التدريسُ هو العطاء: 7 هدايا قد يهديها كل معلم للآخرين

كتبه: تيري هيك

ترجمه : إبراهيم العزري

 

إن مبدأ (من الأفضل لك أن تُعطي دون انتظار مقابل) لا ينطبقُ فقط على إهداءِ الهدايا، بل ينطبقُ أيضًا على التعليم. ومفهومُ الإهداءِ في الواقعِ ليس مسألة إعطاء أكبرِ عددٍ من الهدايا فحسبْ، ولا يكون فقط بنية التحلي بأخلاقٍ كالإيثارِ و عدم الأنانية، لكنهُ مفهومٌ عميقٌ يمتدُّ إلى إدراك الهدف الأسمى منه أو رؤية ماهية ملامح الصورة الكاملة له ولآثاره، تلك الآثار المتأصلة في إيجاد نظام صحيٍ، قويٍ و فعالٍ للمجتمع البشري وأدائه الاجتماعي.

إن في هذه النقلة النوعية البسيطة لتغيير مفهوم “الهدية” لدى الكثيرين – المتلخص في هدية آثرت بها غيري على نفسي- يكمنُ مستوىً جديد لأدائنا الاجتماعي، وإدراكنا نحن المعلمين لذلك المفهوم يمنحنا كل الرضى والقناعة عند ممارسةِ حرفتنا، ويمنحنا قدرةً على تغيير حَيَواتِ الآخرين في المجتمعات التي نخدمها.

… لقد اخترتُ أن أقوم بشيءٍ مختلف هذه المرة في هذه السنة، وهو أن أغير منظور تركيزي على خدمة المجتمع، ليست كونها إحدى خصائص عملي، بل كونها هدفًا بعينها، ما يهمُّ حقًا هو ذلك المنتج النهائي لخدمة أسديها لمجتمعي.

نحن المعلمون –وبكل وضوح- سوف نبني هذا حول فكرة التعليم الموجه نحو الخدمات أو  Service-Oriented Teaching، ذلك التوجه الذي يزوِّدنا بطولِ البالِ وقوةِ الشخصية، ذلك الذي يوسع مداركنا ومنظورنا للأشياء وآراءنا اتجاهها لدى قيامنا بخدمة الآخرين، إنه التوجهُ الذي يُثْمِرُ عنهُ منافعُ تنمويةٌ أخرى تتضمن – على صعيد أعم- خلق بيئة شخصية واحترافية تمكننا من الصمود في ظل تحديات التدريس.

 

كيف يكون هذا؟

  • المعلمون الذين يحتاجوننا، والذين نحتاجهم
  • أولياء الأمور الذين يحتاجوننا، ونحتاجهم
  • الطلاب الذين يحتاجوننا لأغراض غير تلك المتعلقة بإيضاح التعليمات، ومنح الدرجات والعلامات.
  • مجتمع المدرسة الذي يحتاج أداءنا، وتكاتفنا، وأفكارنا كما نحتاجه نحن أيضا، مجتمع يتضمن طلابا بمراحل دراسية بمستويات أقل أو أعلى من مستوياتنا العلمية.

باختصار، يكون هذا بالاعتماد المتبادل أو interdependence.

إذا ماذا علي أن أفعل لكي أبدأ؟

 

هِبْ نفسك

إن المعلم شهيد في سبيل العلم، فغالبا ما يراود التربويين ذلك الشعور بالتوق إلى التضحية بكل ما في النفس حتى لا يتبقى لهم شيء. لكنَّ وَهْبَ النفسِ نوعٌ مختلف من الهدايا والهبات، فهو يعني حقا أن تعزل نفسك جانبا – أي تعزل رغبتك لتكون الأفضل، ومخاوفك، وأهدافك المهنية، حاجتك للحب والعاطفة وغيرها – في مقابل أن تكرس نفسك للعملية التعليمية.

وأهم من ذلك، أن التضحية بالنفس تعني أنك ستهب “جميع ما فيها” في سبيل التدريس – أي تهب إبداعك، عطفك ومشاعرك، ثقافتك، معارفك، وشبكات المعارف لديك، وأحلامك، وآمالك، وما إلى ذلك –بكل ما أوتيت من كيان خُلِقَ من نفسك وعملك.

 

أحسن الظن في الآخرين

سوف تصادف –كونك معلما- الكثير من الأزمات والمواقف، كأن يأتي فصل دراسي يقع فيه على عاتقك طلابٌ لا يجيدون القراءة قد أتوا من المدرسة الفلانية، أو أنه يبدو أن العائلة الفلانية لا تكترثُ لشأن أبنائها في المدرسة، أو زميل العمل ذاك الذي يبدو أنه يتحداك في كل شيء متى ما سنحت له الفرصة، أو ذلك الإداري الذي لا يفتأ أن يحاول جاهدا أن يكتشف عيوبا في أسلوب تعليمك. عملية التقييم تلك! ذلك القانون! تلك السياسة! أشياء تُشْعِرُكَ بالاِمْتِعاضْ.

