العلم و الأخلاق … درس من اليابان

كتبه : موسى البلوشي

أبرز التغييرات على مستوى التعليم في العالم مؤخرا كان عن الإصلاح الجذري للتعليم في فنلندا وإلغاء المواد واستبدالها بالموضوعات المتكاملة من أجل إعدادهم لمتطلبات سوق العمل، والقصة الأخرى كانت عن اليابان التي ستبدأ بإلزام دراسة الأخلاق بدءً من 2018 لمواجهة تراجع الأخلاق في المدارس الإبتدائية،  وهو ما ترتب عليه بحسب الحكومة اليابانية تزايدا لمعدلات الجريمة.

وسأخصص هذه المساحة حول القصة الثانية:اليابان ودراسة الأخلاق.

من المعلوم أن التربية الأخلاقية في اليابان تعد ملمحا أساسيا لتعليمها وليس هذا بالجديد ، فمادة الأخلاق تدرّس في المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، ويسرد الدكتور عزام الدخيل -وزير التعليم الحالي في المملكة العربية السعودية- في كتابه (تعلومهم) مظاهرا تعكس نظام الأخلاق الذي  كرسه نظام التعليم الياباني كركن الطلاب لدراجاتهم خارج المدرسة بلا أقفال،واعتبار أن عدّ النقود بعد شراء شيء من المتجر من الأمور المهينة لإن الموظف المختص لن ينقص من المبلغ شيء.

وقبل كل هذا كله هل تتذكرون الصورة الشهيرة التي كان تظهر فيها إحدى المعلمات اليابانيات وهي تدرّس مجموعة من التلاميذ على أنقاض إحدى المدارس بعد الدمار الذي خلفته إحدى القنابل التي ألقيت على اليابان في الحرب العالمية الثانية عام 1945م،وبدا على يمين الصورة المعلم وهو يصر على أن تستيقظ اليابان مرة أخرى بالتعليم.

ومرة أخرى ذهل العالم من تعامل اليابانيين مع تسونامي 2011 والذي أعقب زلزالا مدمرا هز بلادهم،الحالة التي واجه بها اليابانيون هذه الحادثة أصبحت مادة يستشهد بها في سلوك الجماهير.

تجلت الأخلاق في هذه الأمة فقد خفضت المطاعم والفنادق أسعارها ..حتى أن أجهزة الصرف الآلي لم تمس!

وفي 2011 أيضا تكررت صورة العلم المشرقة على أنقاض الدمار لكن بصورة مغايرة فقد استمر المعلمون في تقديم الدروس لطلابهم داخل الصالات الرياضية بحيث قسموا تلك الملاعب إلى فصول تفصل بينها حواجز.

وتجلت أسمى معاني الوطنية والإنسانية وأثمرت جهود الاخلاق التي زرعت عبر التعليم والقيم التي تشربها الياباني عبر الحضارات المختلفة حيث كتب أحدهم على لافتة له هذه العبارة ووقف في البرد ينتظر من يطلب المساعدة :

“إذا لم تكن تمانع في ركوب دراجة نارية، فبإمكاني إيصالك إلى منزلك”

وفي أحد الملاجىء تساءل أحد كبار السن متوجسا:”ماذا سيحدث لنا الآن؟” فأجابه أحد الصبية: “لا تقلق! عندما نكبر أعدك بأن نصلحها مرة أخرى”.

مشهد عظيم في دولة سبقت العالم في محو الأمية وفي تدريس الأخلاق.

أخيرا فإن تضمين الأخلاق في المناهج الدراسية ليس مقتصرا على المقولات والنصائح واللوحات والإذاعة المدرسية والمسابقات الموسمية بل يستدعي تفعيلا للمراصد الاجتماعية ودراسات أعمق للظواهر والسلوكيات بعيدا عن اتهام مكونات بعينها أو استقصاد وسائل بذاتها كالقنوات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي،

خطوات تجعل من المنظومة الاخلاقية سلوكا يمارس على الواقع ويستدعى في المواقف عبر تطبيقات وأدوات تناسب هذا الجيل بخياله الواسع وتعلقه بالمحتوى البصريّ والتفاعليّ.

اضف تعليق