الفواصل والاستراحات القصيرة وفق منظور البحث العلمي

dreamstime_s_46780631

يعاني الكثير من المعلمين من سرعة تشتت انتباه الطلاب خلال الحصص الدراسية، ولكن يمكن أن تساعدهم الفواصل والاستراحات القصيرة والمنتظمة على إعادة تركيزهم ولفت انتباههم، وزيادة إنتاجيتهم، وتقليل إجهادهم.

إن فترات الراحة المنتظمة خلال اليوم الدراسي – من فترات الراحة القصيرة للدماغ في الحصص الدراسية إلى فترة الراحة الطويلة أثناء العطلة الدراسية – ليست مجرد أوقات تعطّل للطلاب، إنما بالإمكان اعتبارها فترات راحة تزيد من إنتاجيتهم وتزودهم بفرص أكثر لتطوير مهارات الإبداع والمهارات الاجتماعية.

الواقع الحالي في مدارسنا يحكي بأن غالبية طلابنا يعانون – خاصة طلبة المراحل العليا- من ضعف التركيز وقلة الانتباه لفترات زمنية طويلة. ففي دراسة أجريت عام 2016، قام عالم النفس، كاري غودوين، وفريق من الباحثين بقياس مدى انتباه الطلاب الابتدائيين في الغرفة الصفية، واكتشفوا أن هؤلاء الطلبة قضوا أكثر من ربع الوقت في حالة تشتت ذهني، وأصبحوا غير قادرين على التركيز مع المعلم أو في تنفيذ المهام المُوكَلَةِ إليهم. وبالمقابل فإن المُلَاحَظ في الدروس القصيرة بأنها حافظت على إبقاء انتباه الطلاب مرتفعًا. وقد أفاد المعلمون بأن تقديم الدروس التي لا تتعدى مدتها 10 دقائق كانت أكثر فعالية من تلك الدروس التي قد تصل مدتها إلى 30 دقيقة.

علماً بأن هناك المزيد من الفوائد في الاستراحات القصيرة الممنوحة للطلبة، فبالإضافة إلى ما تطرقنا إليه سابقاً من زيادة الانتباه فقد وجد المعلمون بأن تلك الاستراحات تقلل من الإجهاد والتوتر، وتزيد من الإنتاجية العلمية للطلبة، وتعزز وظائف الدماغ، وتوفر الفرص لتعلم المزيد من المهارات الاجتماعية.

الحد من الإجهاد وزيادة الإنتاجية

تبين الدراسات والبحوث الحديثة أن أدمغتنا ليست خاملة عندما ننعم باستراحة قصيرة بل إنها تعمل بجدارة في معالجة كل ما هو مرتبط بالذكريات وفهم كل ما نختبره أو نتعلمه في حياتنا. وتأكيداً لذلك فقد أوردت دراسة رائدة نُفِذَت عام 2012 ، و استخدمت فيها ماري هيلين وزملاءها في الجامعة الصومالية ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ماسحا ضوئيا لفحص النشاط العصبي خلال “الوضع الافتراضي” في الدماغ ، وهي حالة من “الراحة” ترتبط غالباً بأخذ قسط من الراحة أو حينما نطلق العنان لعقولنا لتتجول وتفكر كيفما تشاء دون التركيز على مهمة معينة، وقد وجد الباحثون بأن الدماغ ما يزال نشطاً للغاية بالرغم من أنه يحظى بفترة استراحة، مع توالد إشارات عصبية فاعلة في بعض مناطق الدماغ  أكثر مما كانت عليه عندما كنا نركز على العالم الخارجي المحيط بنا أو نقوم بالتركيز في تنفيذ مهمة معينة.