إيّاكَ، ثم إيّاكَ أن تضع حدًا لتساؤلاتك عما يحدث حولك! كن تربويا بفِكرٍ نزّاعٍ للنقد البناء، اجعل اسألتك صارمة، لا تفتأ أن تطرح تساؤلاتك كلما أحسست أن شيئا ما لا يبدو على ما يرام. كن إيجابيا في كل الحالات – أحسن الظن في الآخرين، وقم بعمل افتراضات إيجابية، كأن تقول ردا على أحدهم: “لطالما كنا داعمين لمحو الأمية لكنني أشعر أنه ثمة خطبٌ حِيالَ…..”.

 

أعط نفسك الفرصة لتعلم أشياء جديدة

سوف أقوم بإهداء نفسي هدية “التعلم”. إنه من المنطق –كونك معلمًا- أن لا تضع حدا لفضولك وحبك للتعلم، ولا تكتفي بصب قوالب بمحتويات علمية جاهزة لا تتغير، تلقنها طلابك هكذا، بل عليك أن تَبُثَّ الحياةَ وروحَ التجديدِ في حِسِّكَ الفُضولي، وميولك للمخاطرة.

قد أقوم بتعلم طرق تعليمية جديدة أو أتعلم نظريات ونماذج تعليمية جديدة تفيد مهنتي… قد أقوم بتجربة تقنية جديدة في صفي، وقد أقرب التقنية من صفي أكثر.

لكنني لن أوقف فضول المعرفة لدي. تلك هي هديتي لنفسي.

 

أَلْهِمْ طلابك!

أريد أن أَهَبَ الإلهامَ لطلابي. ومن مِنَّا لا يُريدُ ذلك! وكيف لنا أن نفعل ذلك من دون أن نخلق جوًا تعليميًا يُمكِّن الطلابَ من فعل أشياء لم يظنوا يومًا أن باستطاعتهم فعلها! هديتي هذه تكمن في خلق فُرَصٍ لهم لكي يفاجئوا أنفسهم بإعمال مهاراتهم، وتفكيرهم النقدي، وإبداعهم، واستيعابهم العميق لأهم الأفكار.

 

اعطِ أولياء الأمور سببًا ليشاركوا في العملية التعليمية

لو بَدَأْتَ بالحديثِ والشكوى عن أولياءِ الأمورِ الذين لا يُلْقونَ بالًا لحال أبنائهم في المدارس فلن تصمت! وَمَنْ مِنّا يبحث عن وجع الرأس؟! لكن انخراط أولياء الأمور في العملية التعليمية ليست مسألة علامات وفروض منزلية بل هي خطوة في سبيل فهم ماهية أدوارهم في هذه العملية بالتالي تصبح مشاركتهم أكثر فعالية وإثراءًا. هناك احتمال بأنك سوف تَطَّلِعْ على المزيد من المعلومات من قبل أولياء الأمور تساعدك في فهم طلابك، وقد لا تَلْقَ لأسئلتكَ جوابًا، لكنك على الأقل أعطيتهم فرصة مغرية ليروا ما بداخل أسوار المدرسة، أمرًا لم يَحْضَوْا به من قبل.

 

أعطِ نفسك مقاييس جديدة للنجاح

لا تحاول الوصول إلى الكمال أيها المعلم! فالتدريس لا يمكنُ أن يُحْصَرَ في نُظُمٍ ومقاييس ومعايير وما إلى ذلك، كما نراه اليوم، وإنه من المستحيل أن نفعل ذلك. لا ولن يمكنك أن تجعل من “جميع” طلابكَ طلابًا مثاليين في كل ناحية من نواحي دراستهم، وفي نفس الوقت تحاول تلبية احتياجاتهم الفردية كبشر، وتساعدهم على إدراك قدراتهم الكامنة. وإذا كان هذا هدفُكَ فعلًا فإنك لن تعيش سوى في دوامةٍ لا نهائية من خيبات الأمل حتى تنطفأ شمعة حماسك أو حتى تدرك أنك لطالما كنتَ تكذبُ على نفسك.

لكن ما أجده أسهل على المعلمين وأوفر للطاقات والجهد هو المحاولة لإيجاد معايير أخرى للنجاح بعيدة عن المثالية.

 

أعطِ نفسك مُتَنفَّسًا وَ مُتَّسَعًا

إن جميع الهدايا الآنفُ ذِكْرُهَا تُمَثِّلُ الكثيرَ من العطاء، والكثيرَ من الجُهد، والاعتماد المتبادل، والفرص، والعمل، و كذلك تمثل احتمالات للفشل. وبغض النظر عن هذا كله، قررت أن أعطي نفسي مُتَنفَّسًا في هذه السنة. سَأَهَبُ نفسي، وسأُحسن الظنَّ بالآخرين، وسأتعلمُ أشياءَ جديدة، وسأشجعُ طلابي على اكتشاف ذواتِهِمْ، وسأتواصل مع مجتمعي، وسأقوم بإيجاد معايير جديدة للنجاح. سوف لن يتطلب مني نسيان ما قد أشعر به من ضيق سوى لحظات. سأعطي لنفسي متسعًا من الوقت ومتنفسًا، سأمضي لغدي بكل تفاؤل.

 

ماذا سَتَهِبْ؟ كيف سَتَهِبُ أكثر وأكثر؟ إن العطاء يبدأ بمشاركة أفكارنا مع بعضنا البعض.

 

المصدر : (اضغط هنا)

اضف تعليق