الغش الإلكتروني في امتحانات مؤسساتنا التعليمية

 تحقيق : يعرب المعمري

أُنبئت أن الغش بات سجية           في معهد للإفك صار مآبا

كبّر عليهم أربعا في لجنة            بالغش باتت مرتعا وخرابا

 يبدو أننا قد ودعنا تلك الأداة القديمة المستخدمة في الغش في الامتحانات والتي كانت بسيطة كبساطة أولئك الذين يستخدمونها رغم قلتهم ” البراشيم ”  .. نعم انتهت حقبة البراشيم الورقية وولى زمانها دون أن تودعنا أو حتى أن تلوّح لنا بيدها من بعيد ، واكتسح عالم الامتحانات طريقة جديدة ، أبت أن تتخلف ، وأصرت أن تواكب العالم التقني والطفرة التكنولوجية الهائلة المحيطة بها ، إنه ” الغش الإلكتروني ”

تقول صحيفة عاجل الإلكترونية في استعراضها لما نشرته الصحيفة الفرنسية لوماتن :

( “أينما وجدت امتحانات وُجد غشاشون”.. هذه الظاهرة ليست مقتصرة على طلاب الدول النامية، ولكنها موجودة في نظيراتها من الدول ذات التعليم الراقي من الدول المتقدمة كذلك .

تقول صحيفة “لوماتن” الناطقة بالفرنسية إن الطلاب في أوروبا أصبحوا يبتكرون طرقًا جديدة تمكنهم من الغش في الامتحانات.

لكن ما نشرته الصحيفة الفرنسية يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن طلاب الدول النامية أكثر خبرة وتمرسًا في كيفية الغش عن نظرائهم بالدول المتقدمة.)

يبدو أننا حققنا التقدم أخيرا على الحضارة الغربية ولكننا لم نتقدمهم في العلم ، بل تقدمناهم في إحدى الآفات التي تصيب المجتمع العلمي وتدمره ، بل وقد تتعداه وتنشر وباءها في المجتمعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

يجب علينا عدم الاستهانة بمصطلح الغش الإلكتروني ، ويجب علينا محاربته والقضاء عليه واستخدام كافة الأسلحة للقضاء عليه إن كنا نرغب في الحفاظ على قداسة مجتمعاتنا وأوطاننا.

ولمعرفة المزيد من الحقائق والمعلومات ومن أجل التطرق لمفهوم الغش الإلكتروني ومعرفة أنواعه ، ومن أجل الوصول لمسببات الغش الإلكتروني في الامتحانات ودوافعه وللتطرق إلى عواقب هذه الآفة وتأثيراتها على مجتمعنا التعليمي الذي يشكل نواة عماننا الحبيبة قامت أسرة مجلة نوت بالتحقيق التالي :

يتحدث أ. سمير المعمري – خبير تقني – في مفهوم الغش الإلكتروني وأنواعه فيقول :

عند تطرقنا لمفهوم الغش فنحن نعرّفه بأنه استخدام وسائل وأدوات وطرق معينة من أجل الحصول على الإجابات الصحيحة لامتحان ما ، وهو إهدار لقيمة تكافؤ الفرص ، وهو أيضا عدوان صارخ على الأمانة والصدق ، كما أنه يطير بجهود وإخلاص طلبة العلم الحقيقيين والمخلصين في مهب الريح . ولا فرق بينه وبين السرقة والكذب في مقدار الذم والبغض.

أما عند الحديث عن أنواع الغش الإلكتروني فهي كثيرة ومتعددة ،  ويكاد يكون لكل غشاش أسلوبه الخاص وطريقته الحصرية، ولكن لنستعرض لكم الشائع منها في الاستخدام :

  • الهواتف الذكية :

وهي الطريقة الأكثر شيوعا بين طلبة المدارس والجامعات، ولها العديد من طرق الاستخدام ، وفيها تسخر الوسائل الحديثة من نظم المراسلات كبرامج الفيس بوك والواتساب وغيرها

وأغلب طرق الهاتف تعتمد على وجود طرف آخر يزود الممتحن بالإجابات بعد أن تصله أسئلة الامتحان بطريقة ما من داخل قاعة الامتحانات، سواء بقيام الممتحن بتصويرها أو عن طريق خروج أحد الممتحنين مبكرا أو بأية وسيلة أخرى.

