التَّحَكُّم بِسُلْطَةِ الكلماتْ: تعليم الطلاب كيفية التعامل مع الشتائم في المدرسة

كتبه: ريتشارد كوروين

ترجمه : إبراهيم العزري

 

أَذْكُرُ أنه عندما كان عمري ستة أعوام، قمت يومًا بشتم أخي بأن أطلقت عليه كلمةً أجدني أخجل من ذكرها هنا! فأخذتني جدتي جانبًا لما سمعتني وقالت: “يا بني، ليس هناك ثمة كلمات سيئة، لكن بعض الكلمات تجعل الآخرين يشعرون بالاستياء منك. لا بأس عليك لو تفوهت بما نَعَتَّ به أخاك للتو عندما تكون بصحبة نفسك فقط، لكن ليس بِحَضْرَةِ الآخرين”. والحكمة التي تفوهت بها جدتي هنا هي أنه ليس من الأخلاق أن تؤذي الآخرين – بأن تقذفهم بأقبح الشتائم -، وكان هذا ما تربيت عليه حقًا، بالرغم من أنني لم أكن قَطُّ – ولن أكون-  قادرًا على تطبيق هذه القيمة الأخلاقية المهمة في حياتي على الدوام.

لقد أخذني الأمر 50 سنة لأستوعب حقًا فحوى حكمة جدتي. وأخيرًا أدركتُ أن الدرس المهم الذي علمتني إياه هو أنه كم نحن قادرون على إعطاء القوة والتأثير للكلمات التي نتفوه بها، فهذه القوة تعني السيطرة والتحكم، وليس لكلماتنا أدنى سلطة علينا أو على غيرنا لو كانت بمفردها، بل إن قيامنا بربط كلمات معينة بروابط عاطفية معينة هو ما يعطيها القوة بأن تُواسي، أو أن تُعبر عن الحب، أو حتى أن تُثير سَخَطَنا. إن العديد من الكلمات تتسم بتلك القوة لدرجة أنها قد تُفْقِدُ الناسَ وظائفهم أو قد تُرْدِيهِم قتلى بسببها.

من أمثال الكلمات النابيَّة الشائعة تلك التي تتضمن الاعتداء ضد عِرْقٍ من الأعراق، أو تلك الكلمات العنصرية، أو التي من شأنها الاستهانة بالأديان الأخرى، أو تلك المتعلقة بالميول الجنسية، أو تلك التي تهاجم ثقافة من الثقافات. وللأطفال محصول إضافي من المفردات المسيئة التي قد تتسبب في ردود فعل عنيفة كتلك التي تسخر من هيئة أحدهم، أو تعليق ما عن فرد من أفراد عائلة ما (خاصة الأم)، أو تلك الكلمات المسيئة للطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة، أو الكلمات الدالة على الانضمام لعصابة من العصابات الطلابية المشاغبة، أو ما يتم إطلاقه من تعليقات على لبس أحدهم. و يضطر معظم المعلمين إلى التعامل مع تلك الشتائم وعواقبها على الدوام. كما نجد اليوم أن العراك والمشاجرة بين الطلاب واحدة من أكثر المشاكل الاجتماعية جدية في مدارسنا.

لدي 3 طرقٍ ناجعة وفعالة لتخفيف وطأة الشتائم على الأطفال، وقد توصلت لها بإرشادٍ من ما قالته لي جدتي منذ سنوات عديدة خَلَتْ. والمبدأ الرئيسي هنا هو تقليل الروابط العاطفية في تلك الكلمات، فلو أننا قمنا بنزع مصدر القوة فيها – وهي العواطف – ، لما عاد لها أدنى سلطة علينا. إن كلًا من الأطفال والبالغين يجدون صعوبات بالغة في تعلم هذا، بل لا يدركون أن الفضل يرجع إليه في تغيير حياة أحدهم بشكل كبير. إذن يتلخص مبدئي هذا في عدم السماح للآخرين بالتحكم في تصرفاتنا.

قبل أن أَهُمَّ بذكر التقنيات الثلاث، دعوني أذكر لكم هنا أننا قد قمنا أنا وزميلي “آلين ميندلر” بتدريس هذه المهارات الثلاث للمعلمين. قال العديد منهم أنهم لم يصدقوا في البداية أن يكون لهذه التقنيات أدنى تأثير، وبعد أن طبق الحاضرون ما تعلموه جائني نفس المعلمون لاحقًا، بعد أن خابت توقعاتهم، قائلين بأن التقنيات الثلاث قد قامت بمفعولها. وأتمنى – أعزائي القراء- لو أنكم ستنتهزون الفرصة وتجربون هذه التقنيات الثلاث. أعتقد أنه ليس لديكم ما تخسرونه!

