“كان أبي معلما”

قراءة : أميرة الطالعي

يقدم رائد كتب الأطفال بالعالم العربي عبد التواب يوسف رواية ” كان أبي معلما ” عن الدار المصرية اللبنانية، وهي سيرة أدبية وصفها الكاتب بأنها “قصة نضال وطن ومعلم خلال النصف الأول من القرن العشرين” أهداها  “إلى كل من حمل شرف لقب معلم مع كل الود والحب والتقدير”.

يروي المؤلف سيرة والده المعلم منذ كان طفلا متفوقا في حفظ كِتاب الله في كتّاب القرية، ثم  طالبا مثابرا في مدرسة المعلمين في بني سويف، وكيف أصبح  معلما متألقا وثائرا ، وكيف كانت رؤيته حول مهنة التدريس وكيف مارسها، كما يحكي لنا قصص انتقاله بين عدة مدارس وعن أساليب تعامله مع تلاميذه؛ عرض هذا كله في سبعة فصول هي فصول الكِتاب أولها فصل لحظة العمر، وثانيها: عريف الكتّاب، أما ثالثها فكان بعنوان : طالب بالمعلمين، ثم الفصل الرابع: الدرس الأول، ثم الفصل الخامس بعنوان المعلم الثائر، ويأتي الفصل السادس باسم حضرة الناظر، والفصل السابع ، والأخير: معهد الايتام ثم الخاتمة، وملحق بنفس الطبعة ترجمة الرواية باللغة الإنجليزية.

تدور أحداث الرواية في الفترة من عام 1898 إلى عام1950 في مصر، وتحديدا بين قرى ومدن بني سويف، ينشأ الأب المعلم “يوسف” في قرية ” شنر” وهي قرية بعيدة  “يحتاج المرء في يومنا هذا أن يستقل المواصلات بأنواعها كي ينتقل إليها”  . هذه القرية – بالرغم من بعدها-  ساهمت في رسم ملامح شخصية الأب المعلم منذ صغره، وأسهمت إلى حد كبير في ظهور طالب علم متميز في حقبة تاريخية لم تكن مصادر العلم والمعرفة متاحة أو متوفرة للبسطاء من أهل القرى بل أن هذه القرية لم تكن بها مدرسة!

عوامل عديدة ساهمت في إثراء شخصية “يوسف”، فوالده وجدته اللذان تعهداه بالحب والحنان منذ ولادته، وشيخ الكتّاب عبد السميع وزوجته فاطمة ودورهما في رعاية “يوسف” الطفل وتعهده في حفظ كِتاب الله وإعطائه المسؤولية في المشاركة بتحفيظ كِتاب الله لأقرانه، وإدارة الكتّاب في غياب الشيخ، كذلك حرص شيخ الكتّاب واهتمامه بإطلاع “يوسف” على ما يدور في البلد من أحداث سياسية واقتصادية، و تقدير أهل القرية للفتى، ولتميزه عن أقرانه في حبه للعلم والتزامه وثقافته، وأثر الزيارة اليتيمة لمفتش وزارة المعارف للكتّاب والذي ظلت نصيحته ل ” يوسف” بأن يواصل تعليمه تدوي في أذن الفتى الصغير، كل هذه الظروف هيأت له مناخا محببا ومشجعا على العلم والتعلم .

إكمال التعليم في ذلك الزمن -ولأطفال القرى خاصة- كان أمرا غاية في الصعوبة والتعقيد، ولكن “يوسف” وبما اتسم به من إيمان قوي وتفاؤل وصبر، وما تحلى به من تصميم وثقة بالنفس، نجح في تذليل تلك العقبات وحقق حلمه في الالتحاق بمدرسة المعلمين، وفيها تألق يوسف كعادته وعرف عند معلميه وزملائه بنهمه الشديد للعلم والمعرفة وبتدينه وأخلاقه وبعزة نفسه وسعة اطلاعه، ويسرد الكاتب عن هذه الفترة قائلا  “مضت السنوات الثلاث …الحرب تطحن العالم ..والسلطة تطحن مصر.. والفتى موزع اللب بين وطنه، ودرسه وعلمه وحياته. كانت أياما خصيبه، وإن لم تكن سعيدة ..ومضت بكل مرارتها، وحلاوتها إن وجدت والنجاح ملازم لفتانا، عاما بعد عام .وهو أول الناجحين في كل السنوات الدراسية. وما إن تنتهي كل سنة منها حتى يهرع إلى قريته يشبع عينيه ووجدانه منها، ومن الناس والأرض. فيقضي فيها شهور الإجازة ليعود أكثر إصرارا على مواصلة الدرس، حتى حصل على الشهادة التي تؤهله لأن يصبح معلما. نهاية سعيدة لسنين قاسية! ”

أستطاع الكاتب ان ينقل لنا بأسلوب رائع مشاعر المعلم “يوسف” قبل يومه الأول في المدرسة، و كيف فشل في استدعاء النوم إلى عينيه ، وكيف هاجمته الأفكار والخواطر والهواجس، وكيف ألح عليه خاطر: هل يصلح لهذه المهنة؟  ولكن ” يوسف” المعلم ينجح في درسه الأول في يومه الأول ويستطيع أن يبهر تلاميذه ويلفت أنظارهم بأسلوب تربوي رائع، “وتكررت الأعوام ولكنها ما تشابهت وما تطابقت، كان لكل منها شخصيته المحددة المتجددة وميزته الواضحة البينة”

برزت شخصية ” المعلم الثائر” في سنوات تدريسه الأولى، في خضم ما تمر به البلاد من ظروف سياسية حرجة، ولم يكن لقمع سلطة الاحتلال وقسوتها وتهورها أن يثنيه عن المشاركة في الملحمة التي تصنعها مصر في ذلك الوقت ضد الاحتلال، وما توانت تلك السلطة عن فصله ليعود كسيرا حزينا إلى قريته، وتمضي فترة طويلة قبل أن تعيد الحكومة المفصولين إلى أعمالهم، ويرجع المعلم ” يوسف ” إلى تلاميذه ليغرس حب الوطن في أعماقهم.

وهب  المعلم “يوسف” عطاءا منقطع النظير لمهنة التعليم التي كان يرى  أنها رسالة وحياة، ساعده في ذلك شخصيته القوية وسعة اطلاعه، وتمكنه في تدريسه وحبه لعمله وتحمسه له، لذا كان نجاحه مبهرا  في كل مدرسة يحل بها وبصمته خالده على تلاميذه، ويختم حياته المهنية مديرا في معهد الأيتام، والذي توج فيه سنوات عمله، فكانت تلك أجمل الأيام واكثرها إنتاجا وإنجازا حتى اشتد به المرض، وسلم الروح، ليشيعه محبيه في جنازة مهيبة يرتفع فيها الهتاف “إلى جنة الخلد أيها المعلم العظيم ” ويردد المشيعون الهتاف وتختلف الصفة التي يطلقونها عليه في كل مرة فهو المعلم المناضل وهو المعلم الحائر وهو الأب الحنون.

اضف تعليق