المدرسة والصيف فرص للتكامل

د. رجب بن علي العويسي

لا شك بأن الحديث عن المدرسة يبعث في ذاته معنى الاستدامة واستمرارية تحقيق الأهداف، فقد يظن البعض أن المدرسة ونظرا لانتهاء العام الدراسي يتوقف دورها عن اعداد الأجيال وبناء فكر الناشئة وكأنّ وجودها المتعارف عليه بالعام الدراسي هو ما يمنحها فرص التربية، في حين أن فترة الصيف ليس للمدرسة سبيلا إليها وهي مرحلة خارجة عن إطار التعليم المخطط الممنهج المعبر عنه بالمدرسة، والأمر في حقيقته ليس بهذه الصورة، فإن ما ينبغي الوعي به أن دور المدرسة لا يقتصر على فترة معينة أو ينتهي عند حقبة زمنية محددة، بل أن طبيعة المدرسة في أشكالها ونماذجها المختلفة تحمل في نشأتها عوامل استمرارها وقوتها واستعدادها للتجديد وتقبلها للجديد.

 و الأجازة الصيفية استمرارية لدور المدرسة إذ أن حالة الترويح والاستجمام تحمل في ذاتها هدف يجب أن تحققه المدرسة وتغرسه في سلوك الأجيال وتتعاطى معه وفق موجهات وأطر محددة، فدور المدرسة الشامل الواسع يرتبط بجوانب نفسية وتعليمية واجتماعية وثقافية وفكرية وترويحية وغيرها وهي في مجملها تعني قراءة أعمق للإنسان وطبيعة مسؤوليته ، والمدرسة عندما تضع هذه المحددات في آلية عملها وطريقة تفاعلها مع واقعها واستشرافها لمستقبل الاجيال إنما تبني فيهم موجهات للعمل والسلوك ومنطلقات للقيم والأخلاق، كيف يستغلون الاجازة الصيفية وكيف يتعاملون مع التحديات وكيف يتفاعلون مع المعطيات وكيف يديرون اوقاتهم وينمون مواهبهم ويطورون مهاراتهم ويستثمرون ما أتاحه المجتمع لهم من فرص الأمن والأمان والزمان والمكان، وبهذا تضعهم المدرسة في جاهزية تامة واستعداد لتحمل تبعات انقطاعهم عن قاعات الصف في فترة محددة، فما تزودهم به المدرسة من منظومة قيمية واخلاقية يشكل رصيدا لهم لإنجاز أفضل يتشربون من معين التوجيهات ومنطق التربية والتدريب ما يساعدهم في تصحيح مسار العمل.

 من هنا تأتي التكاملية في الدور من خلال قدرة المدرسة على إحداث التحول وتمكين المتعلم من فهم مسؤولياته فيصبح ما يتعلمه في المدرسة بمثابة موجهات يستعين بها في وقت الاجازة الصيفية.

إن التربية المدرسية القادرة على ترسيخ مفاهيم الترويح والذوق والجمال والاستعداد والتصرف وحكمة التعامل مع المواقف وتعزز في ذات الفرد الثقة بالنفس وحسن الاختيار واتخاذ القرار والابتكارية في الرأي والدفاع عن المبدأ الصحيح، هي التي تحمل في طياتها أساسيات وجودها وطريق انطلاقتها ومنهج استدامتها ليصبح منحى التأثير يتجاوز موقف تعليمي وقتي إلى مواقف حياتية راقية، ويتحول ما تمارسه المدرسة من أجل الأجيال وما يمارسونه من أجل أنفسهم في ساحات المدرسة وأروقتها من مجرد تدريس كتاب إلى تدريس مناهج الحياة، ومساحات الاحترام والحوار والتقدير للمعلم والمدرسة في بيئة المدرسة وداخل جدرانها فقط ؛ إلى اتساعها لتشمل المتعلم ولمعلم والعلم والإنسان في كل زمان ومكان؛ والمحافظة على النظافة في أثناء التقييم أو التواجد بالمدرسة إلى كونها ثقافة الفرد في الطريق والمنزل والمؤسسة والمنتزه وغيرها.

إن المدرسة بهذه المعاني صناعة متجددة للحياة وصياغة مؤطرة لأولوياتها. وهكذا يصبح الصيف في حد ذاته تقييم لنواتج المدرسة وما قدمته للأجيال وما استطاعت ترسيخه في الفكر والوجدان، إن الصيف ممارسة عملية تستجلي من المدرسة منطلقاتها ومرتكزها نحو استعداد الأجيال واعدادهم لتحمل تبعات الحياة، وربطهم ببيئاتهم وتراثهم وقيمهم ، وتصبح مناسبات الصيف لهذا العام ممثلة في شهر رمضان وعيد الفطر والمهرجانات السياحية واتساع فرص الاستجمام والاسترخاء والسفر داخل الوطن وخارجه محطات للمراجعة ، تثبت خلالها المدرسة قدرتها على تواجدها وحضورها في ممارسات الأجيال.

اضف تعليق