التعليم عبر الحضارات ..الجزء الخامس: اليونان

“صقل التعليم أخلاق اليونان شعرا لا نثرا..”

بهذه العبارة يفتتح ديورانت في موسوعته قصة الحضارة حديثه عن التعليم لدى اليونانيين،ويعزز المؤلف عبارته بمثال أن الفلاسفة الأول أمثال زنوفانيز، وبرميدس، وأنبدقليز قد ألبسوا نظامهم الفلسفي ثوباً شعرياً؛ويضيف:

 وكما أن العلم كان في بداية الأمر صورة من صور الفلسفة تكافح لتكرر نفسها من الصور العامة النظرية غير القابلة للتحقيق، كذلك كانت الفلسفة في أول عهدها من صور الشعر، تحاول أن تتحرر من الأساطير، وتجسيد القوى ومنحها روحاً.

لذا كان شرح كلا من فرسيدس Pherecydes وانكسمندر لآرائهما سرداً نوعا من الأحداث المهمة والفاصلة في تاريخ اليونان.

وفي أثينا أنشأ اليونانييون ساحات للألعاب ومدارس للرياضة البدنية، وكان لها بعض الإشراف على المعلمين،ولم يكن في أثينا مدارس عامة أو جامعة تديرها الدولة ،بل ظل التعليم في أثينا في أيدي الأفراد حتى جاء أفلاطون ونادى بأن تنشئ الدولة المدارس والجامعات.

وكان المعلمون المحترفون ينشئون مدارسهم الخاصة لترسل إليهم الأسر أبنائها في سن السادسة،ويذكر ديورانت أن لفظ بيداجوجي لم يكن يُطلق عندهم على المعلم /المربي، بل كان يسمى به العبد الذي يصاحب الغلام كل يوم في ذهابه إلى المدرسة والعودة منها!

و” Péda ” وتعني الطفل، و” Agôgé ” وتعني القيادة والسياقة، وكذا التوجيه.

وكان التلميذ يبقى في المدرسة حتى يبلغ الرابعة عشرة أو السادسة عشرة من عمره، وإلى ما بعد السادسة عشرة إن كان من أبناء الأغنياء، ولم يكن في المدارس أدراج بل كان يكتفى فيها بالمقاعد؛ فكان التلميذ يضع على ركبتيه الملف الذي يقرأ منه، أو الصحيفة، أياً كانت مادتها، التي يكتب عليها؛ وكانت بعض المدارس تزدان بتماثيل لأبطال اليونان وآلهتهم، وهي عادة انتشرت فيما بعد انتشاراً واسعاً؛ وكان عدد قليل منها يمتاز بأثاثه المختلف والمتميز،وكان المعلم يقوم بتدريس كل المواد، ويُعنى بالأخلاق كما يُعنى بالعقول ،وكان المعلم يستخدم النعال للتأديب!

أما منهج الدراسة فكان ينقسم ثلاثة أقسام :الكتابة، والموسيقى، والألعاب الرياضية؛ وأضاف المجددون في أيام أرسطو إلى هذا المنهج كلا من الرسم والتصوير.

 وكانت الكتابة وقتها تشمل القراءة والحساب، وكانوا يستخدمون فيها الحروف لا الأرقام!

وكان كل تلميذ يتعلم العزف على القيثارة، وكان الكثير من مواد الدراسة يصاغ في عبارات شعرية وموسيقية و لم يكونوا يضيعون شيئاً من الوقت في تعليم أية لغة أجنبية، ولكنهم كانوا شديدي العناية بتعلم اللغة الوطنية.

 وكانت الألعاب الرياضية تُعَلم أكثر ما تعلم في مدارس الألعاب، ولم يكن الأثيني يعد متعلماً إذا لم يتقن المصارعة والسباحة واستعمال القوس والمقلاع.

أما تعليم البنات فكان مقتصرا على تعلم “تدبير المنزل”، وكانت الأمهات يحرصن على تعليم البنات القراءة والكتابة والحساب، والغزل والنسيج والتطريز، والرقص والغناء، والعزف على بعض الآلات الموسيقية.

أما الرجال فكانوا يتعلمون التعليم العالي على يد علماء البلاغة والسوفسطائيين (معلمي الحكمة/المفكرين) الذين يلقنونهم فن الخطابة، والعلوم الطبيعية، والفلسفة والتاريخ. وكان هؤلاء المعلمون المستقلون يستأجرون قاعات للمحاضرات بالقرب من مدارس الألعاب الرياضية!.

تذكر المراجع أنّه كان هناك إجماع من الفلاسفة اليونانيين على مكانة التربية والتعليم والنظر إليها كأسمى مكانة في البلاد، ولما أن سُئل أرستيبوس Aristippus بماذا يمتاز المتعلم عن الجاهل أجاب: “بما يمتاز به الجواد المروض على الجواد الجموح”؛ وأجاب أرسطو عن هذا السؤال نفسه بقوله: “بما يمتاز به الحي على الميت”.

اضف تعليق