العــلـم الحـــي

مقال فاطمة1

“تبدأ الحياة حيث ينتهي الخوف” أوشو

في كتاب “متعة اكتشاف الأشياء” يروي الفيزيائي الأمريكي ريتشارد فينمان تجربته الخاصة في مشروع مانهاتن – والذي تم خلاله إنتاج القنابل النووية التي ألقيت فيما بعد على هيروشيما وناجزاكي –  أن أمريكا يومها لم تستعن بأغلب علمائها، ومهندسيها، ومن يعمل في البرمجة، وعلماء الرياضيات فقط، بل استعانت حتى بالنابغين من طلبة المدارس، فتم الاستفادة منهم في تشغيل بعض الآلات وإتمام بعض العمليات الحسابية الخاصة بالمشروع.

حشدت جميع العقول التي لديها، لذا نجح المشروع، واستطاعت تحقيق النصر الذي أرادته.

ومع انشغالنا بالتفكير في نوع التعليم الذي نريده للمستقبل، عادة ما يلقى العبء في الملتقيات والمؤتمرات المخصصة على المدرسة والمناهج، فهناك من يطالب بمناهج للتفكير وآخر للأخلاق والقيم وثالث بمناهج لحفظ البيئة . ولكن نادراً ما نفكر في الجانب الآخر ، ما الذي يمكن للمجتمع أن يقدمه للطالب في سن التعليم المدرسي؟ وكيف يمكن للمجتمع أن ينسج روابط وثيقة مع المدرسة؟

لا يكفي وضع مناهج للتفكير العلمي ما لم  ينخرط الطلبة في مجتمعهم في ممارسة التفكير العلمي، ولا يمكن الحديث عن تكوين مهارات تقنية وفنية بين أسوار المدرسة ما لم يشارك المتعلم في أنشطة مجتمعية يبني من خلالها تلك المهارات المرغوبة.

في عام ٢٠٠٤م كنت في برنامج تدريبي يقدمه د. عبد الرحمن الحارثي الأستاذ في قسم الجيولوجيا بكلية العلوم في جامعة السلطان قابوس ، حدثنا فيه عن الاكتشافات الجيولوجية في السلطنة، كما حدثنا عن اكتشاف متحجرات من عظام ديناصور وجدت بقاياه في الخوض القديمة، أثار الموضوع حماسي الشديد، فراح خيالي يرسم صور ديناصورات بأجسامها الثقيلة تجوب أرض عمان، كانت عمان يومها مختلفة في طبيعتها عن اليوم، وبدا الموضوع ملهما لدراسة الكثير عن علم الجيولوجيا والمناخ وغيرها من الموضوعات التي تمكنني من رسم صورة أوضح لما كانت عليه عمان وديناصوراتها.

لكن طلبة المدارس لا يعرفون شيئا عما يتم من مكتشفات، أو دراسات علمية، لا يعرفون أن عمان ضمت بين ربوعها يوما ما ديناصورات من مثل تلك التي يرونها في برامج الرسوم المتحركة، لا يعرفون عن الغابات الكثيفة التي كست أرض عمان.

وبقيت مادة العلوم مادة جامدة تقدم نظريا، أو باستكشافات وتجارب نمطية تقررها المناهج.

يلقى عبئها على المعلم، تحسن إن أحسن المعلم، وتضعف بضعفه! ويبقي العلم والاستكشافات العلمية، تلك التي تجسد الروح الحية والخلاقة للعلم من مغامرة وخيال ومثابرة في جانب آخر بعيد عن الطلبة، معزولا بين الأكاديميين، والباحثين، ويبقى ما ينتج من معرفة علمية بين جنبات الجامعة أسير أروقتها، وإذا ظهرت فغالباً كخبر في جريدة لا يسمن ولا يغني من جوع، قد يلتقطه المعلم ويوظفه لخدمة التعليم، وفي أغلب الأحيان لا يفعل؛ إما لأنه لم يسمع الخبر أصلاً، أو أنه سمعه ولم يأبه له، أو أن الخبر لم تكن تفاصيله كافية ليقدمه المعلم لطلبته.

من وقتها وأنا أشعر بالفجوة الكبيرة بين من يمارس تعليم العلوم أو التربية العلمية، وبين من يقوم بإنتاج العلم في بلادنا، وهم قلة قليلة جداً على أية حال.