  • ساعة الهاتف :

تتوفر في هذه الساعة ما يوفره الهاتف الذكي ولا تختلف عنه كثيرا ، بل إنها تتميز بصغر حجمها وشكلها المموّه الذي قد يغفل عنه أغلب المراقبين ، وتزود هذه الساعة بسماعة أذن ليتم التخاطب بين الممتحن والطرف الآخر الذي يكون بحوزته المادة العلمية للامتحان  ليقوم بالبحث عن الإجابة وإرسالها للممتحن. وليس ذلك وحسب، بل إن هذه الساعات تحتوي على سعة ذاكرة ضخمة بإمكانها أن تحوي عدد 5 مقررات دراسية ويمكن تصفحها بسهولة.

  •  أقلام ونظارات طبية مزودة بكاميرات وسماعات تعمل بتقنية البلوتوث وهواتف على شكل ممحاة وآلة حاسبة وسماعات أذن لا يتعدى حجمها النصف سنتيمتر.

لا تقتصر وسائل الغش الإلكتروني على هذه التي ذكرناها مسبقا بل هناك غيرها المئات من الطرق ، وكما أسلفت سابقا قد يكون لكل غشاش طريقته الخاصة .

اعترافات غشاشين :

  •  معلم انجليزي ( ي . ع ) يقول :

اتصل بي مجموعة من الأصحاب العاملين في أحد أجهزة الدفاع وأخبروني بأنهم سيتقدمون لامتحانات الشهادة العامة ، وأن امتحان الإنجليزي سيكون عليك اجابته لكي ننجح ، فضحكت وقلت ولكن كيف ستصلني أسئلة الامتحان؟ فقالوا لا عليك كل شيء مرتب.

عموما في يوم الامتحان ذهبتُ وجلست في سيارتي ، وفعلا بعد ربع ساعة خرج زميل لهم وسلّمني ورقة امتحانه وقال : ارسل الإجابات لهم عن طريق الواتساب ، ففعلت ذلك ونجحوا في المادة.

ويبدو أنهم قاموا بذلك في جميع المواد ونجحوا وحصلوا على الشهادة.

  • طالبة جامعية ( خ . ب ) تقول :

مع بداية ظهور سماعات البلوتوث التي اخفيتها تحت حجابي قمت بتزويد زميلتي الموجودة في الغرفة ومعها المقرر الدراسي بالأسئلة وأعطتني الإجابة دون أن يشعر أحد بذلك أو حتى يلاحظ ، وحصلت على تقدير جيد جدا في تلك المادة ، وتكررت تلك الطريقة معي ومع زميلتي أكثر من مرة ولكن في مقررات العلوم الإنسانية فقط ، أما في المقررات العلمية فلا تجدي نفعا.

 وتتحدث هاجر البوسعيدي – كاتبة بصحيفة وهج الخليج – عن الأسباب والدوافع التي قد تدفع بطلبة العلم إلى اللجوء للغش فتقول :

من وجهة نظري أن الأسباب تأتي من الجميع ، من الطالب أو المعلم أو الهيئة التعليمية. أصبح الاختبار غاية وليس وسيلة ، لأن الأغلبية تريد الحصول على الشهادة دون أن تكلّف نفسها بشيء ، والبعض أيضاً يريد الحصول على كل شيء بأسهل الطرق ، وليس أمامه سوى الغش ، ولن أحصر الأسباب ولكن سأذكر بعضها

  1. ضعف ثقة الطالب بنفسه.
  2. صعوبة الأسئلة التي تضعها المؤسسة.
  3. الرغبة في الحصول على درجات عالية.
  4. ضيق الوقت ما بين موعد الاختبار والوقت التحضيري له.
  5. عدم وجود رادع يمنع الطالب من التفكير في الغش.
  6. قلة المحاضرات والإرشادات لتذكيرهم بمخاطر الغش.
  7. عدم اهتمام المراقبين بمراقبة الطلاب بشكل المطلوب.

