مستقبل التعليم: ضربٌ من الخيال العملي

ترجمه: ابـراهـيـم الـعـزري

كـتـبــه: كـاتـي لـيـبــي

عندما يرجع طالب في المرحلة الابتدائية إلى منزله شاكيا لأهله استياءه من مواجهته لصعوبة في تصميم عرض(Prezi) في موضوع التفرقة العنصرية، أو ينتحب بسبب عدم إتقانه لحركات انتقال الشرائح في تطبيق الـ PowerPoint، يعلم الآباء والأمهات حينها أن العالم قد تغير من حولهم. عندما يقوم طالب في المدرسة الثانوية بتصميم مقطع فيديو مصحوب بموسيقى وتأثيرات خاصة يوضح فيها كيف يختار الشاعر الروماني الأصل “أوفيد” كلماته ليظهر مكنونات الشخصيات في كتاباته، فالتغير هنا لا يمكن نكرانه. لكن وجود حواسيب داخل القاعات الدراسية هو البداية فقط! فلا يمكن التكهّن – بعد- بماهية مدراس المستقبل، أو هو أكثر ما يكون بمستقبل ضبابي – إن جاز التعبير- الأمر الذي سيتطلب منا إدارتها بتأنٍ وحذر، كي لا تنقلب النعمة إلى نقمة. اليوم، بدأ الصف الدراسي يبدو فعلا ككوكب مريخي بالنسبة للأهالي.

حواسيب في قاعات الدراسة؟ تبدو فكرة جديدة! هي فكرة تخيف بعض المعلمين، وتفرح قلوب بعض التلاميذ، وتحير عقول بعض الآباء والأمهات. لو طبّقت سياسة “أحضر جهازك الخاص” في المدارس لأول مرة، لَسبَّب هذا حرجا وضغطاً نفسيا عميقا.  كم سيكون الأمر مخيفا ومقلقا لو طُبِّق، وكم من بلبلة سيحدثها في منازلنا!

 أمر ليس بالجديد!

لكنه في الحقيقة ليس بالأمر الجديد. لقد بدأ الأمر في منتصف السبعينات،عندما وضع شخص واحد على عاتقه ابتكار وسيلة لمساعدة المعلمين كيف يعلمون بفعالية، ومساعدة الطلاب كيف يتعلمون بفعالية باستخدام التكنولوجيا. بدت أفكاره غريبة ومجنونة  في حقبتي السبعينات والثمانينات، لكنها اليوم معترف بها. ذلك الشخص هو “دستن هيوستن”. حيث أدرك أن وضع حاسوب في صف دراسي لن يجعل الأطفال طلابا أفضل، كان هدفه هو تحقيق تجربة تعليمية يتم فيها التركيز على الأفراد لا على المجموعة – كل طفل يتعلم على حدة في صف واحد-، لكن الأمر يحتاج إلى الكثير من الإصلاحات. ما جاء به هيوستن – بدوره- قد يعيد تعريف عملية التعليم والتعلم من جذورها.

كما ذكرت آنفاً، أنّ هوية المعدات والأدوات التعليمية التي سيستخدمها الطلاب في مدارس المستقبل قد تكون مبهمة. بينما تتوفر الحواسيب المحمولة والأجهزة اللوحية في بعض الفصول الدراسية اليوم، من يدري ما سيحمله طلابنا معهم إلى المدرسة في المستقبل؟ ربما حاسوباً على معاصمهم… كساعة! أو قد تكون لكل طالب رقاقة مزروعة في جسمه لتحلّ محل ما “كان في الماضي” يسمى بالإنترنت! وفي خِضمّ هذه التطورات في بيئة التعليم، سيتحتّم على المعلمين أن يجدوا طرقا أخرى غير تلك التي تُعنى بتوجيه طلابهم وإرشادهم إلى مواقع معينة للعثور على حقائق ما و إعادة ترديدها كالببغاوات، بل سيتحتم عليهم تعليم طلابهم كيف يعملون بمبدأ التفكير النقدي، وكيف يطبقون المعلومات المتوفرة بين أيديهم وإعمالها لحل مشاكلهم المختلفة. بوجود قليل من الحظ معهم والتجهيز البناء لهم من قبل معلميهم، سيتسنى لأطفال المستقبل أن يحلوا مشاكل العالم كالمجاعات، والتدهور البيئي، والصراعات الحدودية السياسية.

