محو الأمية التقنية لدى المرأة العمانية

د. علي بن شرف الموسوي

تواجه المرأة العربية، التي تمثل حوالي نصف المجتمع العربي، العديد من التحديات التي تمنعها من القيام بدور فعال في المجالات المختلفة من الحياة المجتمعية في الدول العربية. وإيمانا بأهمية دور المرأة في النهوض بالمجتمعات العربية تهدف منظمه المرأة العربية إلى تمكين المرأة من خلال إعداد خطة عمل طموحة تعتمد على مشاريع للنهوض بالمرأة في مجالات متعددة، ويأتي التعليم في مقدمتها كمجال حيوي ينبغي للمرأة أن تشارك فيه. وقد ركز مشروع هذا العام على كيفية صياغة البرامج الفعالة لمحو الأمية التقنية لدى المرأة العربية؛ ليكون بإمكانها اللحاق بركب التطور الحادث في مجال تقنية المعلومات الذي أصبحت أميّته توازي أمية الكتابة في القرن الماضي.

وتشكّل المرأة (49.5%) من السكان العمانيين؛ وقد حظيت المرأة العمانية منذ انطلاقة النهضة العمانية بعناية فائقة، من لدن جلالة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان، إذ فتحت أمامها فرص كاملة للتعليم بكل مراحله ومستوياته والعمل في مختلف المجالات والمشاركة في مسيرة البناء الوطني، وقد تجسد ذلك على نحو واضح من خلال رؤية ترتكز على الثقة الكاملة في قدرات المواطن العماني من ناحية والعمل على الاستفادة القصوى من الموارد البشرية العمانية من ناحية أخرى. وقد أكد جلالته اهتمامه بدورها حين قال: “ولم يغب عن بالنا تعليم الفتاة وهي نصف المجتمع”.

وقد استطاعت المرأة العمانية في السنوات القليلة الماضية أن تثبت قدراتها العلمية وكفاءتها العملية حيث تعتبر الخطوات التي قطعتها وما حققته من إنجازات أكبر دليل على جدارتها، فقد عملت في مجالات الطب والتدريس والاقتصاد وإدارة الأعمال والحرف اليدوية والأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية. فقد كانت المرأة العمانية أول امرأة عربية تنخرط بجدية ونجاح في سلك الشرطة والأمن منذ عام (1972). وتحتل المرأة العمانية ما يقارب (12%) من الوظائف العليا في الدولة. في حين تبلغ نسبة عدد العاملات العمانيات في قطاع الخدمة المدنية حوالي (31%). بينما تشغل المرأة ما يقارب (19%) من وظائف الهيئات والمؤسسات العامة غير الخاضعة لنظام الخدمة المدنية حيث تبلغ نسبة عدد العاملات في القطاع الخاص حوالي (18%) من مجموع العاملين.

وقد كفل النظام الأساسي العماني للمرأة الحق في التعليم، فقد نصت المادة (13) منه على أن التعليم ركن أساسي لتقدم المجتمع ترعاه الدولة وتسعى لنشره وتعميمه. فهذا الحق مضمون للجنسين ولا توجد نصوص قانونية تحكرالتعليم على الرجال. ويحظى قطاع التعليم العماني باهتمام كبير ومتواصل على مدى السنوات الثلاث والثلاثين الماضية ليس فقط من أحل إتاحة فرصة التعليم أمام المواطن إلى أبعد مدى يمكن الوصول إليه، ولكن أيضا إعداده وتأهيله على أفضل المستويات وذلك بربط هذا التعليم بثقافة الأمة وحضارتها وموروثاتها التاريخي من ناحية. وبمناهج العصر وأدواته وتقنياته من ناحية أخرى.

وتعد تقنيات الاتصال والمعلومات الآن من المقومات الرئيسة للمؤسسات الحكومية والخاصة والمجتمعية متضمنة التجهيزات السمعية والبصرية والحاسوبية والوسائطية والشبكية، كما تلعب التقنيات دورا بارزا في رقي وتطور الدول المعاصرة وتحقيق الرخاء الاقتصادي لشعوبها وذلك بوضع الاستراتيجيات المناسبة وتسخير الإمكانيات وتأهيل الكفاءات، وتضطلع المنظمات والمؤسسات الرسمية والاجتماعية والثقافية بالدور الرئيس في وضع الرؤى المستقبلية وبلورة الاستراتيجيات القادرة على إنماء وتطوير مستوى المعرفة المعلوماتية وتخريج الكوادر المؤهلة والقادرة على التفاعل مع مستجدات تقنيات المعلومات.

