التعليم للجميع 2013/2014.. هل تحقّقت الأهداف الستّة؟

مقدمة:
أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في نهاية شهر أبريل الماضي إصدارها الحادي عشر من التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع والذي حمل شعار “التعليم والتعلم –تحقيق الجودة للجميع” . ونقدم هنا ملخصا لما جاء في هذا التقرير الذي يرصد مدى التقدم الذي أحرزته البلدان المختلفة نحو تحقيق الأهداف العالمية الستّة في مجال التعليم التي اعتمدت في عام 2000 . ويتكون التقرير من ثلاثة أجزاء ، يعرض الجزء الأول منه مدى التقدم في تحقيق الأهداف الستة الخاصة بالتعليم للجميع، ويقدم الجزء الثاني دليلا واضحا حول تأثير التقدم في التعليم على تحقيق أهداف التنمية، بينما يسلط الجزء الثالث على تنفيذ سياسات قوية لإطلاق طاقات المعلمين.


رصد أهداف التعليم للجميع:
ما يزال 57 مليون طفلا حول العالم بدون تعليم لعدم وجود مدارس! عدم وجود المدارس ليست المشكلة الوحيدة بل إن هناك مشكلة أخرى حسب التقرير ، وهي أن ثلث الأطفال في مرحلة التعليم الابتدائي لا يتعلمون الأساسيات سواءً التحقوا بالمدارس أم لم يلتحقوا بها, وأن العالم مطالب بتوظيف 1,6 مليون معلم من أجل تعميم التعليم الابتدائي بحلول 2015.
وسيتعذر على 29 بلدا معالجة النقص في المعلمين في مدارسها الابتدائية في عام 2030.
إضافة إلى الإحصائيات – الصادمة – يقدم التقرير أربع استراتيجيات لتوفير أفضل المعلمين لتزويد الطلاب بتعليم عالي الجودة وهي:
1- يجب اختيار المعلمين المناسبين بحيث يعكسون تنوع الطلاب الذين سيخضعون للتعليم على أيديهم.
2- تدريب المعلمين على مساندة زملائهم ضعيفي المستوى.
3- القضاء على كافة أشكال عدم المساواة في التعليم من خلال توزيع المعلمين المجيدين على المناطق التي تشكل تحديا في مجال التعليم.
4- يجب على الحكومات تقديم حزمة مناسبة من الحوافز للمعلمين لتشجيعهم على الإبداع والاستمرار في التدريس ، فحسب التقرير يبلغ متوسط رواتب المعلمين أقل من 10 دولارات في ثمانية بلدان شملها التقرير!
يتم تحديد رواتب المعلمين بصورة تقليدية استنادا إلى المؤهلات الرسمية وسنوات الخبرة ومقدار التدريب ، لكن هياكل الأجور هذه ليس من الضرورة أن تؤدي إلى نتائج أفضل في التعليم. ويرى التقرير أن ربط دخل المعلمين بأداء طلابهم يمثل نهجا بديلا ويتسم بجاذبية عفوية ، وهو ما يؤكده تقرير برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) حيث أن الدول التي طبقت هذا المبدأ حصل طلابها على درجات أعلى في القراءة والرياضيات والعلوم.

