قبلَ أن نضطرَّ لتعلُّمِ درسٍ قاسِ

كتبه : إبراهيم العزري

فَرَغْنَا ذات يوم من أداء سنة المغرب، وحدثنا الإمام بعدها بحديث أرى أنه لا يجدر بنا غض الطرف عنه، وكم تمنيت أن يكون المسجد مكتظا بالناس لكي يسمعوا ويفقهوا ما حدثنا به وخاصة الآباء والامهات منهم. كان موضوعه عن العودة للمدارس وكيف أن الاستعداد الحقيقي والأمثل لا يكون فقط بتوفير القرطاسية والمعدات اللازمة ، بل هو يتعدى هذا المفهوم المادي الذي أصبح صِبغة هذا الموسم، حيث تتسابق المؤسسات الاستهلاكية في تقديم أكثر العروض إغراء ، ويتهافت الأهالي على تلك البضائع وكأن العِلم يكمن في امتلاك الشخص لأجود الدفاتر وأكثر أغلفتها بريقا، وغفلنا عن ما كان يصنع صحابة رسول الله وأتباعه يوم بدأوا بتدوين آيات الله على عظام الإبل وجلود الحيوانات!

منذ أيام… قررت الذهاب لأحد مجمعات التسوق لأشتري غَرَضًا، وما إن وطأت قدماي المكان حتى رأيت “أمة محمد” يسابق بعضها بعضا على شيء ما! قلتُ في نفسي أن هذه صنائع التخفيضات لا ريب! لكن سرعان ما انتبهت إلى أن قسم الأدوات المكتبية والقرطاسية مزدحم وتذكرت أن المدارس على مشارفها، عندها لم أستطع لَوْمَ “أمة محمد”!

يقول الشيخ أنَّ الكثير من الآباء والأمهات لا يُقصِّرون في حق أولادهم وبناتهم في جانب واحد، وهو شراء اللوازم المدرسية؛ لكنهم مُقصرين في جوانب أخرى أهم تدخل في مجال التربية والتأهيل، أذكر منها على سبيل التلخيص لا التفصيل:

إنَّ الآباء يُهملون تغذية أبنائهم، بدأ بذكر هذه القضية نظرا لما تحمله من أهمية قصوى. يكتفي الأب أو الأم بإعطاء ابنه مبلغا من المال – أو “دُرَيْهِماتْ” كما وصفها- لكي يشتري به ما يحلو له وقت فسحة المدرسة، أما الذي يشترونه فلا يُسمن ولا يُغني من جوع، وخالٍ من أي قيمة غذائية تُذكر. ومن طلابنا من يسقط مغميا عليه في طابور الصباح، ومنهم من يفقد تركيزه بعد أول دقيقة في الحصة الأولى، ومنهم من لا يُعير المعلمين اهتماما ومن هو سارحٌ طوال اليوم الدراسي فقط لأنه يشعر بالملل في الحصص.

إذًا كيف نلوم طلابنا على تدني مستوياتهم وتحصيلهم العلمي؟ وكيف نفسر حقيقة أن عددا كبيرا من طلابنا ينهون مرحلة دراسية وهم لا يفقهون شيئا مما تعلموه؟ والتاريخ العماني حافلٌ بحقائق عن صنيع أهلها في طلب العلم والاجتهاد فيه وبناء مؤسساته، منها أن إمام الدولة اليعربية العمانية الثالث “بلعرب بن سلطان اليعربي” كان يُشرف على تغذية تلاميذه ويُنفق عليها من ماله الخاص. فالتغذية السليمة هي أساس بناء العقل السليم الواعي والمدرك لما حوله.

