القارئ الصغير.. نافذة إذاعية للقرّاء الصغار

حاورته : هاجر البلوشي

تعتبر القراءة وصفة نجاح للأطفال في حاضرهم وغدهم ومستقبلهم ،فهي شغف وعشق يسقي غد هذا الجيل بالأمل والمعرفة والحياة ، ولأن للمبادرات في مجال القراءة دور في تحبيبها وإبراز مكنوناتها لدى الأطفال، كان لمجلة نوت هذا الحوار مع مقدم أحد البرامج الإذاعية الذي يسلّط الضوء على موهبة القراءة لدى الأطفال ، حديثنا هنا عن البرنامج الإذاعي : “ القارئ الصغير” ، وحوار مجلة نوت كان مع مقدم البرنامج والمشرف على إعداده واختيار ضيوفه ، الكاتب والإعلاميّ سليمان المعمري.

فكرة البرنامج

كيف بدأت فكرة برنامج ” القارئ الصغير” وما أهم أهدافه؟

توجهنا بهذا السؤال لمقدّم البرنامج الذي يمتلك خامة صوتية مميزة يعرفه المستمعون من خلالها فكانت إجابته : بدأت فكرة البرنامج بعد الإقبال المتزايد من الأطفال والناشئة على المشاركة في برنامجي الإذاعي الآخر “كتاب أعجبني” خاصة في دورته الأخيرة ( الدورة التي سبقت دورة رمضان ).

 اقترح عليّ وقتها محمد البلوشي المدير التنفيذي للقطاع السمعي تخصيص “كتاب أعجبني للأطفال” ، من هنا انبثقت الفكرة.

ويضيف المعمري:لا أخفيك أنني في البداية كنتُ مترددا لتخوفي من عدم وجود قراء كفاية من الأطفال ، خاصة ونحن في فترة الكل فيها تقريبا يتذمر من سوء مخرجات التعليم في السلطنة ، وعدم تمكن طلاب المراحل السنية المبكرة من القراءة والكتابة بشكل جيد ، وكان هذا معلنا ، سواء في الإعلام ، أو في ندوات متخصصة كندوة القراءة السنة الماضية التي خرجت بتوصية “الإستراتيجية الوطنية للقراءة” ، لكنا في النهاية قررنا ( أعني مسؤولي الإذاعة وأنا )  أن نخوض هذه المغامرة من منطلق أن إيقاد شمعة واحدة خير ألف مرة من صب اللعنات على الظلام ، مستضيئين بجهود حثيثة تبذلها بعض المبادرات الأهلية في تشجيع القراءة ، وشخصيا كنتُ أتابع باهتمام نتائج الأطفال العمانيين المشاركين في مسابقة “قطار المعرفة” القرائية العربية التي تنظمها مدرسة البحث العلمي بدولة الإمارات. فقررتُ أن أبدأ الحلقات الأولى للبرنامج من هذه المسابقة ، وقد تجاوبت معي مشكورة الأستاذة شريفة الرواحية مشرفة مسابقة “قطار المعرفة” في السلطنة، ورفدتني بعدد من الأطفال الموهوبين الذين كانت نتائجهم مشرفة في هذه المسابقة ، ومن هنا كانت بداية “القارئ الصغير”

اختيار الضيوف

– وعن معايير وشروط اختيار ضيوف برنامج القارئ الصغير يقوال سليمان المعمري:

هناك شرطان أساسيان لقبول الضيف المشارك في أي حلقة من حلقات البرنامج. الأول هو أن يكون قارئا بالفعل ، وأن يثبت ذلك بترشيحه لعدة كتب قرأها للحديث عنها في الحلقة. والشرط الثاني أن يكون متحدثا جيدا ( ولا أقول ممتازا ) . فكما تعلمين ، الإذاعة قائمة على الصوت ، ولا جدوى من استضافة ضيف مهما بلغت ثقافته وتنوعت قراءاته إذا لم يكن يمتلك القدرة على الكلام، والتعبير عن نفسه ، واشراكنا في الكتب التي قرأها ، أو الأحلام والأمنيات التي يتمناها . (البداية كانت من بعض المدارس الخاصة المشاركة في مسابقة “قطار المعرفة” ، ولكن ما إن بدأت حلقات البرنامج الأولى تُبث في الإذاعة حتى انهالت عليّ الاتصالات بطلبات المشاركة ، اتصالات من آباء وأمهات يودون مشاركة أبنائهم في البرنامج ، واتصالات من معلمين أو مديري مدارس يرغبون في مشاركة طلبة من مدارسهم ، واستمر هذا الإقبال المتزايد للمشاركة حتى اضطررت في الفترة الأخيرة للاعتذار لبعض الآباء والمدارس عن عدم المشاركة لأن حلقات الدورة الإذاعية اكتملت ) .