 إلــهـــاء

هناك تحد واحد شديد الإلحاح يحاول المعلمين (وبعض الطلاب الملتزمين والجادين) التصدي له، هو مشكلة “الإلهاء”. التحكم بصف دراسي وإدارته قد يبدو كابوسا بالنسبة لمعلم واقف أمام أطفال غارقين في مقاعدهم، مندمجين مع وسائل التواصل الاجتماعي ومختلف المواقع على شبكة الإنترنت. قد يشعر العديد من الطلاب -الجادين- أن بعض الأنشطة التي يقوم بها زملاؤهم “ملهية” لهم وتفقدهم تركيزهم،  في حالة زيارة زملائهم لمواقع غير متعلقة بالحصة، أو ممارستهم للألعاب، أو تصفحهم لملفاتهم الشخصية على الفيسبوك، أو عدم انتباههم إلا إذا صاح المعلم طالبا انتباههم، وهناك أدوات تقنية متوفرة في الوقت الحالي للتحكم والحد من هذه الحالات، كتطبيق Insight by Faronics.  و بأدوات وتطبيقات للمراقبة الصفية كمثل هذا، بدأت تجربة استعمال التقنية تبدو أقل “إخافة” و “تشتيتا”. والحمد لله أنه في مدارس المستقبل قد يتسنى للمعلم مراقبة نشاط طلابه على الشبكة، حتى الأنشطة التي لا يمكن كشفها بسهولة.

 مستقبل التعليم ضربٌ من الخيال العملي

توصّل بعض المعلمين إلى حلٍ لهذه المشكلة، فقام بعض أعضاء أكاديمية قيادة العلوم بولاية فيلاديلفيا الأمريكية على سبيل المثال، بالسماح لطلابهم القيام بمعظم الأنشطة المختلفة على شبكة الإنترنت، شريطة أنه ما من ثمة تسامح أوتساهل إذا غفل أحدهم عن أحد التعليمات الخاصة بمادة من المواد الدراسية، أو أخفقوا في التقييم النهائي لأي مادة دراسية كانت. ويقول أحد المعلمين بأنه صحيح أن “إلهاء” التقنية للطلاب أثناء الحصص والمحاضرات هي قضية كبيرة وقد يصعب التحكم بها أحيانا، لكن يمكن التعرف بسهولة على أولئك الذين يقضون وقتهم في اللعب وتصفح المواقع بعيداً عن الدرس من سجل درجاتهم.

 إن الفوائد التي يمكن أن تُجنى من استخدام تقنيات حديثة في الصف الدراسي قد تفوق المشاكل المترتبة عليها وزنا. تخيل أنك قادر على تدريس عدّة صفوف دراسية في آنٍ معاً من شتى بقاع الأرض. وهذا ما يحدث حالياً من خلال دورات Massive Online Open Course  (MOOC) كدورة Coursera.  كل ما تحتاجه هو كاميرة ويب، ونظام ميكرفون، واتصال قوي بشبكة الإنترنت، وستصل “حرفيا” إلى عشرات الآلاف من الطلاب حول العالم. لقد صرّح آل فيلريس، محاضر من جامعة بينسيلفينيا بأن تجربة دورات MOOC  هي “تجربة فريدة من نوعها”. ولم لا! ففي دورة Coursera هناك العديد من المعلمين المساعدين، وبعض النشاطات الجيدة من قبل طلاب يقومون بمراجعة أعمال بعضهم البعض. ومن المحتمل أن يأخذ النموذج التعليمي الخاص بتوفير دروس تعليمية ذات جودة المعروف بــ Coursera بالانتشار حول العالم، والتأثير المتوقع حدوثه يحتمل أن يُحدث طفرة في مجال تقنيات التعليم. وسوف تذوب جميع تلك القضايا الخاصة بالاختلافات الثقافية في المدارس، والخلاف حول التعليم المختلط، وستذوب به المسافات أيضا.

يبقى لكم أن تتخيلوا قيام طلاب العالم بالاتصال على شبكة الإنترنت في نفس الوقت، بدون وجود قيود كضعف إشارات الإرسال على الشبكة. وهذا ما نشهده اليوم في مواقع وتطبيقات كالفيسبوك وسكايب أو أحد أدوات جوجل.

 لكن هناك تحديات! هناك مشاكل قد تؤخر إنجاز الأعمال كضعف اتصال الشبكات وقنوات الاتصال. كيف سيعاقب معلموا المستقبل طلابهم في حالة تطلبت الضرورة؟ كيف سيصممون تكاليف طلابهم وطرق تقييمهم؟ سيتطلب هذا الأمر مستواً عاليا من الإبداع والمخيلة والبراعة! بدأت بعض قاعات الدراسة بكل معداتها التقنية تبدو ضرباً من الخيال العلمي في السنوات القليلة الماضية. وأصبح العديد من الطلاب منفتحين على كم هائل من المعلومات الذي يبدو أن ينافس شعبية مسلسل DR. Who .

 http://www.edudemic.com/future-education-sci-fi-think/

اضف تعليق