ويقول الله في كتابه الكريم في قصة إخراج آدام وحواء من الجنة، محذرا فيها الزوجين من فتنة الشيطان ومكره: “..ولا يُخْرِجَنَّكُما من الجنة فَتَشْقى”. هذه كانت بداية تكليف الرجل في تاريخ البشرية جمعاء، قال الله –عز وجل- “فتشقى” ولم يقل “فتشقيان”، أي أنه خصَّ بالذكر آدم – وهذا ما اتت به الكثير من التفاسير. لكن هذا لا يعني أن دور المرأة مهمّش. فَلِمَن أعطى الله قلبًا رحبا عامرا بالحب والحنان والعطف والصبر؟ ولِمَنْ وجهَ القرآن والسنة أمرا بإطاعة الزوج وإعانته على طاعة الله ورسوله وتربية الأبناء؟ المرأة! دور المرأة ليس بالهيِّن، فكما يقوم الأب الحنون بتوفير المعاش والمأكل والمشرب والكساء ويشقى ساهرًا على راحة العائلة، تعتني الأم الحنونة بأطفالها بطريقتها الخاصة. إذا إنها مسؤولية الأم أولا لكي تُعد فطور أطفالها الصحي صباح كل يوم، ويمكن لها أن تجهزه في علب وحاويات حتى يصطحبها الولد أو البنت إلى المدرسة. ويكفي ما أثبتته الدراسات من أدلة علمية وطبية على أَثَرِ وجبة الإفطار في الجسم والعقل والنفس.

كيف نُعد أبنائنا وبناتنا نفسيا للمدرسة؟ يقول الشيخ أن أول العلم صعب، إن الإلمام بالأساسيات هو أصعب العلم، فكيف يتلقى الطالب تلك الأساسيات وهو غير مهيئ نفسيا؟ فلننظر إلى طفل في الصف الأول: المسكين لا يفقه في الدنيا والحياة شيئا، ونرميه نحن في قاعة مع أطفال غرباء، وقد يكون طفلا انطوائيا، أو خجولا، وربما قد تعوَّد على الدلال في البيت؛ لينصدم من واقع المدرسة! خاصة لو تولَّى تدريسه معلمون قاسون. فقط عندها يتشوش ذهن الولد المسكين.

وهنا يأتي دور التربية التي يتشارك فيها كل من الأب والأم، والمعلم بالطبع. على المعلم أن يكون تربويا في تعامله مع طلابه لا أكثر ولا أقل، تماما كما الآباء.

من الآباء من يُهمل متابعة أداء أبنائهم المدرسي. ذَكَرَ الشيخ أحد القصص المتعلقة بهذه المُعضلة في أُسَرِنا… يقول أن فتاة في الثانوية العامة قد طلبت من أمها جواز سفرها بحكم أن المديرة طلبته لتتأكد من اسم الطالبة الكامل، ناولت الأم الجواز لابنتها وفي اليوم التالي لم تعد الفتاة للمنزل. مرت أيام من البحث عنها ، لتعود بعدها و تخبر أهلها أنها سافرت خارج البلد مع صديقة لها. ألم يكن ينبغي للأم أن تتواصل مع إدارة المدرسة و تستعلم عن سبب طلبها للجواز؟ بل إنها لا تملك رقم المديرة أصلا، ولم يكن في مقدورها أن تتكبد عناء ومشقة أن تطلب رقمها وتسألها!!!

(من بين الحضور في المسجد طفلٌ ظريفٌ أَجزُمُ أنه في الصف الأول أو التمهيدي. ذكرَ مُحدثنا أن هناك من الطلاب من يعود إلى بيته ويرمي بالحقيبة المدرسية جانبا. ابتسمَ ليَ الطفل حين سماعه لكلام الشيخ هذا، وبادلته أنا الابتسام كالذي يقول له: (وأنتَ أيضا ترمي بحقيبتك ساعة وصولك البيت  هااا؟!) – ردة فعله طمأنتني أنَّ أطفالنا أذكياء ويفهمون ما يحدث في محيطهم مع مرور الوقت، والآباء هم من قد يُسهِموا في تدمير حس الإدراك والوعي والاستكشاف فيهم حتى يصيروا بُلَداء-  …

هنالكَ رسائل كثيرة تُوَجَّهُ لأولياء الأمور مِنْ قِبَلِ معلمين ومدراء مدارس ومسؤولين عن مختلف الأمور المتعلقة بأبنائهم كالشكاوى وغيرها، ومن ثم لا يعود لها أثر، وتُنسى المسألة. إما أن ينساها الطالب في حقيبته وتبقى هناك إلى ما شاء الله، أو أنه من المحتمل أن يتعمد الطفل إخفائها.

