المكالمة الهاتفية الإيجابية

“المكالمة الهاتفية الإيجابية”: نصيحة أُسديها لجميع المعلمين

كتبته: إيلينا آجويلير

ترجمه : إبراهيم العزري

في نهاية اليوم الدراسي الأول الذي بدأتُ فيه مزاولة التدريس في إحدى المدراس، قمت بعمل مكالمات هاتفية لجميع أولياء أمور طلاب الصف الثاني الذي عُينت لتدرسيه – الواحد تلو الآخر- ! لقد أَسْدى إليّ مشرفي التربوي تلك النصيحة، وكان ذلك ما فعلته بالضبط! لم يكن لدي خيار آخر غير تلك الاستراتيجية البسيطة التي قررت اتباعها من أجل البقاء في عالم التربية والتعليم بكل تعقيداته وضغوطاته، و كانت خيرَ معين لي. إنها – بكل بساطة – : الإصغاء للنصائح مهما كان مصدرها ومحاولة تطبيقها.

فعلتها بالرغم من الإرهاق الذي أحسست به بعد يوم دراسي طويل. ألقيتُ التحية على أيٍّ كان قد تلقى الاتصال، وعرَّفتُ بنفسي، طرحت بعض الأسئلة عن أطفالهم، وطمأنتهم بأنهم يُبلون حسنًا في أول يوم دراسي لهم. أعربت لهم عن مدى شوقي وترقبي في انتظار يوم غد!

بعد فترة من الزمن، سرعان ما تعرفت على الطلاب الذين أتعامل معهم، أيْ أولئك ممن هم صعبي المراس، وممن هم ضعيفي التحصيل، وحتى أولئك الذين يواجهون صعوبات في التعلم أو الذين يفضلون طريقة تدريس وتعلم دون الأخرى. رسمتُ هدفا لي بأن أتصل بأهاليهم هاتفيا كل أسبوع حاملة لهم أخبارا سعيدة عن تقدم مستوى أبنائهم. وقد شاركت هدفي هذا مع طلابي لأحفزهم، كنت أحييهم لدى دخولهم باب الصف بقولي: “أنا سعيدة برؤيتك هذا الصباح يا فلان! وأنا سعيدة للعمل معك عن قرب هذا اليوم لأرى ما سأحمله من أخبار سارة لأمك هذا المساء. لا يسعني الانتظار حتى اتصل بها مساء اليوم لأخبرها كم أنكَ قضيت يوما ممتازا في المدرسة!”.

طوال سنتي الأولى في المدرسة وأنا أداوم على ذلك. أخذتُ هذه العادة معي حتى في السنوات التي تلتها. فقد كان لدي حدس بأن ما أفعله هو إيجابي لدرجة كبيرة وما شهدته من تفاعل من جانب طلابي خير دليل، – فصدقوا أو لا تصدقوا- أقوم أحيانا بمقاطعة الدرس لأتصل بولي أمر أحدهم أمام الجميع لأبلغه بأداء ابنه أو ابنته، وهذا ما شَرَحَ صدور الأطفال! وكم أحبوا ذلك! فسرعان ما قام الآخرون بالتوسل إلي لأتصل بأولياء أمورهم. فطلاب الصف الثامن – على سبيل المثال- أخذوا يتنافسون أيهم سأتصل بولي أمره، فمنهم من يتشوق لأن يتلقى الاتصال أمه أو جدته أو أي شخص مقرب منهم. وكانت هذه إحدى الوسائل التحفيزية التي سخرتها لأشجع طلابي ولأكافأهم على صنيعهم الجيد في الصف.

 أطلقت على استراتيجيتي هذه بــ “المكالمة الهاتفية الإيجابية”. دائما ما أحرص على إعطاء طلابي استبيانا في أول يوم في المدرسة في كل فصل دراسي جديد يتضمن أسئلة مثل: (من تريدني أن أهاتف حاملة له أخبارا جيدة عما أنجزته في يومك؟ يمكنكم كتابة قائمة من 5 أشخاص تودون تلقي مكالمتي بشرط إعلامهم بذلك…) أعطيت الأولوية لطلابي الذين يحتاجون لمساعدة في دروسهم أو أولئك الذين لديهم صعوبات في التعلم مثلا، ومن هم ضعيفي الأداء الصفي. إنهم الطلاب الذين نادرا ما أجد شيئا إيجابيا عنهم لأبلغه ذويهم! وعندما أتصل بأهالي أحد هؤلاء أُتْبِعُ تحيتي بعبارة “أخبار سارة عن ابنكم” وَبِنَفَسٍ واحد خشية أن يغلق أحدهم الخط، وما صدمني وأحزنني في الوقت ذاته هي تلك المرات التي أهاتف فيها بعض أولياء الأمور وأتلقى تعليقات مثل: “لم يسبق لأحد أن هاتفني من المدرسة يخبرني بأن تحصيل ابني الدراسي جيد”، وكم من المرات هاتفت فيها أحدهم وغصَّ ونَشَجَ بالبكاء فرحًا!

استعملت استراتيجية “المكالمات الهاتفية الإيجابية” في البداية لإدارة سلوك طلابي في الصف، ولكي أوطِّد علاقتي معهم، وأثمرت جهودي بالنجاح. لكن بعد مرور عشر سنوات أصبحت أمَأ، وانتقلتُ بمشاعري إلى عالم آخر. صارَ جلَّ ما أتوقعه من المدرسين هو حمل ملاحظاتهم عن طفلي إليّ ، بأن يثمّنوا أداء طفلي الجيد ويرفعوا تقريرا إليّ بذلك ، وأن يُعلموني متى ما كان طفلي يجتهد في شيء، ومتى ما لاحظوا تغيرا في سلوكه.

وأخيرا – أدركُ ما قد تفعله الساعات التي يقضيها المعلم في اليوم الدراسي الواحد فيه! وأدركُ أيضًا بأنَّ مكالمة هاتفية واحدة قد تستغرق 3 دقائق، ولو أن كل مدرس خصص 15 دقيقة ليهاتف أولياء أمور طلابه حاملًا أخبارًا إيجابية عن أطفالهم، لكانَ تأثير ذلك عميقا على الطرفين. والمعلوم أنه لا وجود لمثل هذه العادة الإيجابية في قائمة أولويات المدرسين. وأنا أقول لك – عزيزي المعلم – : “جرِّب بنفسك!”، جرب أن تتصل بأولياء أمور بعض من الأطفال ولو لأسبوع واحد وأنظر إلى ما سيحدث بعد ذلك. جميع طلابك يستحقون هذا التحفيز سواء كانوا من المجيدين أم ضعافا في التحصيل. إن الأمر كحجر صغير رماهُ أحدهم ولامسَ لتوهِ سطح بركة ماء، يبدأ بدائرة صغيرة تليها أخرى وأخرى، وسرعان ما تكبر وتتوسع تلك الدوائر مكونة موجات، ذلكَ هو التأثير التي قد تُحدثه “المكالمة الهاتفية الإيجابية” في نفوس الأطفال، وفي بيئة الصف الدراسي، وفي المعلم نفسه – والذي شهدته بنفسي-.

المصدر : (اضغط هنا)

اضف تعليق