 لذلك حين استمع للأكاديميين في الجامعة وهم يشتكون من ضعف مهارات الطلبة القادمين من التعليم العام أتساءل،

ماذا قدمتم لهؤلاء الطلبة؟

وما الذي يمكن تقديمه لطالب التعليم العام حتى يكون قادراً على استيعاب العلم، واكتساب المهارات العلمية؟

ساهمت الجمعيات المهنية من مثل الجمعية الفلكية والجيولوجية في أنشطة تفاعلية مع طلبة المدارس في جسر بعض الهوة بين ما يحدث في الجامعة والعلوم التي تدرس في المدارس من مثل المخيمات الصيفية الفلكية وأمسيات الرصد التي تنظمها الجمعية الفلكية، كما لفت انتباهي أنشطة الجمعية الجيولوجية العمانية الذين اقتنيت عنهم برنامجا محوسبا تصاحبه قصة تعرض لجيولوجيا السلطنة وأنواع الصخور والمعادن فيها ، عنوانه “فارس حديقة الصخور”.

كما ساهمت جماعات الأنشطة الطلابية في الجامعة عبر معارضها السنوية في إيجاد بعض الروابط التي يحتاجها المتعلم في التعلم العام لينمي شغفه بالعلم ويستوعب ما فيه من ثراء وتشويق، يحتاجها ليفهم ماذا يعني العلم، والبحث العلمي؟ ماذا تعني التقنية؟ وكيف يمكنه أن يكون يوما ما عالما أو مخترعاً، أو مطورا في برنامج علمي ؟

ولكن هذه الأنشطة في مجملها تفتقد عنصرين أراهما بالغي الأهمية:

 أولهما: الاستمرارية. مع تنوع الأنشطة والفعاليات إلا أنها تبقى قليلة ويستفيد منها عدد قليل من الطلبة، كما أنها تنشط في أوقات وتضعف في أوقات أخرى، وما نحتاجه هو أولا الإيمان بحيوية وجود أنشطة تربط منتجي العلم من أكاديميين وباحثين وفنيين بدارسي العلوم في التعليم العام، هنا لن تكون الأنشطة تطوعية يقوم بها أفراد أو جمعيات فقط، ولكنها عمل منظم مؤسسي، تقوم به الجامعة أو المؤسسات البحثية، أو الشركات الكبرى المنتجة في الاقتصاد الوطني كجزء من واجبها الاجتماعي نحو التعليم والنهوض به وتطوير مخرجاته، بل كجزء من استثمارها المستقبلي في تنمية الإنسان العماني، حتى تستفيد من تلك الخدمات جميع المدارس، وأغلب الطلبة، وفق برامج واضحة الأهداف ومراحل التطبيق.

ثانيا: تفتقد البرامج المقدمة حاليا إلى الشراكة: فالفعاليات التي يتم تنظيمها غالبا هي فعاليات للعرض، انظروا ماذا وجدنا، جربوا استخدام ما لدينا من أجهزه، ولكن ماذا بعد؟ ألا يمكن إشراك الطلبة والمدارس في برامج بحثية، أو العمل في تركيب مشروع ما؟

ألا يمكن أن تفتح مختبرات تلك المؤسسات لمجموعات منتقاة من طلبة الحادي عشر والثاني عشر لممارسة بعض المهارات البحثية، أو تطوير بعض المبتكرات التي يقدمها الطلبة، تحت إشراف الأكاديميين والفنيين من تلكم المؤسسات؟

في عام ١٩٩٥ وبمناسبة يوم الأرض أطلقت الولايات المتحدة برنامج جلوب GLOBE الذي تم تبنيه عالميا بعد ذلك وهو برنامج لدراسة التغيرات المناخية في أنحاء العالم وعلى فترات زمنية مستمرة وطويلة، وتشارك مدارس مختلفة على مستوى العالم فيه، حيث يقوم الطلبة برصد درجات الحرارة والرطوبة وإدخالها عن طريق الإنترنت على قاعدة بيانات موسعة للبرنامج. هذا البرنامج تشارك فيه وزارة التربية، وتم تدريب طلبة عمانيين على إجراء تلك القياسات، وإدخالها عبر موقع البرنامج على الشبكة العالمية.

ألا يمكن للمؤسسات التعليمية والبحثية وحتى الشركات المنتجة التفكير في برامج مشابهة يكون لطلبة المدارس أدوار معينة فيها؟

لم لا تفتح الشركات الكبرى أبوابها للطلبة في مرحلة ما بعد التعليم الأساسي للانخراط في بعض الأعمال المؤقتة خلال فترات إجازة منتصف العام الدراسي ونهاية العام الدراسي؟

هل فكرتم في قدر المهارات التي يمكن للطلبة اكتسابها أثناء ممارستهم للعلم أو العمل؟

فالكتب لا تكفي وحدها لتعليم الانسان بل لا بد من الدمج بين التعلم النظري، والممارسة العملية، هذا الدمج لا يمكن أن يتم داخل أسوار المدرسة وفي مواقف مفتعلة، وإنما سيتم حينما تفتح مؤسسات المجتمع أبوابها أمام الطلبة، وتفكر في كم ونوعية الأعمال التي يمكنهم تنفيذها، والمهارات التي يمكنها إكسابهم إياها.

فاطمة الحجري

 @Alhajrifatema

اضف تعليق