مسؤولو الصحة العالمية: اتخاذ خطوات متشددة حول الزمن الذي يقضيه الأطفال أمام شاشات الأجهزة الذكية. فهل سيلتزم الاباء المنشغلون ؟

شةش

أصدرت منظمة الصحة العالمية إرشادات جديدة صارمة يوم الأربعاء حول واحدة من أكثر القضايا التي تثير القلق في الحياة العائلية في القرن الحادي والعشرين:” كم يجب على الآباء اللجوء إلى مقاطع الفيديو والألعاب عبر الإنترنت للترفيه عن أطفالهم الصغار أو تعليمهم أو صرف انتباههم؟”

الإجابة – وفقًا لمنظمة الصحة العالمية – المنع المطلق لتلك الألعاب والأجهزة الذكية للأطفال الذين لم يتجاوزوا عامهم الأول، وندرتها لمن هم في الثانية من عمرهم. بينما أفادت المنظمة بأن الاطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عامين و 4 أعوام يجب ألا يقضوا أكثر من ساعة في اليوم أمام شاشات الأجهزة الذكية.

واستندت المنظمة إلى الدراسات الناشئة – ولكن غير المستقرة بعد – حول المخاطر التي تشكلها الأجهزة الذكية على تطور العقول الصغيرة في وقت تُظهِرُ فيه الدراسات الاستقصائية أن الأطفال يقضون فتراتٍ متزايدة من الوقت في مشاهدة الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة المحمولة. وأظهرت الدراسات التي أجرتها منظمة Common Sense Media غير الربحية بأن 95 % من الأسر التي لديها أطفال تقل أعمارهم عن 8 أعوام يمتلكون هواتف ذكية ، بالإضافة إلى أن  42 % من الأطفال دون سن الثامنة يمكنهم الوصول إلى أجهزتهم اللوحية الخاصة.

ويشير الخبراء في مجال تنمية الطفل إلى أن اكتساب اللغة والمهارات الاجتماعية يكون عادةً من خلال التفاعل مع أولياء الأمور والآخرين، الأمر الذي يعتبر من بين أهم المهام المعرفية للطفولة.

وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غبريسوس في بيان “إن تحقيق الصحة للجميع يعني القيام بما هو أفضل للصحة منذ بداية حياة الإنسان” ويضيف قائلاً “الطفولة المبكرة هي فترة من التطور السريع، ووقت يمكن فيه تكييف أنماط الحياة الأسرية لتعزيز المكاسب الصحية.”

وتسعى الإرشادات التوجيهية، مثلها مثل تلك الخاصة بمجموعات الصحة العامة الأخرى التي نظرت في مثل هذه القضايا في السنوات الأخيرة إلى توفير قواعد واضحة للوقائع

الفوضوية المتعلقة بالأبوة والأمومة، كأن يتم تهدئة الطفل الرضيع بسهولة من خلال فيديو قد اعتاد سماعه في الحضانة، أو تلك الجدة التي تبعد عن منزل أحفادها مسافة ثلاثة مدن  ولا تجد سبيلاً للتواصل معهم إلا عن طريق برنامج Skype فقط.

ووفقا للدراسات التي أجراها أطباء الطفولة والباحثين، فإن هذا المنعطف يتمثل في اتخاذ قرارات خاطئة تُشعِرُ الوالدين بالذنب أكثر من قيامهم باتخاذ قرارات صحيحة قد تصحح المسار في التعامل مع امتلاك الأطفال للأجهزة الذكية.

وأشارت جيني راديسكي، طبيبة الأطفال بجامعة ميشيجان، ومؤلفة “إرشادات وقت الشاشة” للأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال في عام 2016 إلى “أنه يسبب صراعًا حقيقيًا.” فبالرغم من الإرشادات الكثيرة التي نعطيها، إلا أننا نرى نوعاً من عدم التطابق بين ما يقوله الخبراء … وما يشعر به الشخص حينما يكون والداً في العالم الحقيقي كل يوم”.

وقالت راديسكي : إن ” Silicon Valley” ، الذي أدخل خلال العام الماضي عددًا من الأدوات لمساعدة الآباء على الحد من الأوقات التي يقضيها الأطفال أمام الشاشات، يمكن أن يذهب إلى أبعد من ذلك بتحسين تلك الأدوات وتصميم الخدمات بطرق أقل احتمالًا لتشجيع الأطفال على الاستخدام المكثف للأجهزة الذكية. 