وعن الالتزام بالشروط الموضوعة يؤكد سليمان المعمري على التزامه بالشروط إلى حد بعيد لضمان نجاح البرنامج.

موقف

توجهنا بسؤال لمقدم البرنامج فيما إذا كان قد اضطر لعدم بث أي حلقة بسبب ضعفها

فيقول بتأسف : حلقة واحدة فقط ، لأن الطفل في الأستديو كان مختلفا عنه خارجه ، في استراحة الإذاعة كان الطفل منطلقاً في الحديث، ولكن ما إن دخل الأستديو حتى استولى عليه الارتباك والخجل ، كان متحفظا ولا يرد على الأسئلة إلا بكلمة أو كلمتين ، وقد أوقفت الحلقة في منتصفها وأعدتُ التسجيل من جديد ، ولكن ظل على خجله وتحفظه ، فطلبتُ من مشرفته المرافقة – التي كانت قد رشحتْه ضمن عدة طلبة من المدرسة – تأجيل تسجيل حلقته إلى يوم آخر .

أصداء البرنامج

– وعن أصداء البرنامج لدى المستمعين ومدى تحقق أهدافه يؤكد مقدم البرنامج على تحقق أهم هدف للبرنامج وهو تشجيع الأطفال والناشئة على القراءة.

يقول سليمان المعمري : أظن هذا الهدف تحقق من كمية طلبات المشاركة الهائلة التي أتلقاها ، وكان من أهدافه أيضا استكشاف الموهوبين من الأطفال والناشئة وتسليط الضوء عليهم ، وهذا الهدف أيضا تحقق. أما عن أصدائه بين المستمعين فيكفي أن أقول لك أنه أكثر برنامج قدمتُه في الإذاعة أتلقى عنه أصداء إيجابية . وقد خدمه في رأيي مواعيد البث الجيدة التي اختارها له مسؤولو الإذاعة ، فقد وضعوا البث الأول في الساعة 35:6 صباحا ، وهي فترة تشهد وجود طلاب المدارس في الحافلات أو السيارات المتوجهة إلى المدارس ، وتشهد أيضا توجه جميع الموظفين الحكوميين إلى أعمالهم . أما موعد الإعادة وهو الساعة 15:6 عصرا ، فهو أيضا موعد جيد ويحظى بالاستماع .

تفاعل الأطفال

 وعن مستوى التفاعل من قبل شريحة الأطفال مع البرنامج يقول سليمان المعمري: تفاعل الأطفال مع البرنامج كبير ، سواء أولئك الذين قدموا للإذاعة لتسجيل حلقات، أو أولئك المستمعين من بعيد، الذين سعى بعضهم للمشاركة  لمجرد استماعهم لحلقات أقرانهم .

وعن النتائج يرى مقدم البرنامج أنه من المبكر الآن الحكم على نتائج برنامج إذاعي يستهدف الأطفال.

ثقافة الطفل العماني

هل من الممكن أن تقدم لنا تقييما من خلال هذا البرنامج لثقافة الطفل العماني؟

هذا كان سؤالنا لسليمان المعمري مقدم برنامج القارىء الصغير, فيجيب عنه بتفاؤل:

المبهج في الأمر أن جيلا جديدا يتشكل ، يدرك أهمية الثقافة ، وأهمية النشاط غير الصفي المعضد للدراسة، أن يحرص طفل على قراءة خمسة وخمسين كتابا خلال سنة وتلخيصها  ( كما هي حال المشاركين في “قطار المعرفة” ) هو أمر غير معتاد بالنسبة لي ، وأن يحرص على التحدث بلغة عربية فصيحة وهو في هذه السن هو أيضا أمر غير معتاد. نحن في مرحلة انتبهت فيها بعض المدارس ، وبعض أولياء الأمور إلى أهمية تنشئة الطفل على الثقافة والقراءة، وهذا أجمل ما في الأمر. يبقى فقط – من وجهة نظري – أن تتاح للطفل حرية أكبر في اختيار ما يقرأ، دون أن يعني هذا أنني ضد الرقابة على اختياراته . أقول ذلك لأنني لاحظت أن عددا لا بأس به من الأطفال يركز على نوعية تكاد تكون واحدة من القراءات، والبعض كان واضحا أنه حفظ تلخيص الكتاب ولكن دون فهم معناه ، ناهيك أن الحرص على التحدث باللغة العربية – كما فرض عليه معلموه – يخرجه أحيانا من عفويته الطفولية التي ينبغي أن نحرص عليها حرصنا على تثقيفه وتعليمه .

