صدفة فقط أن وُلدتا طفلتين عبقريتين؟ أم أن الظروف التي وُفِرَت لهما ساعدتهما على الوصول إلى ما هما عليه؟

فلنبدأ مع قصة برييال إذ تحكي أمها وتقول “لاحظنا أن برييال منذ صغرها فتاة فضولية وتحب تعلم كل شيء يقع بين يديها، كنا نصطحبها إلى المسبح منذ أن كانت بعمر 6 أشهر، وعندما بدأت الكلام سألتنا ما هي الرائحة الغريبة الموجودة في حوض السباحة؟ ولماذا رائحة الماء فيه مختلفة؟ وأجبناها إنها رائحة الكلور، فسألتنا: ما هو الكلور؟، فجائتني فكرة تعليمها عناصر الجدول الدوري”. اشترت الأم بطاقات العناصر الكيميائية من موقع أمازون، وأصبحت تعلمها عدة عناصر كل يوم حسب قدرتها على الحفظ والاستيعاب، وتصف تجربتها في التعليم قائلة: “لم يكن الأمر يتطلب مني سوى عدة دقائق في اليوم، وكان الأمر بالنسبة لبرييال ممتعاً لأننا كنا نعد التعلم لعبة نستمتع فيها معاً”، وبعد أن حفظت برييال عناصر الجدول الدوري بدأت تظهر فضول للتعلم عن جسم الإنسان، فتابعت الأم تعليمها بنفس الطريقة، وحرصت على توفير الكتب التي تتحدث عن الأشياء التي تثير فضول برييال، وهكذا ساعدت الأم في جعل طفلتها استثنائية.

أما عن بيلا فقد كانت أمها تتقن اللغتين الروسية والإنجليزية، وقد قررت منذ ولادتها أن تخصص يوما لكل لغة على التوالي فيوم للغة الروسية والتالي للغة الإنجليزية وهكذا، ولم تكن تسمح لبيلا بأن تخلط في كلامها بين اللغتين، فلا تسمح لها بالتحدث بكلمات إنجليزية في يوم اللغة الروسية والعكس، وعندما أصبحت بيلا بعمر 10 أشهر أضيفت اللغة الفرنسية، تماشياً مع تعليمها اللغات بدأت بتعلم القراءة منذ عمر 5 أشهر وذلك عن طريق بطاقات الحروف ثم بطاقات الكلمات وبعمر سنة كانت بيلا تستطيع قراءة 60 كلمة، وبعمر السنتين أصبحت تقرأ ب3 لغات وتتكلم بطلاقة باستخدام جمل قصيرة بثلاث لغات أيضاً.

تعرضت بيلا قبل سن الثالثة لبرنامج كرتون باللغة الصينية وأثار ذلك فضولها حول اللغة الجديدة وأظهرت رغبة لتعلمها فتم إدخال اللغة الصينية إلى اللغات التي تتعلمها بيلا، وفي عمر 3 سنوات أظهرت اهتماما بتعلم اللغتين الإسبانية والألمانية فتمت إضافتهما في برنامج منظم لتعليمها اللغات وأُضيفت اللغة العربية أيضاً، يقوم البرنامج على تعليمها لغتين كل يوم من الساعة العاشرة صباحاً إلى الواحدة مساءً بواقع ساعة ونصف لكل لغة، وتشمل كل جلسة على دروس ولعب وراحة، ولكل لغة تم تعيين مربية من الناطقين باللغة المراد تعليمها لبيلا، وفي وقت لاحق تم تسجيل الطفلة في برامج تدرس هوايتها بلغات مختلفة، فقد انضمت إلى نادي المسرح باللغة الإنجليزية، وتم تسجيلها في دروس للرسم باللغة الفرنسية، ودروس التزلج على الجليد باللغة الألمانية، ودروس الرقص باللغة الأسبانية، وهكذا أصبحت بيلا تتحدث 7 لغات في سن الرابعة.

يتضح من القصتين أن برييال وبيلا لم تكونا لتصلا إلى ما وصلتا إليه دون مساعدة أهلهما وتوفيرهم الظروف المناسبة لهما، ولكن لم يكن ذلك ليحدث لولا أن هؤلاء الأهل الواعيين لم يرسموا حداً وهمياً لقدرات الأطفال، بل إن توقعاتهم لم يكن لها سقف، بل جعلوا هايان الطفلتين تطلِقان العنان لنفسيهما لتبرز فطرتيهما التي يتشابه فيها كل الأطفال وهي الفضول وحب التعلم والاستكشاف، وأجمل ما في الأمر أنه كان أمرا ترغبان في تعلمه بشغف ولم يمارس عليهما ضغط من قِبل المربين، بل كان تدريبهما مبهجاً وممتعاً حتى أصبحتا طفلتين يعجب منهما الناس.

يولد الطفل بطبيعته شغوفاً بالعالم الذي يحيط به، محباً للتعلم، ساعياً لاستكشاف كل شيء، ولتحقيق الاستفادة القصوى للطفل ينبغي للمربين أن يعّرضوا الأطفال لخبرات جديدة قدر الإمكان، والإصغاء لرغبات الأطفال وميولهم التي تظهر وتتضح من خلال تعاطيهم مع التجارب التي يمرون بها، وعند معرفة ميول الطفل يفضل إتاحة الفرص أمامه لاستكشافه والتعمق فيه أكثر وأكثر، وهكذا يمكن للطفل أن يصل لآفاق لم يكن يتوقعها أحد.

اضف تعليق