وتُعد الميزات التي لا تشجع الاستراحات، مثل ميزة التشغيل التلقائي الافتراضية في YouTube، مصدرًا دائمًا للشكوى بين المستخدمين الذين يَدَّعون أن شركات التكنولوجيا تشجع السلوك الإلزامي من قبل الأطفال الذين يفتقرون إلى التحكم الذاتي. (علماً بأن منصة YouTube صرحت منذ فترة طويلة إن خدمتها ليست مخصصة لمن تقل أعمارهم عن 13 عامًا، لكن الاستطلاعات تظهر أنها تحظى بشعبية كبيرة بين الأطفال الصغار.)

في حين أعطى إعلان الأربعاء الصادر عن منظمة الصحة العالمية متمثلة في وكالة الصحة العامة التابعة للأمم المتحدة العبء الدولي للضغط المتزايد للحد من مقدار الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات في وقت نعاني فيه من ازدياد وصول الأطفال إلى الأجهزة المحمولة بشكل حاد في جميع أنحاء العالم.

فالهواتف الذكية والتي تم تعميمها لأول مرة مع طرح شركة Apple لأجهزة iPhone في عام 2007 ، كانت موجودة بشكل أساسي في الدول الغنية مثل الولايات المتحدة. وسرعان ما تنامى انتشارها لتصل إلى أعداد تقاس الآن بالمليارات ، إلى جانب بقية الأجهزة المحمولة الأخرى ، والتي تعتبر البوابة الرئيسية للإنترنت في معظم أنحاء العالم.

ونعرج إلى نطاق آخر وهو اليوتيوب الذي يمتلك لوحده جمهوراً عالمياً يتجاوز ملياري شخص، مما يثير دعوات بين المستخدمين لاتخاذ تدابير للحد من استخدام الأطفال له، في وقت يواصل العلماء فيه دراسة تأثير شاشات الأجهزة الذكية على نمو الدماغ.

وقال جوش جولين من حملة “من أجل طفولة تجارية حرة” ، وهي مجموعة مناصرة مقرها بوسطن: “من المهم للغاية أن يُصَرِّحَ شخصٌ لديه سلطة منظمة الصحة العالمية ونطاقها بأن “وقت الشاشة” ليس ضروريًا للتعلم، وأنه ليس فعالًا في التدريس”.

وتتبع قواعد منظمة الصحة العالمية بشكل فضفاض قواعد مجموعات الصحة العامة الأخرى في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى، والتي عادةً ما كانت تحث على محدودية “وقت الشاشة” مع جرعات أطول من التفاعل شخصي وقسط وفير من النوم للأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة. وتُقَدِمُ إرشادات الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال استثناءً للسماح بدردشة الفيديو للأطفال دون سن 18 شهراً، وتشير إلى أن الأطفال الذين يناهزون من العمر قرابة العامين قد يستفيدون من مشاهدة مقاطع الفيديو التعليمية من حين لآخر. 

عمومًا، قالت المجموعة إنه يجب على الآباء “تحديد وقت اللعب الإبداعي للرُضَّعِ والأطفال الصغار”.

وعلى الرغم من وجود اتفاق واسع النطاق بين العلماء والأطباء حول مخاطر الإفراط في “وقت الشاشة” للأطفال، إلا أن العديد منهم يرثون قيود الدراسات الموجودة حاليا. ويتحججون بأن من الصعب قياس العواقب الطويلة الأجل، ولربما تمنع المخاوف الأخلاقية من إجراء بعض التجارب،  فعلى سبيل المثال أن تقوم مجموعة واحدة من الأطفال الرضع بمشاهدة الفيديوهات لمدة ساعتين يوميا بينما تلعب المجموعة الثانية في الخارج أو تمارس الدردشات مع الوالدين.

هناك أيضا نقاش حول التعامل مع جميع حالات “وقت الشاشة” على قدم المساواة. فهل يعتبر مشاهدة فيديو لأطفال آخرين يقومون بتجربة فتح علبة ألعاب جديدة أفضل أو أسوأ من دردشة “FaceTime” المرئية مع أحد الوالدين المسافرين؟ وهل الألعاب التفاعلية أفضل من مجرد مشاهدة البرامج بشكل سلبي؟

ومن زاوية أخرى فقد ارتبطت الأبحاث المتعلقة بالأطفال الأكبر سناً بـ “وقت الشاشة” مع القضايا السلوكية والنموية ، ولكن الأبحاث حول الأطفال الصغار والرضع ليست أكثر حسمًا. حيث وجدت إحدى الدراسات التي نشرت في JAMA Pediatrics في شهر يناير أن “وقت الشاشة” قد يؤخر مهارات الأطفال في التواصل الاجتماعي. ووجدت دراسة أخرى نشرت هذا الشهر في طب الأطفال أن تفاعل الآباء مع أبنائهم كان أكثر عند قراءتهم للكتب المطبوعة عنها عند قراءتهم للكتب الإلكترونية.

