الأدوار المفقودة

بقلم : بدر الراشدي

“‬لا شيء في الطفولة مهم بقدر الحاجة للشعور بحماية الأب‫” ‫-‬ سيجموند فرويد‬‬‬‬

تربية الأطفال عملية تكاملية تشاركية بين الأبوين بشكل أساسي و مع مؤسسات تربوية أخرى، حيث لا يمكن أن تعمل بشكل سليم في حال غياب دور أحدهما، و لا يمكن وضع خريطة أدوار عامة تنطبق على الجميع، فهذه من الأمور التي تحكمها بيئة و ثقافة و ظروف كل أسرة، و لكن المهم في كل ذلك أن هناك أدواراً ينبغي أن يضطلع بها الوالدين كل حسب اهتماماته و ميوله، فالأب المتعلم الذي يحب أن يكون قريبا من تعليم أبنائه يمكن أن يأخذ هذا الدور و يعتني بهم من هذا الجانب مع عدم إغفال دور الأم طبعا. و بالمثل أيضا إذا كانت الأم قريبة من الجانب الصحي كتخصص يمكن أن تأخذ دور المربي الصحي للأطفال و للأسرة ككل، و هكذا في بقية الأدوار، مثل الجانب الثقافي و الإبداعي، وجانب بناء شخصية الأبناء و العطاء المجتمعي و غيرها من الأدوار.
أسر اليوم أكثر وعيا و تنورا من ذي قبل، و تتعاطى بشكل جيد مع مستجدات الحياة و متطلبات الأبناء النفسية و المادية، و هذا شيء يجعلنا حقيقة نتفاءل بجيل أفضل. و لكن الملاحظ في بعض الأحيان أن هناك أدوارا مفقودة تماما، أو عشوائية تنتج عنها تضاربا في القيم و المفاهيم التي يتم ضخها في عقول الأبناء مما يؤدي إلى عدم فهم الأبناء للرسائل التربوية بشكل واضح، بنظرة بسيطة على وسائل التواصل الاجتماعي نجد أن الأمهات أكثر قربا من تربية أبنائهن حتى و هم في أعمار أكبر و ربما حتى سن المراهقة، و يبقى الأب ينظر لتربية أبنائه من أعلى، فلا تجده يتعاطى مع مشاكل الأبناء اليومية، باستثناء ما توصله له الأم ليتدخل بأوامره و نواهيه – هذا إن اهتم أصلا- و هذا بحد ذاته عبئ إضافي على الأم المثقلة بالكثير من الأمور، و كثيرا ما نسمع تأفف الأمهات من عدم اهتمام الأزواج بموضوع التربية، و أن الآباء يتدخلون غالبا عندما تكون هناك مشكلة ما، و يعتذر بعضهم بحجة الانشغال بأعمالهم و هذا ليس عذرا في الحقيقة، فالأم اليوم أيضا أصبحت موظفة جنبا إلى جنب مع الأب، و بالتالي هي تعاني كما يعاني هو من ضغوطات العمل و همومه.
مع هذه النماذج السلبية تبرز نماذج إيجابية لآباء عرفوا معنى الوالدية الإيجابية بشكل صحيح وخففوا الحمل على الأمهات، و بالتالي كسبوا أبناء متوازنين في قربهم من الأبوين، و كسبوا الأم التي كلما تخففت من ضغط المسؤوليات كانت أكثر نتاجا لأسرتها و مجتمعها.
إن التخصصية في أدوار الأبوين تعطي نتائج أكبر و تنعكس بشكل أفضل على الأبناء، بحيث يفهم الأطفال أين يلجؤون عندما تعترضهم المشاكل، حيث يفهم الابن أن والده هو من يسرّ إليه بأمور المدرسة أو الأم ليفضي لها بعلاقته مع أصدقائه.
بقي أن نقول أن هناك أمهات قمن بدور الأبوين بشكل كامل، لأسباب كثيرة و أبدعن في تربيتهن لأبنائهن، كل التحية و التقدير لهن ولكل من يجعلون تربية و تعليم أبنائهم اهتمامهم الأول من أجل بناء جيل قادر على أن ينقل مجتمعاتنا و أوطاننا لمستقبل أفضل.

اضف تعليق