والتقنيات هي:

1.اخلق تصورًا ذهنيًا جديدًا عن الكلمات النابية

إن مفعول هذه الطريقة يكون في أفضل حالاته عند استخدامها مع الطلاب الأصغر سنًا. اطلب منهم التفكير بكل الكلمات التي من شأنها أن تجرح مشاعرهم، وقم بعمل قائمة شاملة لتلك الكلمات. من ثمَّ علَّمهم كيف يتخيلون الشخص الذي يتفوه بتلك الكلمات النابية وهو في زي مهرج أو كما لو أن موزًا يبرز من كلتا أذنيه. يمكنك استعمال أي تصور ذهني يَتَّسِمْ بالسخافة، وفي نفس الوقت، علِّمهم كيف يتلقون تلك الكلمات عند سماعها لكن مُحَرَّفَة، كأن يسمعوا “مُهَرِّجْ!” بدلًا من “أُمَّكْ!”. صحيحٌ أن الأمر يتطلب أسابيع من التدريب لكن الأطفال سرعان ما يتعلمون كيف يُبدِلونَ مشاعر الكره الناتجة عن تلقي شتيمة ما بأخرى “سخيفة”، كتلك التي قد تثير الضحك. وقد لا ينجح مفعول هذه التقنية مع جميع طلابك، لكنها ستنجح حتمًا مع العديد منهم، خاصة لو أنك أخذت الوقت الكافي لتدريبهم.

2. حاول أن تفهم موقف من أساء إليك

إن زميلي “آلميندر” يقترح سؤالين يمكن للمعلم كتابتهما على السبورة بالنسبة لحالات الطلاب الأكبر سنًا، هما:

  • عدّد بعض الأشياء التي قد يتفوه بها الطلاب الآخرين بهدف إثارة غضبك . (والجواب المشترك لهذا السؤال هو “أمك”)
  • لِمَ يقوم هؤلاء بفعل هكذا أشياء؟

قد يتأتَّى عن مناقشة السؤال الثاني أسئلة أخرى أكثر عمقًا، هي:

  • هل يتفوهون بتلك الكلمات لأنهم مهتمون بما تفعله أمك؟
  • هل يتفوهون بتلك الكلمات لأنهم يريدون لك أن تكون سعيدًا؟
  • هل يحاولون مساعدتك بفعل تلك الأشياء؟

وفي كل الأحوال سوف يقوم الطلاب  – حتى أولئك سريعو الغضب – بالتوصل إلى خاتمةٍ واحدة وهي أن ما تم فعله أو قوله لا يُقصد به سوى جرح المشاعر واستثارة مشاعر الاستياء. هنا يأتي دور الطالب لاتخاذ موقف صارم تجاه ما قيل له من كلمات نابية ، والتفكير في رد فعلٍ يُظْهِرَ فيه للآخرين أنه ليس بالإمكان جرح مشاعره وأنه لن يرُدَّ بعدائية اتجاهها. وفي العادة، يكوِّنُ الطلاب ردود الأفعال عدائية بعبارات مثل:

  • كم أَوَدُّ لَكْمَكَ على وجهك، لكنك لا تستأهل الأمر!
  • ليس من الشجاعةِ أن تشتمني، لكن سأُريكَ الشجاعة الحقيقة وسأتجاهلك!
  • ربما أسأتُ إليكَ من دون أن أشعر، لم لا نتكلم لاحقًا عندما يفتر غضبي ويتلاشى، و ونناقش الأمر للتوصل إلى حل ما.

3- كُن على علمٍ أنه بردود أفعالك العدائية فإنك تُعطي القوة لمن أساء إليك

عندما تكون ردود أفعالنا عنيفة تجاه من أساؤوا إلينا، فإننا بذلك نفقد السيطرة والتحكم بمشاعرنا وتصرفاتنا. عزيزي المعلم، لمساعدة طلابك على فهم ماهية هذه الهزيمة العاطفية فما عليك إلا مناقشة الأسئلة التالية:

  • لو أن أحدهم وجَّهَ كلامًا جارحًا إليك، هل تعتقد بأن لديك الحق في أن تغضب أو بيدك قرار توليد رد فعلك؟
  • إذا اخترت أن تغضب وكانت ردة فعلك عنيفة، هل تعتقد بأنَّ ما تفعله الآن هو نفس الشيء الذي يريدك الشخص المُسيء أن تفعله؟ ألا تعتقد بأن ذلك الشخص يريدك أن تستنزف كلَّ مشاعر الغضب لديك حتى تصل لدرجة الاستياء والإحباط؟
  • هل تريد أن يتحكم أحدهم بك بجرح مشاعرك في كل مرة؟
  • لو كان لديك الحق في توليد ردِّ فعلٍ غاضب، لكنك اخترت أن تتحكم بمشاعرك وتصرفاتك، ماذا ستفعل حيال ذلك؟

ها هي التمارين الثلاثة بين أيديكم إذن! وهي مصممة لتعليم الطلاب كيف أن الكلمات لها السلطة على جرحنا فقط لو أننا سمحنا لها بذلك. لدينا العديد من الخيارات لنولِّد من خلالها ردود أفعالنا حيال موقف يدعو للغضب والاستياء، وأفضل هذه الخيارات تتطلب التدريب المستمر وتذكير النفس بها لو أردنا أن نطبق هذه الطرق بفعالية.

 والآن – عزيزي المعلم- كيف ستساعد طلابك على التعامل مع مختلف الإساءات من جراء تلقِّي الكلمات النابية؟ 

المصدر : (اضغط هنا)

اضف تعليق