التقرير سلط الضوء أيضا إلى المناهج ، فالمعلمون وحدهم لن يتمكنوا من تقديم ما لديهم من مهارات وإبداعات ومعارف ما لم توجد مناهج مصممة بشكل عصري ومتطور تواكب التغييرات في العالم في شتى المجالات ، وما لم تتغير استراتيجيات التقييم المتبعة لتحسين التعليم.
ويتطرق التقرير لقضية محورية مهمة ، وهي قضية تمويل التعليم لتحقيق كل ما سبق ، ويناشد أن يكون هناك تغيير في التمويل، فالتقرير يرى أن التعليم الأساسي لوحده في الوقت الحاضر ينقصه ما يقدر ب26 مليار دولار أمريكي السنة الواحدة، كما يرى التقرير أنه في هذا الوقت لا يحق ولا يجوز للحكومات في العالم أن تخفّض الاستثمار في التعليم, وعلى الجهات التي قدمت وعودها لتمويل التعليم أن لا تتراجع عن وعودها.
ويقدم التقرير رقما مهما وهو أنه من بين 150 بلدا حول العالم توافرت بيانات بشأنها قام 41 بلدا منها فقط بإنفاق 6% أو أكثر من الناتج القومي الإجمالي في التعليم عام 2011م.
من المتفق عليه إجمالا أنه يتعين على حكومات العالم تخصيص 20% على الأقل من ميزانياتها على التعليم.
ورغم ذلك فقد بلغ المتوسط العالمي في عام 2011 نسبة 15% فقط! وفي مجال الاستفادة من النمو الاقتصادي في العديد من الدول الأكثر فقرا في العالم يتعين على الحكومات توسيع قاعدتها الضريبية وتخصيص خمس ميزانياتها للتعليم وهو ما سيمكنها من الحصول على مبالغ إضافية للتعليم ويزيد من حصة الإنفاق عليه.
وهو ما فعلته 7 بلدان فقط من أصل 67 بلدا توافرات بياناتها للمنظمة، وتعد أثيوبيا من بين 67 بلدا الأكثر نجاحا في جعل التعليم أولوية في ميزانيات الحكومة.
ويذكر التقرير أنه في البلدان الأكثر فقرا في العالم ينتج عن التهرب الضريبي بناء النخبة لثرواتها الشخصية بدلا من إنشاء نظم تعليمية قوية تفيد الاغلبية.
وفي مجال المعونات فإن قطاع التعليم يتلقى 1.4% من المعونات الإنسانية ، وهو رقم ضئيل جدا، فقد انخفضت المعونة المخصصة للتعليم بمقدار 1 مليار بين عامي 2010 و2011م.

التعليم يغير مجرى الحياة:
في جزء التعليم يغير مجرى الحياة، يورد التقرير أنه لو اكتسب جميع التلاميذ مهارات القراءة في المدرسة لكان من الممكن انتشال 141 مليون نسمة من شباك الفقر, ولا يؤدي التعليم إلى ذلك فقط بل يولد إنتاجية تغذي النمو الاقتصادي في هذه البلدان.
وفي مجال تمتع الأفراد بأنماط حياة أفضل صحيا يورد التقرير أن تعليم الأمهات يكتسي أهمية حيوية ليس فقط للحفاظ على صحتهن ، بل كذلك للعناية بصحة أطفالهن ، فالتقارير العالمية تقول أنه يتم تسجيل 800 حالة وفاة بين النساء يوميا أثناء الحمل والولادة لأسباب كان من الممكن تلافيها، ولو استكملت كل النساء تعلميهمن في الابتدائي لانخفض معدل الوفيات بين الأمهات بنسبة 66%
وفي مجال الطفول المبكرة يذكر التقرير نتائج خطيرة توصل إليها بعد دراسة مضنية ، وهي أن الكثير من الاطفال يعانون من نقص الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة ، ففي عام 2012 لوحدها عانى 25% من الأطفال دون الخامسة من التقزّم وهو من أهم مؤشرات قياس سوء التغذية على الأمد الطويل، وحصة التعليم للأطفال في أفريقيا لم تتجاوز 18%.
وفي نفس المجال يرى التقرير أن هناك تحسنا ملحوظا في تغذية الأطفال.
وفي مجال محو الأمية يرى التقرير أن مستوى محو الأمية لم يتحسن إلا بصعوبة ، فنسبة الانخفاض ما بين عام 2000 و 2011 (774 مليون أمي من الكبار) هي 1% فقط!
ومن المتوقع أن ينخفض هذا العدد إلى 743 مليون أميّ في عام 2015.