وأظهرت تجارب الأخرى أن هذا الوضع الافتراضي هو أمر ضروري لتوثيق الذكريات، والتفكير في التجارب الماضية، والتخطيط للمستقبل القادم -وبعبارة أخرى، فإنه يساعد على تشكيل مشاعرنا نحو الحياة. فتلك الاستراحات والفواصل القصيرة تُبقِي عقولنا صحية ويقظة وتلعب دوراً رئيسياً في صقل القدرات المعرفية مثل الفهم القرائي والتفكير المتباين (القدرة على توليد الأفكار الجديدة وفهمها). ويضيف الباحثون إلى أن “الراحة في الواقع ليست فراغاً أو تعطيلاً للدماغ، وليست فرصة ضائعة للإنتاجية”.

عليه تعد الاستراحات والفواصل القصيرة جزءًا أساسيًا من عملية التعلم. ولكن الممتع في الأمر بأن الفوائد لا تقتصر على الجانب المعرفي فقط بل تمتد إلى ما وراء ذلك لتشمل السلامة النفسية للطلاب. خاصة فيما يتعلق بالمتعلمين الصغار في المراحل الدراسية الدنيا، فيمكن أن تكون الاستراحات المنتظمة خلال اليوم الدراسي وسيلة فعالة للحد من السلوك التخريبي. حيث تطرقت سلسلة من الدراسات الحديثة إلى أن الاستراحات الممنوحة للطلبة أثناء تنفيذ الأنشطة البدنية القصيرة قد ساهمت في تحسين سلوك الطلاب، وزيادة الجهود التي يبذلونها في أنشطتهم بالإضافة إلى قدرتهم على الحفاظ على استمرارية انجاز المهام الموكلة إليهم.

ومما لا شك فيه بأن كُلاً من المعلم والطلبة يستفيدون من فترات الراحة غير المنظمة لتقليل الإجهاد والتوتر الناجم عن مهام التعلم المختلفة. فوفقاً لرابطة علم النفس الأمريكية التي أشارت إلى إمكانية أن تكون لضغوطات العمل عواقب صحية خطيرة، مما قد يزيد من فرص تعرض الشخص لبعض الحالات المرضية الخطيرة مثل أمراض القلب والاكتئاب. لذا توصي الجمعية بالإكثار من فترات الراحة وضرورة تكرارها بين الفينة والأخرى، بالإضافة إلى ممارسة أنشطة أخرى كالتمارين البدنية وأنشطة التأمل.

تعزيز وظيفة الدماغ

تساعد الفواصل والاستراحات – سواء تلك التي تُمنَح للطلبة خلال الحصص الدراسية أو العطلات الدراسية الطويلة – على تعزيز اللياقة البدنية، مما يساهم بدوره في تعزيز صحة الدماغ. ففي عام 2013، نشرت الأكاديمية الوطنية للطب (التي كانت تسمى آنذاك معهد الطب) تقريرا رئيسيا عن فوائد النشاط البدني في النمو المعرفي للأطفال والنجاح الأكاديمي. حيث جمع التقرير خبراء في مجموعة من المجالات المختلفة. الجدير بالذكر بأنه في ذلك الوقت، كان أقل من نصف طلاب الولايات المتحدة يمارسون الأنشطة البدنية لمدة 60 دقيقة يومياً وِفْقَ ما نصت عليه اللوائح والقرارات الفيدرالية. ويعزو التقرير السبب وراء ممارسة التمارين الرياضية المنتظمة بشكل حاسم في المدارس بأنها لا تقتصر فقط على توفير فوائد الصحة الجسدية للطلاب بل يعزز أيضًا أدائهم الإدراكي، مما يساهم في الحصول على أداء أكاديمي أعلى.

ولربما نتساءل عن كيفية تحسين التعلم عن طريق الأنشطة البدنية، فالدراسات تشير إلى أن الانخراط والقيام بالأنشطة البدنية يزيد من تدفق الدم وتغذية الدماغ بالأكسجين، مما يزيد بدوره من الترابط العصبي وتحفيز نمو الخلايا العصبية في قرن آمون (مكون رئيسي لأدمغة البشر)، وهو مركز التعلم والذاكرة. لذا فإن تلك الأنشطة تغير في الواقع بنية أدمغتنا، مع عدد من الفوائد الأخرى: كتحسين الانتباه والذاكرة، وزيادة نشاط الدماغ والوظائف المعرفية المرتبطة بها، وتعزيز المزاج والقدرة على التعامل مع الإجهاد وضغوطات العمل.

