الترخيص لمهنة التعليم و واقعية الطرح

لقد أدت دعوات  الاهتمام بموضوع تمهين التعليم ، إلى ظهور  مفهوم الترخيص لممارسة مهنة التعليم . وهذا التوجه له إرهاصاته ومقدماته،  وله دلالاته ومقاصده،  وله إجراءاته وقواعده ، وجميعها مسائل تتطلب دراسة تحليلية فاحصة بهدف التعرف على طبيعته، فضلا عن إمكانية الإفادة منه في ظل نظام تعليمي تحكمه مبادئ وقيم مجتمعيه قبل نظريات وتوجهات عالمية،فالدعوات المستمرة لتمهين التعليم  والترخيص لمهنة المعلم ، ليست مجرد آراء ومقترحات ترفع من هناك وهناك، أو مجرد أحاديث في اروقة المؤسسات واجتماعات أو تصريحات لبعض المسؤولين في وسائل الاعلام، بل يتطلب وجودها مجموعة من الإجراءات التي تسبق عملية الترخيص، ودراسة الجدوى التي يمكن أن يحققها هذا التوجه ، في ظل تساؤلات حول مدى توفر المقومات اللازمة  لهذا العمل في هذه المرحلة من حيث اكتمال الهيئة التدريسية للمواد الدراسية  أو من حيث اكتمال البنية التشريعية والقانونية المتمثلة في وجود ( قانون التعليم )، وما قد أفرزه الواقع الجديد من ظهور مؤسسات جديدة  يعنيها شأن التعليم بشكل مباشر في إطار توجيهات سامية بتقييم شامل ومراجعة مقنعة لمسيرة التعليم وسياساته وخططه وبرامجه، وبالتالي كان من المهم أن تظهر في الصورة قراءة حقيقة لهذا العمل بإيجابياته وسلبياته، نجاحاته واخفاقاته، امكانياته وموارده في ظل وجود مؤشرات تؤكد الحاجة إلى المعلمين في كل التخصصات ونقصان في الكادر التعليمي في أكثرها .

لست هنا مع أو ضد رخص المعلمين، ولكني استقرئ الواقع التعليمي في ظل مرحلة تحول يدرك الجميع معطياتها وإرهاصاتها ومحدداتها ، فمن جهة نحن بحاجة للمعلم المجيد، وفي المقابل تنبئنا خطط مؤسسات التعليم العالي واحتياجات وزارة التربية إلى مستقبل قد لا نجد فيه المعلم العماني، وتصل فيه نسبة النقص في الكادر التعليمي في ظل ادخال بعض المواد الجديدة في الخطط الدراسية إلى 100%. في ظل واقع اجتماعي الجميع فيه يجب أن يحصل على وظيفه؟

إن من بين الجوانب التي أرى ضرورة الوقوف عندها عند أي حديث عن موضوع الترخيص ما يأتي:

