سافر..

كتبه : موسى البلوشي

(( كان خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمائة معتمدا حج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول ( صلى الله عليه و آله وسلم ) منفردا عن رفيق أنس بصحبته وراكب أكون في جملته لباعث على النفس … وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور )) …

ابن بطوطة (ص5) من كتاب رحلة ابن بطوطة: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.

هكذا خطت بداية الرحلة الشهيرة أو بالأصح مغامرة ارتياد الآفاق وسبر أغوار حضارات ذاك الزمان. وهي الرحلة التي قصد بها ابن بطوطة أولا الحج وزيارة قبر النبي لتتحول إلى أشهر الرحلات في التاريخ، وكأن مقولة (اطلبوا العلم ولو بالصين) كان صداها يتردد حيث سافر وارتحل.

للسفر قدرة على إحداث تغييرات في الأنماط السائدة في المجتمعات حين يحتك ويتفاعل الأفراد و المجموعات المسافرة بغرض العلم والدراسة والثقافة وحتى السياحة- حين يحتكون مع أنماط اجتماعية وثقافية ويتعايشون مع مكونات هذه الشعوب والأوطان؛ وتآلفها بعيدا عن الدعوات التي ترميهم بالتأثر السلبي ثقافيا وقيميا. كما أن السفر يجعلهم يقيمون الأحداث والصور من زواياها المختلفة، ويبنون آراءهم الخاصة المعتمدة على البحث والاطلاع والتجربة دون إهمال أو تحييد رأي أحد ،ليقودوا مسيرة التحول في مجتمعاتهم بطرح الأسئلة وإطلاق المبادرات والمجموعات في ميادين التطوع والقراءة و المعرفة، و يبنون الخطط والاستراتيجيات لنقل معارف الآخر وعلومه من مصادرهم وكأننا نستحضر تجربة دار الحكمة و جهود العباسيين في الترجمة؛ ليبدأ بعدها إنتاج المعرفة وتحقيق السبق وإضاءة العالم بابتكاراتنا واختراعاتنا وعلومنا من جديد.

وفي سفر الأبناء مع أسرهم فرصة لمقابلة أناس جدد، و إقامة علاقات متينة معهم، واستحضر هنا مقولة لأحد أصدقاء السفر يقول فيها:” صداقات السفر تمتد!، وفيها تأمل في الطبيعة وتجارب لمذاقات الأطعمة؛ وتعويد الأبناء على الاعتماد على النفس وخلق مساحات جديدة”.

وعودة إلى ابن بطوطة الذي أرى أن إطلاق مشروع ثقافي باسمه يحمل توجهات لسبر أغوار حضارات العالم هو تكريم لهذا الرحّالة، ولتوثيق الرحلة وتسيدها بشكل عصري يفسح لحضارتنا مكانا مناسبا للتقدير والإشادة؛ كأن يكون في صورة معرض متنقل وممتد يستعرض مدن العالم العربي والإسلامي بكنوزها واسهاماتها العلمية والثقافية وتراثها الشفهي وآثارها النابتة و حضورها في التاريخ، يتنقل بين الأزمنة عبر زر أو فاصل بصريّ يصنع البهجة ويشعل جذوة الأمل لاستعادة الأمجاد.

اضف تعليق