لقد آمنت سلطنة عمان بأهمية تقنية الاتصال والمعلومات، وأدخلت خدمة الانترنت عام (1997) حيث تجاوزت عدد الطلبات الإمكانيات المتاحة؛ وتمّ ترقية قدرة النظام وتوسعته بشكل مستمر على الرغم من الصعوبات. ويوجد اليوم تقريبا (80.000) ألف مستخدم لشبكة لانترنت؛ والحقيقة أن لدى جامعة السلطان قابوس وحدها ما يقارب (15.000) مستخدم، ولا شك أن للنساء حصة كبيرة بين هؤلاء المستخدمين. على أن وضع تصور لبناء برامج استراتيجية وطنية للنهوض بالمعرفة التقنية للمرأة العمانية ومحو أميتها في هذا الجانب هو أمر على قدر كبير من الأهمية.

وتشمل البرامج الاستراتيجية منظومة تربوية واجتماعية في مجالات تصميم وتخطيط المناهج التدريبية والتعليمية وتطويرها وتنفيذها وتقويمها وتوظيف التقنيات لتحسين كفاءة الموارد البشرية النسائية العمانية، لذا كان التخطيط الاستراتيجي لتقنيات التعليم والمعلومات ضرورة تمليها التنمية والتطور المتسارع في القطاع النسائي بالسلطنة للوصول إلى توظيف فعال لتقنية الاتصال والمعلومات في هذا القطاع وصولا إلى مساهمته في إثراء الاقتصاد الوطني وخدمة المجتمع وذوي الاحتياجات الخاصة والارتقاء به أفرادا ومؤسسات، وخدمة المعارف الإسلامية واللغة العربية والتراث العماني.

وفي سبيل إنجاح هذه البرامج طويلة المدى كان لا بد من التعرف على الوضع الحالي للمعرفة التقنية بالسلطنة، ومن ثم التعرف على الاتجاهات العالمية المستقبلية في مجال التقنيات، ومبتكراتها الحديثة، ودراسة مضامين ومتطلبات تطبيقها لتطوير كفاءة الموارد البشرية النسائية العمانية، وربط المبتكرات التقنية بالبيئة العمانية وتكييفها لها في البعدين الاجتماعي والثقافي، مع الأخذ بعين الاعتبار الزيادة المتوقعة في أعداد النساء والاحتياجات الوطنية المستقبلية من الموارد التدريبية والمالية والفنية والإدارية والبحثية والمؤهلات العلمية والمهارات والخبرات العملية المطلوبة في قطاع تنمية المرأة لرفع قدرتها على التفاعل والاستفادة مما يستجد في مجال تقنية الاتصال والمعلومات. ولا بد في هذا السياق من تأمين البنية الأساسية لشبكات المعلومات الداخلية والخارجية وأنظمة تسيير البرامج، بالإضافة إلى إيجاد البنية التحتية اللازمة من المباني والمختبرات بما تحويه من الأجهزة والشبكات ومزوِّدات الخدمة ووسائل حمايتها وما بها من معلومات؛ وكذلك وضع المناهج التدريبية وربطها باحتياجات سوق العمل والمجتمع تماشيا مع المستجدات الحديثة في تقنيات الاتصال والمعلومات والتطورات المتسارعة في السلطنة.

وقد تم إنشاء هيئات إشرافية في الدولة تعنى برسم السياسات والاستراتيجيات العامة والآليات والمناهج التعليمية الخاصة بتنمية المرأة في مجال تقنيات الاتصال والمعلومات على المستوى الوطني بما في ذلك إنشاء الجمعيات والمعاهد النسائية العمانية المتخصصة في تدريب الفتيات وربات المنزل وسيدات الأعمال على إدارة وإتقان تقنيات الاتصال والمعلومات محافظة على استمرارية التعلم مدى الحياة وتجديد المهارات والمعارف والخبرات وضمان عدم النكوص لحالة الأمية التقنية.

اضف تعليق