وفي مجال تدريب المعلمين ثبت في التقرير أن ثلث البلدان التي توافرت بيانات بشأنها ، يحظى أقل من 75% من المعلمين فيها بالتدريب الكافي.
وأن الجهات المانحة لا تنفق سوى 189 مليون دولار سنويا في إعداد المعلمين وتدريبهم وتأهيلهم.
ويحدد التقرير الخطوة الأولى للحصول على معلمين جيدين، من خلال اجتذاب أفضل المرشحين لمزاولة التدريس، وأن لا يكون مجرد الشعور بالرغبة في التدريس هو المعيار الوحيد لاختيارهم.
وفي مجال تحقيق التكافؤ والمساواة بين الجنسين لم تحقق البلدان المنخفضة الدخل هذا الهدف إلا في حالات قليلة ، رغم أن هذا الهدف الخاص بمرحلتي التعلمي الابتدائي والثانوي وضع كهدف ينبغي تحقيقه بحلول 2005 إلا أن العديد من البلدان لم تتمكن حتى عام 2011 من تحقيق هذا الهدف!
ففي مرحلة التعليم الابتدائي نجحت 57% من 161 بلدا حول العالم من تأمين التكافؤ بين الجنسين عام 1999م, وحتى 2011 ارتفعت النسبة لتصل إلى 63%.
أما في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي فقد نجحت ما نسبته 43 % من بلدان العالم في تحقيق التكافؤ بين الجنسين في عام 1999 ، ومن المتوقع أن يتم تحقيق 56% من البلدان في عام 2015.
ويذكر التقرير أنه لن يتسنى للفتيات الأشد فقرا في جنوب الصحراء الكبرى من أفريقيا استكمال التعليم إلا في عام 2086م!!
دعم المعلمين لإنهاء أزمة التعليم:
في مجال الديمقراطية يرى التقرير أن التعليم يعزز دعم الأفراد للديمقراطية ، ففي تركيا مثلا ارتفعت نسبة الأفراد المهتمين بالسياسة من 40% الحاصلين على شهادة ابتدائي إلى 52% من الحاصلين على تعليم ثانوي.
وبينت الدراسة أن المتعلمين هم أكثر اقبالا على التصويت متى تهيأت الظروف، كما يشجع التعليم على المشاركة في الحياة السياسية، فقد ثبت في الأرجنتين والصين وتركيا أن احتمال إقدام المواطنين على توقيع عريضة يرتفع بمقدار الضعف إذا كانوا قد حصلوا على التعليم الثانوي.
كما أن زيادة فرص الالتحاق بالمدارس وإتاحتها أمام الجميع تخفف من الشعور بالظلم في المجتمعات وهو الشعور الذي يتسبب في الغالب في اندلاع الكثير من النزاعات واستمرارها.
ويرى التقرير أن التعليم يسمح بتحسين مستوى المعرفة وغرس القيم وتعزيز المعتقدات وتعديل المواقف ، وبالتالي يمثل أداة قوية لتعديل أنماط الحياة والسلوك.
حتى في قضية التأقلم مع التغيرات المناخية خاصة في الدول الأكثر فقرا ،رفإن التعليم يمثل أهمية حاسمة في التأقلم مع هذه التغيرات من خلال تمكينهم من استخدام تقنيات حديثة ، مثل ممارسات صون التربة وتغيير مواعيد الاستزراع وتنويع أصناف المحاصيل.
وفي مجال تحرير طاقات المعلمين لحل أزمة التعليم يضع التقرير عشرة بنود:
1- سد الفجوات في توفير المعلمين
2- اجتذاب أفضل المرشحين لمهنة التعليم
3- تدريب المعلمين لتلبية احتياجات جميع اللأطفال
4- إعداد مدربي المعلمين وتوجيههم لتدريب المعلمين
5- وضع المعلمين في الأماكن التي هي بأمس الحاجة إليهم
6- استخدام صيغة منافسة في المسار الوظيفي وهيكل الرواتب للاحتفاظ بأفضل المعلمين
7- تحسين الحوكمة الخاصة بالمعلمين :ويقصد بها تحسين سياسات معالجة مشكلات سوء سلوك المعلمين كالتغيب عن الدوام المدرسي وعدم حضور الحصص وممارسة العنف، وذلك عبر تحسين ظروف عمل المعلمين والتأكد من عدم إثقال كاهلهم بوظائف غير مرتبطة بالتعليم، وتوفير الرعاية الصحية الجيدة لهم، ولابد من وجود إدارة مدرسية قوية لتحقيق الانضباط والالتزام بمواعيد الدوام المدرسي.
8- تزويد المعلمين بمناهج دراسية ابتكارية لتحسين التعليم
9- تطوير أدوات التقييم المتبعة داخل الصف الدراسي
10- توفير قاعدة بيانات حول المعلمين المدَربين المتوافرين وتوزعهم في المدارس والمناطق.

أخيرا يناشد التقرير الذي أعدته المنظمة الدولية حكومات العالم بمضاعفة جهودها لتوفير التعليم لجميع الفئات التي تعاني من ظروف الفقر أو الحروب أو التمييز بسبب الجنس أو العرق، ويضع أغلب تركيزه على توفير معلمين مدربين تدريبا جيدا ومتحمسين للعمل إذا ما أرادت الدول الغنية منها والفقيرة أن تنهي أزمة التعليم .

اضف تعليق