وينوّه مقدّم البرنامج سليمان المعمريّ أن البرنامج لم يكتف باستضافة أطفال عمانيين، بل أيضا أطفال عرب مقيمين في السلطنة، من سوريا وليبيا وتونس ومصر والأردن والعراق، وكان هؤلاء في غاية الذكاء ، وبرزت قدراتهم ومواهبهم المتعددة من خلال نوعية الكتب التي قرأوها .

المؤسسات الحكومية وأدب الطفل

وكان لابد من استغلال الحوار للتوجه بسؤال للكتاب والإعلامي سليمان المعمري حول مدى اهتمام المؤسسات الحكومية والأهلية بثقافة الطفل وأدبه. سليمان المعمري بصراحته المعهودة يقول:  رغم أنني أعتبر صدور قانون الطفل مؤخراً حدثاً مهما لصالح الطفل في عمان ، إلا أنني مازلتُ مؤمنا أن اهتمام المؤسسات الحكومية بثقافة الطفل وأدبه ما زالت – للأسف – دون الطموح، ولكم أحزنني فعلا أن تعلن الدولة عن تخصيص سنة للطفل عام 2012 ثم تأتي فعالياتها بعد ذلك هزيلة وغير مقنعة .

ويسرد الكاتب والإعلامي عددا من الهموم في هذا الشأن فيقول:

 ليس لدينا حتى الآن مكتبة متخصصة للطفل ، وليس لدينا مؤسسات كافية لرعاية الطفل . هناك صعوبات واضحة في التعلم يعاني منها الطفل اليوم ، سواء في القراءة أو الكتابة ، ولكن مع ذلك نتمسك بالأمل . أنظر باهتمام للإستراتيجية الوطنية للقراءة التي بدأت وزارة التربية والتعليم بتنفيذها ، وأتمنى مع مرور الوقت أن تؤتي أكلها .

مبادرات المؤسسات الأهلية

وعن دور المؤسسات الأهلية يقول سليمان المعمري:

بالنسبة للمؤسسات الأهلية هناك بعض المبادرات الناشطة في هذا المجال ، كما هي الحال في قافلة “كتابي صديقي” التابعة لمبادرة “القراءة نور وبصيرة” ، وكذلك “مكتبة السندباد” التابعة لجريدة الرؤية . ورغم هذين النموذجين المشرقين إلا أنني أرى مع ذلك أن المؤسسات الأهلية مقصرة ، فأين بقية المؤسسات الأهلية ، وأين هي شركات القطاع الخاص من تشجيع الطفل ورعايته .

الأسرة العمانية وأدب الطفل

يرى سليمان المعمري أن اهتمام الأسرة العمانية بأدب الطفل وثقافته دون الطموح ويقول:لا يمكن أن يخرج طفل مثقفا ومحبا للقراءة إذا كان أبواه لا يقرآن، وإذا كان معلمه مكتفيا بتحضير الدرس الثابت كل عام لا يزيد فيه ولا ينقص، وللأسف هذا هو واقعنا اليوم . الآباء – إلا من رحم ربك – تنصلوا من تربية أولادهم وتثقيفهم ظناً منهم أن هذه هي مهمة المدرسة فقط . وكثير من المعلمين لا يمكن أن ينقلوا عدوى القراءة لتلامذتهم لأنهم ببساطة لا يقرؤون، وفاقد الشيء لا يعطيه . أعطني أمّاً قارئة أعطك طفلا ذكيا ومثقفا ، وأعطني معلما مثقفا أعطك جيلا من الشباب الواعي المثقف القادر على خدمة وطنه ورفعة شأنه . لذا نحن بحاجة إلى تثقيف الكبار أولا – معلمين وأولياء أمور – ، ثم بعدها سيكون أمر تثقيف الصغار مجرد تحصيل حاصل

مكتبة الطفل

وعن الفكرة التي ظهرت منذ مدة تدعو لإنشاء مكتبة للطفل في عمان ، يرى سليمان المعمري أنه إذا كنا نعتبر ثقافة الطفل ضرورة فمن باب أولى أن هذه الثقافة لن تتأتي إلا بمكتبة كبيرة للطفل ، زاخرة بالكتب المفيدة التي من شأنها تنمية قدرات الطفل وتثقيفه وتدريبه على المهارات الحياتية . لذا فالمكتبة هي ضرورة كبرى – سواء كانت للصغار أو للكبار – وليست ترفاً ثقافيا .

اضف تعليق