ومن منظور آخر للأسباب والدوافع يعتقد أ. زايد الجابري – خبير تربوي – ان  :

” المنظومة التعليمية تسير بشكل خاطئ إذا وجد طلبة غشاشون ، ولا بدّ من تصحيح مسارها ، وعند إلقاء النظرة على المنظومة التعليمية في سلطنة عمان، سواء كانت تلك المتبعة في الجامعات والكليات أو في المدارس الحكومية – فلا وجود للاختلاف بينهما أصلا حيث يعملان بنفس النهج والنمط –  فإننا نجد أن التعليم يتركز فقط على أداء الطلاب في الامتحان، ومعظم الدرجة التي تعطى للطالب تكون درجته في الامتحان إن لم تكن كلها، وهذا النمط  من التعليم لا يتناسب مع جميع المقررات والمواد الدراسية ، ومن أجل النجاح أو الحصول على الدرجة في ذلك الامتحان سنجد الكثير من الطلاب يلجؤون للغش في الامتحانات ، بل وسيبدعون في طرق الغش وابتكار طرق جديدة لذلك .

ومن الأسباب الأخرى للغش الإلكتروني هو عدم دراية المراقبين في قاعات الامتحان بوسائل الغش الحديثة والطرق التكنولوجية المستخدمة، وذلك لكون المراقبين من جيل استخدام الطرق التقليدية كالبراشيم الورقية وغيرها، لذلك نجد الطلبة يستغلون عدم دراية المراقبين ويستخدمون وسائل الغش الالكتروني بأريحية تامة ودون الخوف من أي عواقب ”

وتعلق البوسعيدية على دور الجامعات والكليات والمدارس الحكومية بقولها :

” للمؤسسات التعليمية  دور في الحد من الغش الإلكتروني، وتتحمل جزءا كبيرا من هذه المشكلة، فهي جزء من المنظومة التعليمية، سنّ القوانين لهذه الظاهرة، فتح حوارات تبنى على الشفافية والوضوح بين الطلاب والمعلمين في المؤسسة نفسها، والتحدث عن هذه الظاهرة ومحاولة إيجاد الحل من كل الطرفين، تكثيف المحاضرات والإرشادات لتوعية الطلاب بمخاطر هذه الظاهرة “.

أما سمير المعمري فيرى أنه :

” لا بد للجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى أن تقوم بإجراء دراسة للأسباب التي تدفع الطلاب للغش ووضع الحلول المناسبة ن والعمل بتوصيات تلك الدراسة، وعليها أن تقوم بالعديد من الدورات للعاملين لديها لتعريفهم بوسائل الغش الإلكتروني الحديثة، كما أنه لا بد من وضع حد للغش الإلكتروني وتوفير كافة السبل والطرق لمنع حدوثه، وذلك من خلال تركيب أجهزة لمنع عمل الهواتف النقالة في قاعات الامتحان، وأي وسائل تعتمد على الاتصال اللاسلكي وغيرها من التقانات الحديثة “.

ويعلق الخبير التربوي زايد الجابري في هذه النقطة بقوله :

على المؤسسات التعليمية أن تراجع نفسها في كيفية توزيع الدرجات، وإيجاد بدائل أخرى لتقييم الطالب غير الامتحان. وعليها أن تعدل من المنظومة التعليمية بحيث تركز على شغل الطالب وتفاعله داخل وقت الدراسة، وخلق بيئة تعليمية فعالة، وتغيير نمطية التلقين والاعتماد على الحفظ “.

أما من ناحية الآثار والنتائج التي سيخلفها الغش الإلكتروني فتقول هاجر :

” الغش يجمع السرقة والخيانة أيضا ، فكيف تمشي في الطريق الصحيح وأنت حصلت على الشهادة بطريقة خاطئة! قد تكون هذه المجموعة من الغشاشين معلمي أجيال ، فكيف ستصبح الأجيال القادمة إذن ؟

بطبيعة الحال سنكون متأخرين كثيراً عن المجتمعات الأخرىن ونحن كما نعلم جميعنا بأن الأمة لا تصلح إلا بالعلم، إضافة إلى ذلك سينقل الغش إلى المؤسسة أو العمل الذي سيلتحق فيه فيما بعد.

ويضيف الجابري :

” أساس تقدم الأمم وحضارتها ورقيها ونهضتها في جميع المجالات هو العلم، فإن أفسدته آفة الغش الإلكتروني فمعنى ذلك أنه لا وجود للتقدم ولا الحضارة ولا وجود لنهضة تذكر “.

اضف تعليق