وقد بدأ التوصل إلى إجماع علمي حول الآراء من هذه البحوث ومن التجارب الملحوظة لعلماء النفس والأطباء وأولياء الأمور. وهذا ما تعكسه إرشادات منظمة الصحة العالمية والمجموعات الصحية الأخرى.

وقال جان توينجي ، وهو عالم نفسي ومؤلف كتاب “iGen” في عام 2017 والذي يتناول التركيز على آثار وسائل الإعلام الاجتماعية وغيرها من التكنولوجيا على الأطفال “إن الأولوية المطلقة للأطفال الصغار يجب أن تكون من خلال التفاعلات وجهاً لوجه والتمارين البدنية والنوم”. ويضيف “أعتقد أن إغراء تسليم الأطفال الصغار لهاتف أو جهاز لوحي في أي وقت يتضجرون فيه هو أمر مضلل. بل يحتاج الأطفال إلى تعلم كيفية تهدئة أنفسهم وإدارة عواطفهم. وإذا تم تسليم هذه الأجهزة بشكل متكرر، فلن يتعلموا هذه الأشياء. “

من جانب آخر، اقترح السيناتور إدوارد ماركي (ديمقراطي) ومجموعة من أعضاء الحزبين التشريعيين، تشريعًا يدعو المعاهد الوطنية للصحة إلى إجراء دراسة متعددة السنوات بقيمة 40 مليون دولار حول تأثير التكنولوجيا و “وقت الشاشة” ووسائل الإعلام الإلكترونية على الرضع والأطفال.

وقال ماركي – بعد نشر الإرشادات التوجيهية لمنظمة الصحة العالمية – في بيان يوم الأربعاء: “من المهم التأكد من أن الأطفال لا يقضون الكثير من الوقت أمام الشاشات ، لكننا بحاجة إلى مناقشة وطنية شاملة حول كيفية ضمان صحة الأطفال والمراهقين وعافيتهم مع زيادة استخدامهم للتكنولوجيا”. 

قال ستيفن بالكام ، مؤسس ومدير تنفيذي لمعهد أمان العائلة عبر الإنترنت ، الذي يضم أعضاؤه لاعبين في صناعة التكنولوجيا مثل Google و Facebook و Amazon ، إن هناك فرقًا مهمًا بين “وقت الشاشة” و “استخدام الشاشة”.

وقال بلكام: “ما لا نريده هو وضع موقف يشعر فيه الأهل بالخزي من حقيقة أنهم يستخدمون الأجهزة اللوحية وغيرها من الأجهزة الذكية عندما يطبخون، أو شيء من هذا القبيل”. وأضاف قائلاً “يتعلق الأمر بمحاولة إيجاد توازن”.

وأفادت إميلي أوستر، أستاذة الاقتصاد بجامعة براون ومؤلفة كتاب “Cribsheet”: دليل يحركه البيانات من أجل الأبوة الأفضل والأكثر استرخاءً”.

بأن المخاوف حول “وقت الشاشة” تبدأ بشكل جيد قبل أن يبدأ الأطفال في الوصول إلى الأجهزة الذكية لوالديهم.

وتضيف: “ليست هناك أدلة دامغة كافية تتعقب أثر “وقت الشاشة”، والأطفال الذين نشأوا حول أجهزة iPad، على سبيل المثال ، لم يبلغوا من العمر بالقدر الكافي للباحثين لقياس نموهم التعليمي أو الجسدي.

وقال أوستر: “أعتقد أن الناس بحاجة إلى إعادة النظر إلى هذا والتفكير في حقيقة أن هذه الإرشادات لا تستند إلى بعض الحقائق الأساسية المدروسة جيدًا واستخدام حكمهم لتحديد ما الذي سينجح”. ويضيف “هذه الأفكار التي مفادها أن الأطفال سوف يكونون نشيطين بدنياً وأنهم يحصلون على قسط كافٍ من النوم هي أفكارٌ جيدة، ولكن الأمر لا يتعلق بـ “وقت الشاشة”.

 

 

                                المصدر:  ( اضغط هنا )

اضف تعليق