الأمن الإنساني في البيئة المدرسية

يعكس الأمن الإنساني حالة التحول في المنظور الأمني عامة من النظرة التقليدية الضيقة التي تحكر الأمن في مؤسسة بعينها أو ما يقوم به الجنود من الدفاع عن الأرض إلى أن أصبح الأمن سلوك فردي ومجتمعي على حد سواء.  فالأمن الإنساني معالجة شاملة للسلوك البشري تتناول أبعاده النفسية والفكرية والاجتماعية والوظيفية والأخلاقية والسلوكية بحيث يتوافق في كل ممارساته مع السعي لبلوغ درجات السكينة والطمأنينة وتحقيق أفضل الإنجازات وفق معايير الذوق والأخلاق والرقي بالذات، بحيث يصبح الأمن ممارسة تعكس مستويات الالتزام والتسامح والحوار لدى الفرد وقدرته على التعامل مع التحديات الحياتية اليومية والمواقف المتنوعة بأسلوب راق تعلوه حكمة الضمير وحسن التصرف ومنهجية العمل.

ولا شك بأن الحديث اليوم عن الأمن في بيئة المدرسة يستدعي قراءة معمقة لهذه البيئة وما تحويه من تفاعلات وتحتضنه من إمكانات وترصده من مواقف ، وقدرة البيئة المدرسية على بلوغ درجة الأمن الإنساني فيما توجده من فرص لنمو ذات الطالب وشعوره بأنه يمارس دور الجماعة في مجتمع مدرسي يدير قضاياه وفق تخطيط دقيق وتنظيم سليم وإطار عام مشترك يتقاسم من بداخله قيما مشتركة تعزز فيه ثقافات راقية وتمكنه من بناء مناخ سليم حر قائم على الإحترام والإبتكار والإنتاجية والتعايش، و المجتمع المدرسي يدرك أيضا أن بناء مناخات الأمن والأمان والسكينة والاستقرار لمن هم بداخله يتطلب منه أن يعي نوعية التأثير الخارجي القادم وحجمه وآلياته وأهدافه فيتيح فرص التفاعل معه بإيجابية ويتعاطى مع سلبياته ببناء قدرات الطلبة وتعزيز مهاراتهم وترسيخ قيم الحياة الواعية وجمالياتها ، ويبتكر من الوسائل وأطر العمل ما يتيح له فرص اكتشاف الفرص وما يختزنه من موارد وهنا يمكن أن نشير إلى أن إدارة محور التغيير وصياغة طبيعة التحول يتم من خلال توظيف موارد المدرسة وعناصرها فمثلا تؤدي المناهج الدراسية في شموليتها واتساع رؤيتها ومعياريتها وقدرتها على إشباع رغبات المتعلم الفكرية والمنهجية دورا محوريا تنقل المتعلم من  المصطلحات الضيقة التي تحجم المنهج في كتاب معين أو ورقات محددة، فهي بالتالي معايير للسلوك ومنظومة متفاعلة من القيم والمبادئ والأفكار التي توجه لبناء الذات وتعزيز القدرات وفهم متطلبات الحياة، وهذا الأمر بلا شك يعطي  شمولية واتساع في مفهوم المنهج المدرسي معزز بتقييم مستمر للممارسة وفق ضوابط ومعايير  تستهدف  تصحيح المسار وتوجيه الفرد عند استثمار المتاح له في بناء ذاته وتأصيل عادات مجتمعية نوعية وممارسات حسنة. بحيث يجد الأمن طريقه في سلوكيات المتعلم وممارساته ونطاق تفكيره وحديثه وتعامله مع موارد المدرسة ومع المعلم وإدارة المدرسة، فهو بالتالي يعكس حالة الإمتزاج الفكري التي تسمو بها النفس الإنسانية عندما تدرك حقيقة الأمن في حياتها وممارساتها، فيصبح الأمن حاضر في كل أقواله وأفعاله بحرصه والتزامه وثقافته وولائه وانتمائه ومواطنته وتقديره للأمور وتصرفاته في المواقف ، وهو ما نعتقد بأن المناهج عليها أن تعمل على تحقيقه،

إن مدارسنا وبحمد الله تعيش حالة وعي بقيمة الأمن والأمان بفضل ما تستند إليه من سياسات وخطط وموجهات للعمل وموارد بشرية تمتلك قناعات إيجابية ممزوجة بقيم وطنية وروح وثابة صادقة مخلصة نحو البناء والتطوير، ولهذا فهي مرشحة لاستحقاق هذه المسؤولية وما تختزنه من  نماذج مضيئة في إنسانيتها وانتمائها في توظيف هذا الرصيد الفكري والأخلاقي ومفردات الذوق والجمال يستدعي في الوقت نفسه جهدا أكبر في ابتكار آليات اكتشافها وتوجيهها لصالح تحقيق بيئة مدرسية آمنة، بحيث تقلل من مستوى التأثير المحتمل للمعيقات أو منغصات السعادة التي لا ننكر بوجودها كممارسة فردية ، ومع ذلك ندرك أيضا أن  وجود بعض الممارسات  الفردية لا يقلل من ثقتنا فيما تقوم به المدارس من مبادرات مجيدة في التعامل مع هذه الممارسات والإنطلاقة بها لترسيخ جودة الحياة المدرسية والبحث في الصندوق الأسود بكل مهنية وبحس مسؤول.

د. رجب بن علي العويسي

Rajab.2020@hotmail.com

اضف تعليق