من الطلاب من يسهرون الليالي يتابعون المسلسلات والأفلام وغيرها بلا حسيب ولا رقيب. ينطلقُ لسانهم عند حديثهم عن الأبطال الخارقين في الرسوم المتحركة، وينعقدُ إذا سألتهم سؤالا عن درسٍ من دروس المدرسة! ومنهم أيضا من يُهملون واجباتهم المدرسية، ومنهم من يتستر عليها خشية أن يقف أباه أو أمه فوق رأسه لكي ينجزها! لماذا هذا الشيء كله؟ لأن من آبائنا –هداهم الله- من لا يتابعون أبنائهم: ماذا يدرسون؟ ماذا يحفظون؟ أي تكليف مدرسي أو مشروع عليهم إنجازه؟ هل يُبلون حسنا في الصف؟ هل هم مشاغبون؟ هل يحتاجون لمساعدة ما؟ بل إن من طلابنا من لا يتجرأ على السؤال إذا اعترضه أمر ما في دراسته أو حتى في حياته، فقط لأنه لم يتعود على طرح الأسئلة – بيد أن الكثير من الآباء يتضايقون من كثرة الأسئلة وينشأ الطفل فردا لا رأي له ولا كلمة-. ولو أننا عودنا أبنائنا وبناتنا وشجعناهم على التساؤل والتفكير النقدي كان الأمر مختلفا تماما).

لطالما اهتمت دولتنا العمانية أشدَّ الاهتمام بالتعليم –كما أسلفنا في مثال سابق-، وفي ظل –حكيم عمان والعالم- صاحب الجلالة السلطان قابوس -حفظه الله- توفرت لنا سُبُلَ التعليم من مدارس ومعاهد ومناهج حديثة ومعلمين أكِفّاء، تم تذليل معظم تلك الصعوبات التي واجهت المُتعلمين في الماضي من عدم توفر وسائل النقل، والبيئة المُريحة وغيرها، يبقى دورنا نحن في استغلال هذه النعمة وشكر الله عليها… يبقى على آبائنا أن لا يُهملوا قُرَرَ أعينهم… يبقى على معلمينا أن يربوا قبل أن يُلقنوا ويُعلموا، ويبقى الأمر منوطا بطلابنا أيضا أن يهتموا بتحصيل العلم لا من أجل اختبارات نهاية كل فصل دراسي بل من أجل العلم والحياة.

هذا كان ملخص ما حدثنا به مُحدثنا – وأنا أقولُ أن حجة طلابنا اليوم ليسَ في حقائب مدرسية تواكب آخر صيحات الموضة، بل فيما داخل تلك الحقائب وماهية مصيرها! كيف نلومُ أطفالنا وهم لا يفعلون شيئا إلا وقلَّدونا فيه! هُمْ كيفما نقشناهم. وأظن أنه علينا أن نُحركَ ساكنا قبل أن يقع الفأسُ في الرأس، ويحدث ما لا تُحمدُ عقباه و نضطرَ لتعلُّمِ درسٍ قاسٍ. إننا نصرخ في وجوه أطفالنا إذا ما تأخروا عن حافلة المدرسة! ونجلدهم جلدًا لو انكبّوا على أنفسهم تحت البطانيات! قد نسبهم! ونلعنهم! ونَلوي آذانهم! وقد ندعي عليهم! وَنَصِفُهُم بالجُبن والبَلادة، ونحنُ من يجب أن يُجلدَ أو يُسجنَ أو عذابٌ أليم! – (أمزح) – نحن من علينا فقط أن نتَّقي الله فيهم.

اضف تعليق