كما أيدت هذه النتائج عدة دراسات أخرى امتدت لعقود وخَلُصَتْ إلى أن الأطفال النشطين بدنياً يتفوقون أكاديميا باستمرار على نظرائهم غير النشطين سواء على الأمد القصير أو البعيد.

تنمية المهارات الاجتماعية

تُوَفِرُ فترات الراحة الطويلة – كالعطلات الدراسية أو أوقات اللعب الطويلة – للأطفال فرصة لتعلم مهارات حياتية مهمة. وتُظْهِرُ الأبحاث أنه عندما يلعب الأطفال معا فإنهم يتعلمون كيف يتناوبون ويتبادلون الأدوار ويفضون النزاعات ويحلون المشكلات. كما أنهم يتعلمون كيفية إدارة عواطفهم وسلوكهم -والتي تعتبر من المهارات الأساسية للحياة. لذا فإن من الخطأ إلغاء العطلات وفترات الراحة، وذلك لما أشارت إليه الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال من أن العطلات الدراسية “مكون أساسي وضروري لتطور الطفل”، والتضحية بها من أجل زيادة زمن التعلم يأتي بنتائج عكسية.

وتجدر الإشارة إلى أن الأنشطة والألعاب البدنية غير المنظمة تمنح فرصة للتخيل والتوقع والإبداع وتسمح للأطفال بممارسة التفكير المتباعد. فهم يستفيدون من حرية استكشاف أفكار جديدة دون خوف من الفشل أو من ضغوط الدرجات ، كما أن التعرض المنتظم للتجارب الجديدة يمكن أن يزيد أيضًا من المرونة المعرفية لديهم، وإعدادهم للتحديات الأكاديمية.

تضمين الفواصل والاستراحات القصيرة ضمن برنامج الحصة الدراسية

تم التطرق سابقاً إلى أن تخصيص الفواصل والاستراحات القصيرة خلال اليوم الدراسي تساعد على زيادة انتباه الطلبة ويمكن تجسيد ذلك في المواقف التالية:

  • إذا كان الطلاب يصابون بالملل أو الضجر في الحصة الدراسية، فبإمكان لحظات الاستراحة القصيرة الممزوجة ببعض الأنشطة البدنية إعادة ضبط انتباههم وتركيزهم.
  • استخدم الفواصل المحفزة للدماغ – كالأنشطة القصيرة التي تثير الفضول – لتعزيز دافعية الطلاب وتحسين مزاجهم
  • خصص وقتًا خلال الحصة الدراسية للإبداع – هناك بعض الأنشطة التي تساعد على ذلك منها ساعة الإبداع، والمشاريع الفنية التي تعزز خيال الطلاب خصوصا في الصفوف الدنيا حيث يميلون إلى الرسم والتلوين.

وللاستزادة ، فعلى الرغم من أن الاستراحات يمكن أن تساعد على إعادة ضبط تركيز وانتباه الطلاب، إلا أن هناك بديلًا مفيدًا يمكن للمعلمين استخدامه – خاصة للطلاب الأكبر سنًا – وهو تبديل استراتيجيات وطرق التدريس خلال الحصة الدراسية ويمكن تحقيق ذلك من خلال الأنشطة التي يجتمع فيها الطلاب لتنفيذ مهام معينة كمجموعات ثنائية أو أكثر مما يتيح فرصاً أكثر لتبادل الأفكار، وقضاء بضع دقائق في مراجعة المفاهيم، أو تطبيق اختبار سهل المستوى في نهاية الحصة الدراسية. وبالتالي يمكن أن تساعد هذه الأنشطة في كسر الروتين الممل للدروس الطويلة، وبالمقابل فإنها تعزز ذاكرة الطلاب كنوع من المكافأة لهم. 

المصدر:  ( اضغط هنا )

اضف تعليق