  1. إن اقتراح العمل بترخيص مهنة المعلم يستدعي  الحاجة إلى  اعتماد نظام  خاص للمعلمين  داخل وزارة التربية والتعليم( قانون التعليم).
  2. الحاجة إلى تعزيز جودة التدريب ونوعية برامج الإنماء المهني المقدمة للمعلمين ، وهو ما يتطلب إعادة التأهيل والإنماء المهني للمعلمين في ضوء أوجه القصور التي شابت الإعداد من جهة ونوعية التدريب الحاصل ومحتواه من جهة أخرى .
  3. يتطلب العمل بالترخيص تعزيز جانب الحوافز للمعلمين المجيدين ليواصلوا رفع قدراتهم كجزء من متطلبات ترقيتهم، وأن يرتبط المسار المهني للمعلم بالمسار الوظيفي والذي لا يزال مجرد دعوات تردد بدون واقع فعلي يترجمها  .
  4. تشكل معايير القبول في مؤسسات الإعداد تحديا يستدعي منها أن تتواكب في أنظمتها مع عملية تمهين التعليم وأن تتم مراجعة شروط الالتحاق  والقبول من خلال إجراء اختبارات  ومقاييس الميول  والرغبات والقدرات في ظل واقع يشير إلى عدم الوصول إلى رؤية موحدة  بين مؤسسات التعليم في هذا الجانب.
  5. إن قلة أعداد المعلمين العمانيين في بعض المواد الدراسية يجعل من عملية منح رخصة لمهنة التعليم أمر سابق لأوانه، فإن نسبة التعمين في بعض المواد، مثلا مواد  التنمية الفردية لم تكن بالشكل المطلوب  وبخاصة في التربية الموسيقية التي قد تصل النسبة فيها إلى 0%، بالإضافة إلى مواد أخرى، في ظل مؤشرات تؤكد أن وزارة التربية والتعليم ستواجه نقصا كبيرا في اعداد المعلمين في مواد العلوم الإنسانية، ناهيك عما تحتاجه من أعداد كبيرة جدا من المعلمين في مواد العلوم التطبيقية في ظل اتجاه الخيارات الطلابية  نحو مواد العلوم والرياضيات والتقنية.
  6. إن تغيير قناعات المجتمع والأهالي في هذا الجانب يتطلب أن تتخذ مؤسسات الدولة المعنية بالتعليم، ومجلس التعليم، ومجلس عمان ( الدولة والشورى) ومجلس الوزراء الموقر خطوات عملية وإجرائية في سبيل توعية المجتمع والمواطن ، مع ما يتطلبه ذلك من وقت أطول لنشر ثقافة الترخيص في المجتمع التربوي والمحلي. فإن على  المجتمع  وأولياء الأمور أن يكونوا أكثر وعيا في هذا الجانب، وأنه عند  الأخذ بهذا المبدأ ، فإنه لا يتوقع وجود الشاغر عاجلا  في المدارس الحكومية لكل الخريجين الجدد من المعلمين، وعليهم ترقب الفرص  الأخرى المتاحة في  القطاع الخاص التي تقع عليها  أيضا مسؤولية  احتضان هؤلاء الخريجين وتوظيفهم في أماكن تليق  بهم ومستوياتهم المعرفية والأدائية.
  7. وحتى نكون أكثر حيادية فقد عملت وزارة التربية والتعليم  في السنوات الماضية إلى محاولة الأخذ بهذا المفهوم ( التمهين) في إطار من الفعل المجرب حيث  اشترطت على خريجي اللغة الانجليزية  تقديم اختبارات في التوفل والايلتس  (   IELTS TOEFL &  )، وهي تعتقد في  هذا التوجه فرصة مهمة للمؤسسات الوطنية في مراجعة و إعادة صياغة برامجها من جديد، ولكن ما مستوى التفاعل الذي ارتبط بهذا الفعل، هو ما كشفته حقيقة التعيينات المستمرة للكادر التعليمي.
  8. ما البديل عن المعلم في حال ثبوت عدم قدرته على انجازه لاختبارات تقييم وكفاءة  الأداء وتحديد إن كان بإمكانهم مزاولة مهنة التدريس أم لا؟ خاصة في ظل المؤشرات الحالية التي تظهر ضعف القناعة المهنية لدى المعلم وفتور جانب الثقة فيما تقوم به المؤسسة التعليمية من جهود، وهو أمر بحاجة إلى معالجة أخرى تأخذ في  الحسبان الكثير من المتغيرات والوقوف عند العديد من المحطات في العمل المؤسسي،

 

في تقديري فإن المسألة بحاجة إلى معالجة وطنية نوعية، تتفاعل كل الجهود المؤسسية في بلوغ أهدافها، إنها بحاجة إلى إرادة وقناعة، وقبلها بحاجة إلى الاعتراف بالقصور المؤسسي في جوانب التخطيط والتنفيذ والبعد عن الأنا، وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، إنها بحاجة إلى ضمير أمة وإرادة دولة ومنهج مؤسسي يرسم طريق المستقبل لأبناء عمان وبناتها ، فلنعي ما يريده المعلم أولا وما هو بحاجة إليه وما هي أولوياته وما هو واقعه ، وما يتوفر له وما يمتلكه، وبعدها نستطيع أن نقرر ليبدأ القرار من المعلم ذاته …

د. رجب بن علي العويسي

Rajab.2020@hotmail.com

اضف تعليق